تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

تسبيح ومناجاة وثناء على ملك الأرض والسماء

رابعا من تسبيحات السلف وثنائهم

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 67-99 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 24 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابتسبيح ومناجاة وثناء على ملك الأرض والسماء

رابعاً

من تسبيحات السلف وثنائهم

١ - قال جعفر الصادق (١) رحمه الله تعالى:

(رب كم من نعمة أنعمت بها علي قَلّ لك عندها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قَلّ لها عندك صبري، فيا من قَلّ عند نعمته شكري فلم يرحمني، ويا من قَلّ عند بليته صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على المعاصي فلم يفضحني، ويا ذا النعم التي لا تحصى أبداً، ويا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً أعني على ديني بدنيا ... ) (٢).

٢ - وقال سليمان بن طَرْخان (٣) رحمه الله تعالى:

(١) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الإمام، أحد أعلام السلف. توفي سنة ١٤٨ رحمه الله تعالى. انظر (( نزهة الفضلاء )): ١/ ٥٣٥ ـ ٥٣٨.

(٢) المصدر السابق: ١/ ٥٣٧.

(٣) سليمان بن طَرْخان التيمي، أو المعتمر البصري، نزل في التّيمْ فنسب إليهم. فقيه عابد. توفي سنة ١٤٣ وهو ابن سبع وتسعين رحمه الله تعالى. انظر (( التقريب )) ٢٥٢.

67

سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد ما خلق، وعدد ما هو خالق، وزِنّة ما خلق، وزِنة ما هو خالق، ومِلء ما خلق ومِلء ما هو خالق، وملء سمواته ومِلء أرضه ومثل ذلك وأضعاف ذلك، وعدد خلقه، وزنة عرشه، ومنتهى رحمته، ومدادَ كلماته، ومبلغَ رضاه حتى يرضى وإذا رضي، وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي، في كل سنة وشهر وجهة ويوم وليلة وساعة من الساعات وشَمٍّ ونفس من الأنفاس من أبد الآباد: أبد الدنيا وأبد الآخرة، وأكثر من ذلك، لا ينقطع أوله ولا ينفد آخره) (١).

٣ - وقال عمر بن ذر (٢) رحمه الله تعالى:

(اللهم:

إنا قد أطعناك في أحب الأشياء إليك أن تطاع فيه: الإيمان بك والإقرار بك، ولم نعصك في أبغض الأشياء أن تُعصى فيه: الكفر والجحد بك، اللهم فاغفر لنا بينهما.

وأنت قلت وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن

(١) (( إتحاف السادة المتقين )): ٥/ ٣١٦.

(٢) الإمام الزاهد العابد، أبو ذر الهمداني الكوفي، ثقة بليغ. توفي سنة ١٥٣ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٦/ ٣٨٥ ـ ٣٩٠.

68

يَمُوتُ (١)، ونحن نقسم بالله جهد أيماننا لتبعَثَن من يموت، أفتراك تجمع بين أهل القَسَمين في دار واحدة) (٢).

٤ - وقال أحد السلف

(سبحان الذي في السماء عرشه، سبحان الذي في الأرض حكمه، سبحان الذي في القبر قضاؤه، سبحان الذي في البحر سبيله، سبحان الذي في النار سلطانه، سبحان الذي في الجنة رحمته، سبحان الذي في القيامة عدله. سبحان الذي رفع السماء، سبحان من بسط الأرض، سبحان الذي لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه) (٣).

٥ - ودعا إبراهيم بن أدهم (٤) رحمه الله تعالى فقال:

(سبحانك سبحانك يا علي يا عظيم، يا بارىء، يا رحيم، يا عزيز، يا جبار.

(١) سورة النحل: آية ٣٨.

(٢) (( سيرة أعلام النبلاء )): ٦/ ٣٨٥ ـ ٣٩٠.

(٣) (( طهارة القلوب )): ١٩٠.

(٤) إبراهيم بن أدهم بن منصور، القدوة الإمام العارف، سيد الزهاد، أبو إسحاق العِجْلي الخراساني البَلْخي، نزيل الشام. ولد في حدود المائة. وتوفي سنة ١٦٢ رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في (( سيرة أعلام النبلاء )): ٧/ ٣٨٧ ـ ٣٩٦.

69

سبحان من سبحت له السموات بأكنافها (١)، وسبحان مَن سبحت له البحار بأمواجها، وسبحان من سبحت له الجبال بأصدائها، وسبحان من سبحت له الحيتان بلغاتها، وسبحان من سبحت له النجوم في السماء بأبراجها، وسبحان من سبحت له الأشجار بأصولها وثمارها، وسبحان من سبحت له السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن، سبحان من سبح له كل شيء من مخلوقاته، تباركت وتعاليت.

سبحانك سبحانك يا حي يا قيوم، يا عليم، يا حليم.

