أيام في الأردن 1/2
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
دعتني نقابة المهندسين في الأردن لقضاء بضعة أيام هنالك وإلقاء عدة محاضرات في ربوع البلاد، فاستجبت وشددت الرحال في ربيع الآخر 1431/ مارس-أبريل 2010 فوصلت العاصمة عمان من القاهرة حيث كنت هنالك للمشاركة في حلقة لقناة الناس عن المسجد الأقصى، فقد كانت الأخبار تأتي عن كنيس الخراب وإنشائه بالقرب من سور الأقصى، وكانت الأحوال مضطربة إلى الغاية، لكن ماذا بعد الكلام إلا رمي السهام، أما الكلام بدون فعال فأظن -والله أعلم- أن الشعوب قد مَلّت من كثرته وتتابعه وقلة فائدته، ويخالفني في هذا بعض الإخوة فيقول إن توعية الشعوب أمر مهم، وأن إطْلاعها المستمر على تفاصيل ما يجري وتقويمه شرعاً أمر مهم أيضاً، والحق أنه لا خيار أمام المشايخ اليوم إلا الحديث عما يجري وتوعية المسلمين وتنبيههم، وتقويم الأحداث.
وصلت عمان ليلاً فأُخذت إلى دار أحد الإخوة للعشاء وطلبوا مني الحديث فتكلمت عن أوضاع البرازيل التي كنت قد زرتها قبل ثلاثة أسابيع من زيارتي عمان، وذكرت لهم بعض ما سطرته عنها في "أيام في البرازيل" فوجدت من بعض الحاضرين اهتماماً بما ذكرت، حتى أن بعضهم استعد للبذل والعطاء لبعض المشاريع هنالك، وهذا يدل بوضوح على أن المسلمين جسد واحد يتداعى بعضه لشكوى بعض.
وفي اليوم التالي كانت هناك محاضرة في مدرستين: مدرسة عائشة أم المؤمنين الثانوية ومدرسة كلية الحسين الثانوية، أما مدرسة البنات فقد كانت كل الفتيات متسربلات بحجابهن فسررت لهذا، وكانت المحاضرة عن الأثر الحضاري للإسلام ودلفت من الحديث عن هذا الموضوع إلى ما يهم الفتاة ويحصنها ويقيها من شرور شياطين الإنس والجن، وقد رأيت من المديرة تجاوباً واهتماماً بحال طالباتها فجزاها الله خيراً.
وأما مدرسة الذكور فقد نبهتهم على واجبهم في إتقان الدراسة والبعد عن التعلق بالتفاهات خاصة الكرة التي أصبح تعلق الشباب بها على وجه غير معقول ولا مقبول، ومما جرى لي مما يستحق الذكر أن أحد الطلاب قام وسألني بعض الأسئلة الحرجة عن غزو العراق وعن الغلو والتطرف وعلاقة بلادنا به فأجبته إجابة تليق بسنة وفهمه، فقام أحد الأساتذة -غفر الله له- واشتد في الإنكار على هذا الطالب أمام سائر الطلاب والمدير والأساتذة، وضيق عليه تضييقاً كبيراً واتهمه بسوء الأدب معي ومحاولة استفزازي، ولم يكتف بهذا بل تجاوز ذلك إلى تعيير الطالب بأنه لبس منذ أيام قميصاً "فنيلة" عليه صورة شي جيفارا الشيوعي الإرجنتيني ثم الكوبي، ولامه أشد اللوم، والحق أني ضقت بما صنع الأستاذ، ولم أستسغ ما فعله فهذا التقريع الشنيع مدعاة لتنفير الطالب وصده عن قبول الحق فإن النصيحة على الملأ فضيحة، وبينت في بداية الإجابة عن السؤال التالي أني لم أغضب لسؤال الطالب وأن طلبه الإجابة على سؤاله من حقه ولما انتهت المحاضرة ذهبت إلى الطالب وطيبت نفسه وأخبرته أني لم أضق بكلامه ذرعاً، ووجدت أثر ذلك في أن الطالب حضر محاضرتي في المساء في نقابة المهندسين وأتى بأهله معه، وما أحسن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه".
وفي وقت الغداء جددت العهد بآل حَوّى الكرام جزاهم الله خيراً؛ فقد دعاني فضيلة الشيخ الدكتور أحمد حَوّى إلى طعام فاخر في بيته وجمع لي ثلة من الصالحين سررت بهم فجزاه الله خيراً.
