أيام في الإسكندرية
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
قد زرت الاسكندرية مراراً، فقدمتها أول مرة غلاماً سنة 1392/1972، وجئتها بعد ثلاث وعشرين سنة ماراً بها في الطريق إلى ليبيا، حيث كان الطريق الجوي إليها مغلقاً بسبب العقوبات التي فرضت عليها آنذاك وقد تحدثت عن هذا في حلقة أيام في ليبيا، ثم عدت إليها بعد أحد عشر عاماً زائراً، ثم جئتها في سنة 1430/2009.
ولقد شدني فيها قلعة قايتباي، وهي قلعة جليلة متينة أنشئت على شاطئ البحر، وقايتباي من أمثل سلاطين المماليك، وقد كان سلطاناً على مصر والشام والحجاز، وحكم مدة طويلة نسبياً استغرقت الثلث الأخير من القرن التاسع الهجري وأوائل العاشر، وكان فيه عدل ودين في الجملة، وله مآثر حسنة.
وزرت مكتبة الاسكندرية، وبناؤها على طراز غريب جميل، وهي قد بُنيت لتجدد عهد مكتبتها القديمة الأولى التي اتهم المستشرقون عمرو بن العاص -رضي الله عنه، فاتح مصر- زوراً وبهتاناً بحرقها، وليس للمسلمين عهد بحرق الكتب والمكتبات إنما هذا صنيع الصليبيين الذين أحرقوا مئات الآلاف من الكتب في الأندلس، وبعضها لم يكن له نظير في الدنيا، وبعضها كان النسخة الوحيدة الفريدة، ولقد عض الصليبيون اليد التي أحسنت إليهم؛ إذ كم مِن أحبار النصارى ورهبانهم ومقدميهم مَن درس في الأندلس على يد العلماء المسلمين، الذين كانوا سادة في العلم وقادة؟ وكم من صناعات وزراعات وعلوم وفنون انتقلت إلى أوروبا من الأندلس، لكن ماالصنيع مع المستشرقين الذين يغلب عليهم عدم الإنصاف، والتزوير، والتلبيس، والغش والخداع، ويصدق عليهم المثل العربي: رمتني بدائها وانسلت.
وزرت قصر فاروق في الإسكندرية "المنتزه" فرأيته قصراً منيفاً تحيط به جنان من جوانبه فما أعظم تلاوة قول الله تعالى في ذلك المقام: "كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين"، وكان للمصريين فاروق واحد فإذا بهم بعد الثورة عليه تتقاسمهم فواريق كثر، فأذاقوا البلاد والعباد الويلات، وجروا على مصر العزيزة النكبات، وأصلوها بنار هزائم متتاليات، وعهدنا بالمصريين أنهم هم المنتصرون منذ الصليبيين والتتار إلى الحملة الفرنسية في العصر الحديث، فصدق على فواريق مصر بعد فاروقها الأول قول الشاعر العربي:
والمستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
ولقد جمعني مجلس في زيارتي الأخيرة للإسكندرية مع أحد مشايخها المقدمين، ودعاتها الأولين، ولم يرض أن أذكر اسمه حفاظاً على عمله من الرياء، حفظه الله، وحدثني حديثاً طويلاً فاضت أثناءه أعين، وخشعت قلوب، وعجب الحاضرون، فكان مما قاله رعاه الله تعالى وحفظه أنه كان أحد أعمدة الاتحاد الاشتراكي زمن الهالك عبدالناصر، وكان من منظريه والعالمين بميثاقه، والمجلّين لقيادته، الساهرين على الحفاظ عليه، والقائمين بتخريج طلابه، وكانت له ثقة لا حد لها بالقيادة البائدة وبرئيسها الطاغية حتى جاءت النكبة العظمى والهزيمة الفاجعة في حرب 1387/1967، وتعرّت الناصرية، وفُضحت القومية، وخَزِيت الاشتراكية، وضعف يقين المعجبين بها، واهتزت قناعاتهم، وغشيهم من الهم ما غشيهم، وكانت هذه الهزيمة هي النعمة المسداة، والرحمة المهداة وكان ذلك الهم هو مفتاح الفرج؛ إذ تمهد للإسلام بعدها موطن فسيح، وثاب كثير من الناس إلى رشدهم.