سبحانك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك تحيي وتميت، وأنت حي لا تموت، بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير) (٢).

٦ - وقال أحد السلف

(يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين.

يا من ليس معه ربٌّ يُدعى، ويا من ليس فوقه خالق يُخشى، ويا من ليس له وزير يُؤتى، ولا حاجب يُرشَ.

يا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا جوداً وكرماً، وعلى كثرة الحوائج إلا تفضيلاً وإحساناً ...

(١) أي: بأطرافها: انظر (( إتحاف السادة المتقين )): ٥/ ٣١٩.

(٢) المصدر السابق.

70

يا من لا يشغله شأن عن شأن، ولا سمع عن سمع، ولا تشتبه عليه الأصوات، يا من لا تُغلِّطه المسائل ولا تختلف عليه اللغات.

يا من لا يُبْرمه إلحاحُ الملحين، ولا تضجره مسألة السائلين، أذقنا بَرْدَ عفوك وحلاوة مناجاتك) (١).

٧ - وقال مسمع بن عاصم (٢) رحمه الله تعالى:

سمعت عابداً من أهل البحرين يقول في مناجاته ـ سمعته من جوف الليل من حيث لا يعلم بمكاني ـ:

( ... طوبى لقلوب ملأتها خشيتُك، واستولت عليها محبتك، فخشيتك قاطعة لها عن سبيل كل معصية خوفاً لحلول سخطك، ومحبتك مانعة لها من كل لذة غير لذة مناجاتك، نافيةً لها عن كل ما يشغلها عن ذكرك، محببة إليها الاجتهاد في خدمتك، ثم بكى.

ثم قال:

(١) (( جامع الثناء على الله )): ١٠٤ ـ ١٠٥.

(٢) أبو سنان مسمع بن عاصم، من عُبّاد أهل البصرة ومتقنيهم، لكنه ليس مشهوراً بالنقل، وما له حديث مسند يرجع إليه، والحكايات في فضائله كثيرة وروى عنه أهل البصرة. انظر (( لسان الميزان )): ٦/ ٤٢.

71

واحزناه من خوف فوت الآخرة حيث لا رجعة إلى الدنيا، ولا حيلة ولا عثرةَ تُقال، ولا توبة تُنال.

يا رب:

أشرقت بنورك السموات، وأنارت بوجهك الظلمات، وحجبتَ جلالك عن العيون ... فناجاك من بسيط الأرض النبيون والصديقون فسمعت النجوى وعلمت السر وأخفى.

سيدي:

خشعت لك رقبتي، وخشع لك قلبي لتدخلني في رحمتك وتكرمني بعزتك، وتنظر إلي نظرة تجبرني بها يا كريم) (١).

٨ - وقال الإمام الليث (٢) رحمه الله تعالى:

(الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علماً، ووسع كلَّ شيء حفظاً، والحمد لله الذي أحاط بكل شيء سلطانُه، ووسعت كلَّ

(١) (( الصلاة والتهجد )): ٣٩٣.

(٢) الليث بن سعد بن عبد الرحمن، الإمام الحافظ شيخ الإسلام، وعالم الديار المصرية، أبو الحارث الفهمي بالولاء. ولد بقرقشندة ـ قرية بمصر ـ سنة ٩٤. كان فقيه مصر= =ومحدثها، ورئيسها بحيث إن متولي مصر وقاضيها وناظرها من تحت أوامره ويرجعون إلى رأيه ومشورته، ولقد أراده المنصور على أن يتولى مصر فأبى. توفي سنة ١٧٥ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٨/ ١٣٦ ـ ١٦٣.

وأنا في شك من نسبة هذا الثناء لليث بن سعد، والله أعلم.

72

شيء رحمتهُ.

اللهم:

لك الحمد على حلمك بعد علمك، ولك الحمد على عفوك بعد قدرتك.

اللهم:

لك الحمد على ما تأخذ وتعطي، ولك الحمد على ما تميت وتُحيي.

اللهم:

لك الحمد كله، بيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله: علانيتهُ وسرُّه، أوله وآخره.

اللهم:

إني أحمدك بمحامدك كلها، ما علمت منها وما لم أعلم.

اللهم:

إني أحمدك بالذي أنت أهله، وأذكر آلاءك وأشكر نعماءك، وعدلك في قضائك، وقدرتَك في سلطانك ...

سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ... يا فعالاً لما يريد، يا ذا البطش الشديد، يا ذا العز المنيع، يا

73

ذا الجاه الرفيع، يا خير الغافرين، يا خير الرازقين، يا خير الفاصلين، يا خير المنعمين، يا خير الناصرين، يا أحكم الحاكمين، يا أسرع الحاسبين، يا أرحم الراحمين، يا وارث الأرض ومن عليها وأنت خير الوارثين ... ) (١).