ثم ذهبت إلى نقابة المهندسين بعد صلاة المغرب لإلقاء محاضرة هنالك اختاروا لها اسم "ضع بصمتك" وتحدثت فيها عن قضية ترك الأثر الجليل قبل الممات وأهمية ذلك، وقد تحدثت عن تفاصيل هذا الموضوع في حلقة سابقة فلا أعيده ها هنا، أما نقابة المهندسين فهي جمعية جليلة فيها قرابة 83 ألف مهندس وهو رقم كبير في بلد صغير ذي عدد قليل من السكان، وعندها أصول وأموال تقدر بأكثر من بليون دينار، ونجح القائمون على النقابة في إقامة مشروعات كثيرة عادت فوائدها على الشعب الأردني، والإسلاميون هناك هم القائمون عليها، وهذا يثبت أن المخلصين العاملين إذا ولوا عملاً فإنهم يؤدونه بإتقان وجودة لا مثيل لها، فقد استلموا النقابة وفي صندوقها مليونان من الدنانير وهي اليوم على ما وصفت، فلله الحمد والمنة.
ومن أحسن ما وجدت من عمل النقابة اهتمامها بالشؤون الثقافية وهذا أمر جيد؛ إذ إن اهتمام التقنيين بالثقافة الإسلامية وتعزيزهم لها دالٌ على شمول في التناول، وتكامل في الأعمال فجزاهم الله خيراً، وقد حدثني المهندس الفاضل سليمان داود عن بعض أعمال النقابة في الانتصار لبيت المقدس وتوعية الشعب الأردني بالمخاطر المحيطة به فحمدت لهم هذا العمل بل وجدته من أجل الأعمال وأحسنها فجزاهم الله خيراً، ومن أحسن ما صنعوه هو ذلك المجسم المتقن الدقيق لبيت المقدس ومساحته 4×4م، واجتهدوا في أن يجعلوه طبق الأصل، بل إنهم أثبتوا فيه وضع البيوت التي كانت محيطة بالمسجد قبل الاحتلال، وهذا أمر مهم ومفيد في التوثيق السكاني.
وللنقابة فروع في بعض المدن الأردنية وأعمال كثيرة جليل تضيق الحلقة عن ذكرها فالحمد لله رب العالمين.
وبعد المحاضرة دعيت إلى حفل عشاء لتكريم بعض العاملين.
وفي اليوم التالي ذهبت إلى مدرستين -أيضاً- إحداهما للإناث وهي ثانوية والأخرى للذكور وهي مدرسة الكلية العلمية الإسلامية وهي ثانوية أيضاً وأسست سنة 1947، ومن العجيب أن مديرة المدرسة شكت لي أن بعض الطالبات قد تورطن في بعض مظاهر عبادة الشيطان، ووضعن جماجم على حقائبهن!! فتحدثت إليهن في المحاضرة مضمناً إشارات لمعالجة هذه القضية وغيرها ثم أجبت على أسئلتهن.
أما المحاضرة في الكلية الإسلامية فقد كانت على هيئة أسئلة تحفيزية في البداية ووجدت في هذه الطريقة فائدة في تشجيع الطلبة على الإجابة والمشاركة وفي إزالة الهيبة المانعـة من المحاورة والسؤال، وقد وجدت تلك أن بعض الطلاب في هذه المدرسة ذو وعي وثقافة جيدة.
ثم ذهبت إلى منـزل الأستاذ المحامي نضال العبادي وهو نائب برلماني سابق، وذلك لحضور عرض عن "جمعية المحافظة على القرآن الكريم" وهي جمعية جليلة، يرأسها الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني وزير الأوقاف الأردني السابق، وهو من الوجوه المعروفة في الأردن، وقد رحب بي جزاه الله خيراً، وبعد الغداء عُرض على الحاضرين برنامج وخطط وهيكلة الجمعية، ويكفيها فخراً أن يكون لها في الأردن سبعمائة وثلاثون مركزاً لتحفيظ القرآن الكريم، خرجت الآلاف من الحفظة والحافظات، وللجمعية منهج متكامل للمعلم والطالب في عشرين جزءاً يشرح الطرائق العملية والعلمية للتحفيظ والأنشطة المرافقة له، وقد أعجبت بعملهم فجزاهم الله خيراً.