فكان مما قاله -حفظه الله تعالى- أنه عقب هذه الهزيمة أصابه ما أصاب الكثيرين من تغير القناعات، فصار يتردد على مركز جماعة أنصار السنة في الإسكندرية، وأُعجب بهم، وحمد مكوثه فيهم، وانسحب من الاتحاد الاشتراكي فلم يعد إليه ولله الحمد والمنة، وكان يقرأ مرة في صحيح البخاري فوقع على حديث خمس من الفطرة وقرأ فيه أن إعفاء اللحى من الفطرة فعجب وجاء إلى كبار جماعة أنصار السنة وكانوا يحلقون لحاهم على عادة أكثر الناس آنذاك بل أكاد أقول على عادة كل الناس، وسألهم عن سبب حلقهم لحاهم ورغّبهم في إعفائها فقالوا له: وهل فعلنا كل السنن حتى لم يبق إلا الإعفاء؟! فلم يلتفت إلى قولهم وأطلق لحيته، وكان يعمل في المحاماة آنذاك فكان أول محام ملتحٍ، وكان القضاة يعجبون منه، فانظروا -رعاكم الله- كيف كان الأمر في مصر آنذاك، بل في كل الدول العربية تقريباً.
ثم قرأ أن الحجاب فرضٌ على النساء فجاء إلى امرأته ولم تكن محجبة، فأمرها بالحجاب، فقالت: كيف السبيل إلى الحجاب والناس سيستهزئون بي، فقال: لابد من ذلك، وفي 1/9/1968/1388هـ تحجبت امرأته، فكانت أول امرأة في الإسكندرية تتحجب!!! وكان مما قاله إن الزي الغالب آنذاك "الموضة" كانت لباس ما يسمى "الميكروجيب" أي اللباس القصير للغاية الفاضح، وهذا مما زاد الطين بلة، وكان يعمل هو وزوجه في مكان واحد، فنـزل معها إلى الحافلة ليركباها إلى مكان العمل فصارا فرجة للناظرين، ومحلاً للمستهزئين، ومرمى لسهام الطاعنين، فهو بلحيته وهي بحجابها، وبقيا على ذلك سنة كاملة، وهذا يدل بوضوح على مدى الجناية التي جنتها الناصرية على بلد هو للإسلام موئل، وللمسلمين حماية، وذلك طوال تاريخ الإسلام تقريباً، فلله كم للناصرية من جرائم، وكم فعلت من القبائح، وكم أضلت من أناس، وهي لم تحاكم إلى اليوم على ما فعلته من الجرائم والقبائح، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن يصدق أنه لم يكن بالاسكندرية -ذلك الثغر العظيم- امرأة محجبة؟! إن هذا من العجائب التي تروى وتذكر، وقد ذكر لي أحد الإخوة من المملكة أنه كان بالإسكندرية سنة 1392/1972 يدرس في جامعتها فلم يجد فيها فتاة واحدة محجبة آنذاك!! وهذا أيضاً من مؤكدات حديث الشيخ حفظه الله ومن الشواهد عليه، وأنا لست في حاجة إلى مؤكد لحديث الشيخ حفظه الله تعالى إنما سقت للقراء ذلك الشاهد لمزيد من التعجيب لحال الناس آنذاك ولتقوية كلام الشيخ في نفوس القارئين، ونعوذ بالله من الثورة المشؤومة -ثورة يوليو- التي دمرت وأفسدت وأضلت.
ثم أخبرني -حفظه الله- أنه قد حذا حذو امرأته امرأة أخرى وهي زوج أستاذ داعية مشهور هنالك كان في السجن آنذاك، ثم تتابع النسوة على مُكث ومهل في لبس الحجاب حتى آن أوان الصحوة الجليلة، حيث أصبح الحجاب منتشراً، وأتى الله بنيان القوم الضالين المضلين من القواعد، ولله الحمد والمنة، ولذلك حديث طويل لا يسعني إيراده هاهنا.
وقد حدثني الشيخ بحديث طويل آخر هو أجلّ وأعظم لكني سأورده في مكان آخر هو به أليق وبحاله ألصق إن شاء الله تعالى.
وقد زرت الشيخ أحمد المحلاوي -حفظه الله تعالى- فوجدت أن الله تعالى قد متعه بحواسه وقد جاز الثمانين ببضع سنين، ووجدته يجيب على أسئلة المستفتين بالهاتف، وسألني عن أحوالي، وأنست به، حفظه الله تعالى، وهو صاحب القصة المشهورة مع رئيس مصر السابق أنور السادات حيث ذكره في التلفاز، وذكر أنه ملقى في السجن مثل الكلب!! فإنا لله وإنا إليه راجعون، وله قصة رائعة أيضاً سأوردها في الجزء الثاني من الذكريات إن شاء الله تعالى مع بقية قصة شيخ الإسكندرية التي أوردتها في هذه الحلقة، وحسبي أنه قد نبهت القراء لفضلهما، ونوهت بعملهما، وسأورد قصتيهما على وجهها إن شاء الله تعالى في الجزء الثاني من الذكريات، كما ذكرت آنفاً والله المستعان.
بطاقة: حرفًا