٩ - قال أبو نواس (٢) عندما حج:

إلهنا ما أعدلَك ... مليكَ كلِّ مَن ملك لبيك قد لبيتُ لك ... لبيك إن الحمد لك ... والملكَ لا شريك لك ما خاب عبد سألك ... أنت له حيث سلك لولاك يا رب هلك ... لبيك إن الحمد لك ... والملكَ لا شريك لك كل نبي وملك ... وكل مَن أَهَلّ لك وكل عبد سألك ... سبحَ أو لبى فلك

(١) (( جامع الثناء على الله )): ١٠٧ ـ ١١١.

(٢) الحسن بن هانئ الحكمي، رئيس الشعراء. ولد بالأهواز، ونشأ بالبصرة، وسمع الحديث من طائفة. ومدح الخلفاء والوزراء، ونظمه في الذِروة. وله أشعار في المجون والخمور. توفي سنة ١٩٥ أو التي بعدها، وانظر (( سير أعلام النبلاء )): ٩/ ٢٧٩ ـ ٢٨١.

74

لبيك إن الحمد لك ... والملك لا شريك لك والليل لما أن حَلَك ... والسابحات في الفَلك (١) على مجاري المنسلك (٢) ... لبيك إن الحمد لك ... والملكَ لا شريك لك اعمل وبادِرْ أجلك ... واختم بخير عملك (٣) لبيك إن الحمد لك ... والملك لا شريك لك (٤)

وقال أيضاً:

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فبمن يلوذ ويستجير المجرم أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

(١) حلك: أي أظلم.

(٢) لعل المنسلك: الطريق والمدخل. انظر (( لسان العرب )): س ل ك.

(٣) بادر أي سابق.

(٤) (( ديوان أبي نواس )): ٤٨١.

75

مالي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم (١)

١٠ - قالت شعوانة (٢) رحمها الله تعالى:

(إلهي: ما أشوقني إلى لقائك، وأعظم رجائي لجزائك، وأنت الكريم الذي لا يخيب لديك أمل الآملين، ولا يبطل عندك شوق المشتاقين ... إلهي: إن غفرت فمن أولى منك بذلك، وإن عذبت فمن أعدل منك هنالك. إلهي: لولا ذنوبي ما خفت عقابك، ولولا ما عرفت من كرمك ما رجوت ثوابك) (٣).

(١) المصدر السابق: ٥٨٧.

(٢) إحدى العابدات البكّاءات من بلدة الأُبلَّة، لها ترجمة في (( صفوة الصفوة )):

٤/ ٥٣ ـ ٥٧، وكلها في أخبار زهدها وبكائها، وكانت تعيش في القرن الثاني الهجري، وتعد من طبقة عقلاء المجانين.

(٣) (( طهارة القلوب )): ١٦٥.

76

١١ - وقالت ريحانة (١) رحمها الله تعالى:

(إلهي: أنت سيدي وأملي، ومَن به تمام عملي، أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك، وأعوذ بك من عين لا تبكي شوقاً إليك. إلهي: أنت الذي صرفت عن جفون المشتاقين لذيذ النعاس، وأنت الذي سلمت قلوب العارفين من اعتراض الوسواس، وأنت الذي خصصت أوليائك بخصائص الإخلاص، وأنت الذي توليت أحباءك واطّلعت على سرائرهم، وأشرفت على مكنونات ضمائرهم ... ) (٢).

١٢ - وقالت امرأة من العابدات

(سبحانك: ما أضيق الطريق على من لم تكن دليلَه، وما أوحش البلاد على من لم تكن أنيسَه) (٣).

(١) مثل التي قبلها: من طبقة عقلاء المجانين، من بلدة الأُبلَّة. انظر المصدر السابق: ٥٧.

(٢) (( الصلاة والتهجد )): ٣٩١.

(٣) المصدر السابق: ٣٩٣.

77

١٣ - وقال معروف الكَرْخي (١) رحمه الله تعالى:

(سيدي: إليك تقرب المتقربون في الخلوات، أنت الذي سجد لك الليل والنهار، والفلك الدوّار، والبحر الزخّار، وكل شيء عندك بمقدار، وأنت العلي القهار) (٢).

١٤ - وقال الشافعي الإمام رحمه الله تعالى

(اللهم:

بك ملاذي قبل أن ألوذ، وبك غياثي قبل أن أغُوث، يا من ذلت له رقاب الفراعنة، وخضعت له مقاليد الجبابرة، اللهم ذكرك شعاري ودثاري (٣)، ونومي وقراري ... ) (٤).

وقال رحمه الله تعالى:

(١) علم الزهاد، بركة العصر، أبو محفوظ البغدادي. كان أبواه نصرانيين ثم أسلما. له مواعظ جميلة وكلام رائق معجب. وكان كثير الكرامات، مجاب الدعوة. توفي سنة مائتين رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٩/ ٣٣٩ ـ ٣٤٥.

(٢) (( الأدب في التراث الصوفي )): ١١٤.

