الصفات التي أنضجت دعوة النورسي وفكره
مقدمة
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن حصر مناقب عظماء الرجال وكتابتها وبثها لهو أمر من أجل الأعمال وأحسنها، خاصة في هذا الزمان الذي قل فيه العظماء، واحتاج الناس إلى سير قدوات يقتدون بها في أخلاقهم وسلوكهم في خضم بحر هائج متلاطم من السخافات الإعلامية يظهر فيها كل تافه وتافهة اتخذهما كثير من الناس قدوة لهم في هذا الزمان الصعب.
ولهذا فإن نشر سير ومناقب العظماء ممن قد تخفى مناقبهم وسر عظمتهم على كثير من الناس لهو أمر محمود مهم، وأزعم أن أستاذنا بديع الزمان النورسي هو من جملة هؤلاء الذين ضحوا وقدموا، وبذلوا وأعطوا، وهان عليهم بذل أرواحهم في سبيل نصرة هذا الدين، ثم لم يكلف أبناء الزمان أنفسهم للوقوف على أعمالهم، واستقصاء سيرهم وأخبارهم، وهذا هو أقل درجات الوفاء تجاههم لكن لعمر الحق إن أهل هذا الزمان قد قصروا تقصيراً بيناً في تحصيل هذا الأمر، وتراخوا وضعفوا حتى وقع المحذور ألا وهو عدم وقوف أكثر الناس على أخبار العظماء وتفاصيل حياتهم التي هي في غاية الأهمية لكل من يريد تجديداً للدين، أو يروم رفعة للأمة وسيادة لها وتمكيناً؛ لأن حياة
3
أولئك تجربة فاخرة، وخبرة ثرية تحتاجها الأجيال في طريقها للنصر والتمكين، وقصة كل واحد من هؤلاء العظماء مشاعل هداية ومعالم على الطريق لا يمكن إغفالها ولا تجاوزها.
أما أستاذنا بديع الزمان النورسي فإن الداعي للكتابة عنه أعظم، والناس إلى سيرته أحوج؛ وذلك لأنه تغمض جوانب كثيرة من سيرته على جل المثقفين من المسلمين، ربما باستثناء تركيا، ولذلك أحمد لإخواننا من جماعة النور إقامة مثل هذه الندوة (١) التي تعرف بجانب من حياة الأستاذ وعمله، فهم بذلك يقضون حق الأستاذ، ويوفون له، ويعرفون سائر المسلمين بسيرته العطرة، وليتهم إذ صنعوا هذا يكملون صنيعهم بإقامة ندوات أخرى تشرح سائر جوانب سيرته الأخرى حتى يجعلوها بارزة ظاهرة، وهذا أقل ما يجب في حق هذا الرجل العظيم.
وأزعم أن إخواننا الأتراك قد فعلوا بندوتهم هذه ما لم يفعله كثير من المسلمين الذين أغفلوا سير عظمائهم وروادهم، فلا أملك إلا أن أدعو الله لهم بالتوفيق والسداد، وأن يثيبهم على صنيعهم خيراً.
(١) ألقي هذا البحث في ندوة جرت باسطنبول المحروسة سنة ١٤٢٦/ ٢٠٠٦، وأضفت على البحث مبحثاً يعرف ببديع الزمان النورسي تعريفاً موجزاً فصارت هذه الرسالة التي بين يدي القراء.
4
وأشكرهم إذ أحسنوا بي الظن، وقدموني لأتحدث في هذا المحفل العطر عن سيرة حياة رجل تتضاءل كثير من القامات وتنحني كثير من الهامات أمامها، لكن هكذا قدر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأسأل الله التوفيق والإعانة، فيما توخيته من الإبانة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وأزكى الصلاة وأسنى التسليم على خير خلق الله أجمعين، وآله وصحبه الغر الميامين.
وكتبه
محمد بن موسى الشريف
5