ومن بيت الأستاذ نضال العبادي الذي أكرمنا بغدائه الفاخر شددت الرحال إلى إربد، وهي على بعد قرابة ساعة من عمان، وذلك لإلقاء محاضرة في فرع نقابة المهندسين في إربد في موضوع "ضع بصمتك" الذي ألقيته في مقر نقابة المهندسين في عمان كما ذكرت ذلك آنفاً، ثم بعد الإجابة على أسئلة الحاضرين عدت سريعاً إلى عمان حيث كنت قد وعدت الشيخ المقرئ الفاضل محمد رشاد الشريف أن أصلي معه في مسجد الملك عبدالله الذي هو إمامه، ثم أخذني إلى بيته وفرح بزيارتي جزاه الله خيراً فبيني وبينه محبة على كِبَر الفارق بين عمرينا، وكذلك المحبة متأكدة مع ولده الفاضل المؤذن الشيخ معروف وإخوته الذين أحسنوا لقائي، ودار الحديث بيننا عن ذكريات الشيخ في القدس والخليل، فقد كان المقرئ الرسمي لهما سنين طويلة، وحدثني عن أهل الخليل الذي هو منهم، وعن جهادهم في بيت المقدس، وعن حمايتهم للمسجد الأقصى من السقوط في أيدي إخوان القردة وما زالوا يحمون أسواره إلى يوم الناس هذا، ويسكنون في بيوته القديمة التي هرب منها أصحابها عند دخول إخوان القردة بيت المقدس سنة 1387هـ/ 1967، وهذا الشيخ الشريف محب لطريقة قراءة الشيخ محمد رفعت جارٍ على سننها فصار السامع له يظن أنه يسمع للشيخ رفعت رحمه الله تعالى.
ثم أسمعني الشيخ شيئاً من شعره الرائق الفائق، وهو من طبقة الشعراء الجيدين، وله ديوان يقف على طباعته في هذه الأيام، أما خطه فهو آية؛ إذ يكتب بخط الرقعة والثلث والفارسي، فما أجمل هذا الخط الذي هو أجلى وأحلى من خط الطباعة!!
وفي اليوم التالي أخذني الإخوة للقاء الشيخ الأزهري محمد أبوسردانة، وهو أحد مؤسسي فتح ومن العالمين بخباياها، وقد تخرج في الأزهر ونال العالمية، وكان أقضى قضاة فلسطين لمدة أربع سنوات، وقد سألته عن سبب انحراف فتح فذكر لي أن السبب هو اجتماع المنافقين حول ياسر عرفات الذي كان -في رأيه- يؤوب إلى الحق في بعض الأحيان فيحمله المنافقون على الانتكاس مرة أخرى، وسألته لِم لَم تكتفوا بالعناصر الإسلامية في نشأة فتح الأولى فذكر لي أنهم لم يستطيعوا ذلك لأن القوى غير الإسلامية كانت قوية وكانوا بحاجة لها، لكن نُبهت القوى كلها على جعل السلوك الشخصي والفردي بمعزل عن العمل للقضية!!
وقد أخبرني بأشياء كثيرة غير هذه، والرجل مليء بالأخبار المهمة، وهو جدير بأن يُؤخذ عنه لكن الرجل كان يحدثني وفي فمه ماء فهو لا يريد الإساءة لأحد، غفر الله لنا وله.
ووجدت عنده ابنه عبدالمنعم الذي سماه باسم اللواء البطل عبد المنعم عبد الرؤوف أحد كبار الإخوان المسلمين وهو معجب به وببطولاته إلى الغاية وينسب الفضل بعد الله إليه وإلى اللواء محمد نجيب رئيس مصر وكان ضابطاً في فلسطين قبل الثورة المصرية وإلى ثالث نسيته في الحفاظ على قطاع غزة من السقوط بيد إخوان القردة سنة 1367هـ/ 1948م، وقد تحدثت مع ابنه عبد المنعم فوجدته عاقلاً هادئاً لطيفاً، متأدباً، وهو من "فتح" لكنه كاره لأعمال العميل دحلان ومقتضى حديثه أنه ليس بين فتح وحماس خلاف إنما الخلاف مع بضع مئات من العملاء، فوفقه الله ونفع به، فقد أثبت لي عملياً بحسن كلامه وجميل ما رأيته من خلاله أنه قد بقي في فتح جماعة من الشرفاء حقيق أن يُحترموا ويستفاد منهم.
بطاقة: حرفًا