(٣) الشعار هو ماولي جسد الإنسان من الثياب، والدثار ما هو فوق الشعار. انظر (( المعجم الوسيط )): د ث ر، ش ع ر. والمراد أن ذكر الله هو شغله في سره وعلانيته، وملازم له ومحيط به كملازمة الثياب لجسد الإنسان، والله أعلم.

(٤) (( الأرَج في الفرج )): ٣٩ ـ ٤٠.

78

إليك إلهَ الخلق أرفع رغبتي ... وإن كنتُ يا ذا المن والجود مجرما ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سُلّما تعاظمني ذنبي فلما قرنتُه ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما فلولاك لم يصمد لإبليس عابد ... وكيف وقد أغوى صفيك آدما فإن تعف عني تعفُ عن متمرد ... ظلوم غشوم لا يزايل مأثما (١) وإن تنتقم مني فلست بآيس ... ولو أدخلت نفسي بجرمي جهنما

(١) أي لا يفارق الإثم، وهذا من تواضعه وانكساره، رحمه الله تعالى.

79

فجرمي عظيم من قديم وحادث ... وعفوك يا ذا العفو أعلى وأجسما ألست الذي غذّيتني وهديتني ... ولا زلتَ مَنّاناً علي ومنعما عسى مَن له الإحسان يغفر زَلتي ... ويستر أوزاري وما قد تقدما (١)

١٥ - وقال أبو العتاهية (٢) رحمه الله تعالى:

وهو الخفي الظاهر الملك الذي ... ج هو لم يَزَلْ ملكاً على العرش استوى وهو المقدرُ والمدبرُ خلقَه ... ج وهو الذي في الملك ليس له سِوى

(١) انظر ديوان الإمام الشافعي: ٧٨ ـ ٧٩.

وهناك ثلاثة أبيات من قوله: فإن تعف عني إلى قوله وأجسما ليست في الديوان، وكذلك البيت الأول، وانظر (( الأدب في التراث الصوفي )): ٢٤٨.

(٢) رأس الشعراء، الأديب الصالح الواحد، أو إسحاق إسماعيل بن قاسم بن سويد العنزي بالولاء، الكوفي، نزيل بغداد. لقب بأبي العتاهية لاضطراب فيه. سار شعره لجودته وحُسْنه وعدم تقعره. تنسّك آخر عمره، وقال في المواعظ والزهد فأجاد. وكان أبو نواس يعظمه ويتأدب معه لدينه. توفي رحمه الله تعالى ببغداد سنة ٢١١ وله ثلاث وثمانون سنة أو نحوها. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٠/ ١٩٥ ـ ١٩٨.

80

وهو الذي يقضي بما هو أهله ... فينا ولا يُقضى عليه إذا قضى (١)

وقال ـ أيضاً رحمه الله تعالى:

سبحان مَن لم تزل له حُجَجٌ ... قامت على الخلق بمعرفته قد علموا أنه الإله ولكن ... عجز الواصفون عن صفته (٢)

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

فيا عجباً كيف يُعصى الإلهُ ... أم كيف يجحده الجاحدُ ولله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهدُ وفي كل شيءٌ له آيةٌ ... تدل على أنه واحدُ (٣)

وقال رحمه الله تعالى:

كلُّ يوم يأت برزقٍ جديدِ ... من مليكٍ لنا غنيٍّ حميدِ قاهرٍ قادرٍ رحيم لطيفٍ ... ظاهرٍ باطنٍ قريبٍ بعيدِ

(١) (( شرح ديوان أبي العتاهية )): ٩.

(٢) المصدر السابق: ٥٩.

(٣) المصدر السابق: ٧٠.

81

حجبته الغيوبُ عن كل عينٍ ... وهو فيها أنسٌ لكل وحيدِ حسبنا اللهُ ربُّنا هو مولى ... خيرُ مولىّ ونحن شرُّ عبيدِ (١)

وقال رحمه الله تعالى:

وتصريف هذا الخلق لله وحده ... وكلٌّ إليه لا محالة راجعُ ولله في الدنيا أعاجيب جَمّةٌ ... تدلُّ على تدبيره وبدائعُ ولله أسرارُ الأمور وإن جرت ... بها ظاهراً بين العباد المنافعُ ولله أحكام القضاء بعلمه ... ألا فهو معطِ ما يشاء ومانع (٢) ُ

وقال رحمه الله تعالى:

لا ربَّ أرجوه لي سواكا ... إن لم يَخِبْ سَعْي من رجاكا

(١) المصدر السابق: ٨٥.

(٢) المصدر السابق: ١٥٠.

82

أنت الذي لم تَزلْ خفياً ... لم يَبْلُغِ الوهمُ منتهاكا إن أنت لم تهدنا ضللنا ... يا ربُّ إن الهدى هداكا أحطت علماً بنا جميعاً ... أنت ترانا ولا نراكا (١)

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

تعالى الواحدُ الصمدُ الجليلُ ... وحاشى أن يكون له عديلُ هو الملك العزيز وكلُّ شيءٍ ... سواه فهو منُتّقِصٌ ذليلُ وما من مذهبٍ إلا إليهِ ... وإن سبيلَه لهو السبيلُ وإن له لَمَنّاً ليس يُحصى ... وإن عطاءه لهو الجزيلُ وإن عطاءَه عَدْلٌ علينا ... وكل بلائه حسنٌ جميلُ وكل مُفَوّه أثنى عليه ... لَيْبلُغه فمنحسر كليلُ (٢)

(١) المصدر السابق: ١٨٢.

(٢) المصدر السابق: ٢٠١ ـ ٢٠٢.

83

وقال ـ أيضاُ ـ رحمه الله تعالى:

والله أكرمُ مَن رَجَوْتَ نوالَه ... والله أعظمُ مَن يُنيل نوالاً

ملكٌ تواضعت الملوكُ لعزه ... وجلالِه سبحانه وتعالى (١)

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

والله يقضي في الأمور بعلمه ... والمرءُ يُحمدُ مرةً ويلامُ ولِدائم الملكوت ربٌّ لم يَزَلْ ... مَلِكاً تَقَطّعُ دونه الأوهامُ ما كلُّ شيء كان أو هو كائن ... إلا وقد جَفّت به الأقلام فالحمد لله الذي هو دائمٌ ... أبداً وليس لما سواه دوامُ

(١) المصدر السابق: ٢١٥ ـ ٢١٦.

84

والحمد لله الذي لجلاله ج ... ولحلمه تتصاغر الأحلام والحمد لله الذي هو لم يَزَلْ ... لا تستقلُّ بعلمه الأفهام سبحانه ملكٌ تعالى جدُّه ... ولوجهه الإجلال والإكرام (١)

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

سبحان مَن وسع العباد ... بعدله في حكمهِ وبعفوه وبعطفه ... وبلطفه وبحلمهِ وجميع ما هو كائن ... يجري بسابق علمهِ (٢)

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

إلهي لا تعذبني فإني ... مُقِرٌّ بالذي قد كان مني ومالي حيلةٌ إلا رجائي ... وعفوك إن عفوتَ وحسنُ ظني

(١) المصدر السابق: ٢٤٥ ـ ٢٤٦.

(٢) المصدر السابق: ٢٤٩ ـ ٢٥٠.

85

فكم من زَلّة لي بين البرايا ... وأنت علي ذو فضلٍ ومَنٍّ إذا فكرتُ في قُدُمي عليها ... عضضت أناملي وقرعتُ سني يظن الناس بي خيراً وإني ... لشرُّ الناس إن لم تعف عني أُجن بزهرة الدنيا جنوناً ... وأُفني العمر فيها بالتمني وبين يدي محتبس وثقيل ... كأني قد دُعيت له كأني ولو أني صدقتُ الزهد فيها ... قلبتُ لأهلها ظهر المِجَن (١)

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

الحمد لله اللطيفِ بنا ... ستر القبيح وأظهر الحسنا ما تنقضي عنَّا له مِننٌ ... حتى يجددَ ضعفها مِننا (٢)

(١) المصدر السابق: ٢٦٤.

(٢) المصدر السابق.

86

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

سبحان من يُعطي المُنى بخواطرٍ ... في النفس لم ينطق بهن لسان سبحان مَن لا شيءَ يحجبُ علمَه ... فالسر أجمعُ عنده إعلانُ سبحان مَن هو لا يزال مُسَبَّحاً ... أبداً وليس لغيره السُبحان ملكٌ عزيزٌ لا يفارق عِزّهُ ... يُعصى ويرجى عنده الغفرانُ ويح ابنِ آدم كيف ترقد عينُه ... عن ربه ولعله غضبانُ (١)

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

سبحان مَن لم يَزَلْ عَلِيّاً ... ليس له في العلوِّ ثانِ قضى على خلقه المنايا ... فكلُّ حيٍّ سواه فانِ (٢)

(١) المصدر السابق: ٢٥٨ ـ ٢٥٩.

(٢) المصدر السابق: ٢٧٠.

87

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

ياربِّ أنت خلقتني ... وخلقتَ لي وخلقتَ مني (١) سبحانك اللهم عالمَ ... كلِّ غيب مُسْتكِنٍّ (٢) مالي بشكرك طاقةٌ ... يا سيدي إن لم تُعنِّي (٣)

١٦ - وكان ذو النون المصري (٤) رحمه الله تعالى إذا قام إلى الصلاة قال:

(يا إلهي:

بأي رِجل أمشي إليك؟

أم بأي عين أنظر إليك؟

أم بأي لسان أناجيك؟

أم بأي يد أدعوك؟

ولكن الثقة بكرمك حملتني على الجراءة، وإن العبد إذا

(١) أي خلقت لي أنواعاً من النعم وخلقت مني أولاداً.

(٢) أي مخفي.

(٣) المصدر السابق.

(٤) الزاهد، شيخ الديار المصرية، ثوبان بن إبراهيم، أبو الفَيْض. وكان عالماً فصيحاً حكيماً واعظاً، توفي سنة ٢٤٥، وكان من أبناء التسعين رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١/ ٥٣٢ ـ ٥٣٦.

88

ضاقت عليه حيلته قَلّ حياؤه) (١).

وقال رحمه الله تعالى:

(إلهي: ما أصغي إلى حفيف شجر، ولا صوت حيوان، ولا خرير ماء، ولا ترنم طائر إلا وجدتها شاهدةً بوحدانيتك، دالة على أن ليس كمثلك شيء، وأنك غالب لا تُغلب، وعدل لا تجور) (٢).

وقال رحمه الله تعالى:

(إلهي: سمع العابدون بذكر عذابك فخشعوا، وسمع المذنبون بحسن عفوك فطمعوا.

إلهي: إن كانت الخطايا أسقطتني لديك فاعف عني بحسن توكلي عليك.

إلهي: لك تسبح كل شجرة، ولك تمجد كل مَدَرة (٣)، ولك تسبح

(١) (( طهارة القلوب )): ٢٧٩.

(٢) (( الأدب في التراث الصوفي )): ١١٤.

(٣) المدرة قطعة الطين اليابسة، جمعها مَدَر.

89

الطير في أوكارها، والوحوش في قفارها، والحيتان في قعور بحارها بأصوات خفية، ونغمات بَكِيّة (١).

إلهي ...

خشع لك قلبي وجسدي، وصرخ إليك صوتي، وأنت الكريم الرؤوف الرحيم، الذي لا يضجره النداء، ولا يُبْرمه إلحاح الملحين بالدعاء، ولا يخيب رجاء المرتجين ... ) (٢).

وقال رحمه الله تعالى:

(إلهي:

وسيلتي إليك أَنعُمُك علي، وشفِيعي إليك إحسانك إلي ...

ابتدأتني برحمتك من قبل أن أكون شيئاً مذكوراً، وخلقتني من تراب، ثم أسكنتني الأصلاب، ونقلتني إلى الأرحام، ولم تخرجني ـ برأفتك ـ في دولة أئمة الكفر الذين نقضوا عهدك وكذبوا رسلك، ثم بجودك أخرجتني برحمتك ... وفي دولة أئمة الهدى.

ثم أنشأت خلقي من منيٍّ يُمنى.

(١) ملؤها البكاء والأسى.

(٢) (( الصلاة والتهجد )) :٣٩٢.

90

ثم أظهرتني إلى الدنيا تاماً سوياً، وحفظتني في المهد صغيراً صبياً، ورزقتني من الغذاء لبناً مَرِياً، وكفلتني في جحور الأمهات، وأسكنت قلوبهن رقة لي وشفقة علي، وربيتني بأحسن تربية، ودبرتني بأحسن تدبير، وكَلأتني (١) من طوارق الجن، وسلمتني من شياطين الإنس، وصنتني من زيادة في بدني مما يُشينني، من نقص فيه يعييني فتباركت ربي وتعاليت، يا رحيم.

فلما استهللت بالكلام أتممت علي سوابغ الإنعام، وأبنتني زائداً في كل عام، فتعاليت يا ذا الجلال والإكرام.

حتى إذا ملكتني شأني، وشددت أركاني أكملتَ لي عقلي، ورفعتَ حجابَ الغفلة عن قلبي، وألهمتني النظر في عجيب صنائعك، وبدائع عجائبك، وأوضحت لي حجتك، ودللتني على نفسك، وعرفتني ما جاءت به رسلك، ورزقتني من أنواع المعاش، وصنوف الرياش بمنك العظيم وإحسانك القديم ...

ثم لم تَرْضَ لي بنعمة واحدة دون أن أتممت علي جميع النعم، وصرفت عني كل بلوى، وأعلمتني الفجور لأجتنبه، والتقوى لأقترفه، وأرشدتني إلى ما يقربني إليك زُلفى، فأن دعوتك أجبتني، وإن سألتك أعطيتني، وإن حمدتك شكرتني، وإن شكرتك زدتني.

(١) أي رعيتني.

91

إلهي: فأي نعمك أحصي عدده، وأي عطائك أقوم بشكره: ما أسبغت علي من النعماء، أو ما صرفت عني من الضراء.

إلهي: أشهد لك بما شهد لك به باطني وظاهري، وأركاني وجوارحي.

إلهي:

إني لا أطيق إحصاء نعمك فكيف أطيق شكرك عليها، وقد قلت وقولك الحق: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا (١) }، أم كيف يستغرق شكري نعمك وشكرك من أعظم النعم عندي، وأنت المنعم به علي كما قلت سيدي: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ (٢) }، وقد صدقت في قولك إلهي وسيدي، وقد بَلّغَتْ رسلك بما أنزلت إليهم من وحيك، غير أني أقول بجهدي ومنتهى علمي ومجهود وُسْعي ومبلغ طاقتي:

الحمد لله على جميع إحسانه؛ حمداً يعدل حمد الملائكة والمقربين والأنبياء والمرسلين) (٣).

(١) سورة إبراهيم: آية ٣٤.

(٢) سورة النحل: آية ٥٣.

(٣) (( المكنون )): ١٩١ ـ ١٩٤.

92

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

(اللهم: إن ثقتي بك، وإن ألهتني الغفلات عنك، وأبعدتني العثرات منك بالاغترار ...

أنا نعمة منك، وأنا قَدَر من قَدَرك، أجري في قدرك، وأسرح في نعمتك ...

فأسألك يا منتهى السؤالات، وأرغب إليك يا موضع الحاجات، سؤال مَن كذّب كل رجاء إلا منك، ورغبةَ من رغب عن كل ثقة إلا عنك ...

يا من لا تمل من حلاوة ذكره ألسنة الخائفين، ولا تَكِلُّ من الرغبات إليه مدامع الخاشعين ...

من ذا الذي ذاق حلاوة مناجاتك فلَهَى بمرضاة بشر عن طاعتك ومرضاتك ...

أنا عبدك وابن عبدك، قائم بين يديك، متوسل بكرمك إليك ...

يا من يُعصى ويُتاب إليه فيرضى كأنه لم يُعْصَ، بكرم لا يوصف وتَحنُّن لا يُنعت.

يا حنّان بشفقته، يا متجاوز بعظمته ...

93

يا قريباً لا يبعد عن المقترفين (١)، ويا ودوداً لا يعجل على المذنبين، اغفر لي وارحمني يا أرحم الراحمين) (٢).

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله تعالى:

(يا حبيب التائبين، ويا سرور العابدين، ويا أنيس المتفردين، ويا حرزَ اللاجئين، ويا ظهير المنقطعين ... يا من أذاق قلوب العابدين لذةَ الحمد، وحلاوةَ الانقطاع إليه. يا من يقبل من تاب، ويعفو عمن أناب ... يا من يتأنى على الخطائين، ويحلم عن الجاهلين ... يا من لا يضيع مطيعاً ولا ينسى صفياً. يا من سمح بالنوال، ويا من جاد بالإفضال. يا ذا الذي استدرك بالتوبة ذنوبنا، وكشف بالرحمة غمومنا، وصفح عن جُرمنا بعد جهلنا، وأحسن إلينا بعد إساءتنا ... ) (٣).

وقال ـ أيضاً رحمه الله تعالى:

(إلهي:

(١) أي المقترفين للسيئات.

(٢) المصدر السابق: ١٩٥ ـ ١٩٧.

(٣) المصدر السابق: ١٩٨ ـ ١٩٩.

94

إن كان صغُر في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي.

إلهي: أنا عبدك المسكين كيف أنقلب من عندك محروماً، وقد كان حسن ظني بجودك أن تقبلني بالنجاة مرحوماً ...

إلهي: فلا تُبْطِل صدق رجائي لك بين الآدميين.

إلهي: سمع العابدون بذكرك فخضعوا، وسمع المذنبون بحسن عفوك فطمعوا.

إلهي: إن كانت أسقطتني الخطايا لديك فاصفحها لي بحسن توكلي عليك) (١).

١٧ - وقال يحيى بن معاذ الرازي (٢) رحمه الله تعالى:

(يا من يأوي كلُّ معتمد إليه، ويستغني به كل منقطع إليه.

(١) المصدر السابق: ٢٠٦ ـ ٢٠٧.

(٢) الواعظ، من كبار المشايخ، له كلام جيد ومواعظ مشهورة. توفي سنة ٢٥٨ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٣/ ١٥ ـ ١٦.

95

يا من جعل دني توحيدَه، وعبادتي تمجيدَه، وجعل أطيب ساعاتي منه خَلَواتي، وألذ أوقاتي منه مناجاتي ...

إلهي: قسا قلبي، وجهلت أمري، وبخلت بالماء عيني ...

سيدي:

أبعد الإيمان تعذبني، ومن مُقَطّعات النيران تُلبسني، وإلى جهنم مع الأشقياء تحشرني، وإلى مالك خازنها تُسْلمني، وفيها يا ذا العفو والإحسان تدخلني، وعفَوك الذي كنت أرجو تحرمني ... ) (١)؟

وقال ـ أيضاً ـ رحمه الله

(إلهي: كيف أدعوك وقد عصيتك، وكيف لا أدعوك وقد عرفتك، مددت إليك يداً بالذنوب مملوءة، ويميناً بالرجاء مشحونة، حُقّ لمن دعا بالندم تذللاً أن تُجيبه بالكرم تفضيلاً ...

إلهي: يكون من الفقير المحتاج الدعاء والمسألة، ويكون من الغني

(١) (( الصلاة والتهجد )): ٣٨٩ ـ ٣٩٠.

96

الجواد النيل والعطية) (١).

١٨ - وقال الإمام الطبري (٢) رحمه الله تعالى:

(الحمد لله ... الذي هتف في أسماع العالمين ألسنُ أدلته، شاهدةَ أنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا عدلَ له معادل، ولا مثلَ له مماثل، ولا شريك له مُظاهر، ولا ولدَ له ولا والد، ولم يكن له صاحبة ولا كفواً أحد، وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة، والعزيز الذي ذلت لعزته الملوك الأعزة، وخشعت لمهابة سطوته ذَوو المهابة، وأذعن له جميع الخلق بالطاعة طوعاً وكرهاً ... فكل موجود إلى وحدانيته داع، وكل محسوس إلى ربوبيته هاد بما وسمهم به من آثار الصنعة من نقص وزيادة، وحجز وحاجة ... ) (٣).

١٩ - وقال الإمام ابن خزيمة (٤) رحمه الله تعالى:

(١) المصدر السابق: ٣٩٠ ـ ٣٩١.

(٢) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد، الإمام العلم المجتهد. ولد سنة ٢٢٤ بآمُل طَبَرِستان. وكان من أفراد الدهر علماً وذكاءً وكثرة تصانيف. وكان من كبار أئمة الاجتهاد. أكثر الترحال في طلب العلم، ثم استقر ببغداد وتوفي بها سنة ٣١٠: انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٤/ ٢٦٧ ـ ٢٨٢.

(٣) (( جامع البيان )): ١/ ٣.

(٤) الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام، إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خُزيمة، أبو بكر السُلمي النيسابوري الشافعي، صاحب التصانيف. ولد سنة ٢٢٣، وعُني في حداثته بالحديث والفقه حتى صار يضرب به المثل في سعة العلم والإتقان. توفي رحمه الله تعالى سنة ٣١١. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٤/ ٣٦٥ ـ ٣٨٢.

97

(الحمد لله العلي العظيم، الحكيم الكريم، السميع البصير، اللطيف الخبير، ذي النِعَم السوابغ (١)، والفضل الواسع، والحجج البوالغ ...

علا ربنا فكان فوق سماواته عالياً، ثم على عرشه استوى، يعلم السر وأخفى، ويسمع الكلام والنجوى، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا في لُجَج البحار ولا في الهواء.

والحمد لله الذي أنزل القرآن بعلمه، وأنشأ خلق الإنسان من تراب بيده، ثم كونه بكلمته، واصطفى رسوله إبراهيم عليه السلام بخُلّته (٢)، ونادى كليمه موسى صلوات الله عليه فقربه نجياً، وكلمه تكليماً، وأمر نبيه نوحاً عليه السلام بصنعة الفلك على عينه، وخبرنا أن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه ...

وأشهد أن لا إله إلا الله إلهاً واحداً، فرداً صمداً، قاهراً قادراً، رؤوفاً رحيماً، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، ولا شريكاً له في ملكه، العدل في قضائه، الحكيم في فعاله، القائم بين خلقه بالقسط، الممتن على المؤمنين بفضله، بذل لهم الإحسان، وزين في قلوبهم الإيمان، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان ... ) (٣).

(١) أي الكاملات.

(٢) الخُلة: كمال المحبة.

(٣) (( كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب )): ٧ ـ ٨.

98

٢٠ - وقال الإمام الخطابي (١) رحمه الله تعالى:

(الحمد لله المستَحْمَدِ إلى خلقه بلطيف صنعه، البَرِّ بعباده، العاطف عليهم بفضله، موئلِ المؤمنين ومولاهم، وكهفِ الآيبين به وملجئهم ... كُل مَن خلقه يفزع في حاجته إليه، ويُعَوّل عند الحوادث والكوارث عليه. سبحانه من لطيف لم تَخْفَ عليه مُضْمراتُ القلوب فيفصح له عنها بنطقٍ بيان، ولم تستتر دونه مُضَمَّنات الغيوب فيعبِّرُ له عنها بحركةٍ لسان، لكنه أنطق الألسن بذكره، لتستمر على وَلَه العبودية، وتظهَر به شواهد أعلام الربوبية ... ) (٢).

(١) الشيخ الإمام. العلامة الحافظ، اللغوي، أبو سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم البُسْتِي الخطابي، صاحب التصانيف. ولد سنة بضع عشرة وثلاثمائة. رحل في الحديث وقراءة العلوم، وفي شيوخه كثرة. توفي رحمه الله تعالى بـ (( بُسْت )) ـ من أرض أفغانستان اليوم ـ سنة ٣٨٨، وانظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٧/ ٢٣ ـ ٢٨.

(٢) (( شأن الدعاء )): ١ ـ ٢.

99

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080