تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

أيام في مصر (3/3)

مدة القراءة التقريبية: 7 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

كنت قد ذهبت إلى مصر لتسجيل بعض الحلقات لقناة فضائية، وأراد المخرج أن يكون التسجيل في جامع السلطان حسن المملوكي في القاهرة لجمال الجامع وقدمه، وقد كنت رأيته قبل ذلك من الخارج لكن لم يدر بخلدي قط أنه على هذا الوجه من ضخامة البنيان وروعته، وأول ما يفجؤك من هذا الجامع علو سقفه على وجه عجيب، وارتفاع سقف المدخل ارتفاعاً لم أره لجامع قط ولا للمسجد الحرام، ثم إنك إذا ولجت فيه فإنك ستسير صعداً في ممر محكم البناء مرتفع السقف حتى يقودك إلى صحن الجامع غير المسقوف، ليحيط به أربعة إيوانات، كل إيوان منها كان مدرسة لمذهب من المذاهب الأربعة، وبجوار كل إيوان باب يُدلف منه إلى طوابق عديدة، كل طابق منها يحوي غرفاً كثيرة لمبيت الطلاب.

ولقد رافقني أحد المخرجين الفنيين في دخولي المدرسة الشافعية، حيث جُلْنا في الطابق الأول والثاني، والطوابق ستة فيما أحسب وأقدر، فلا تسل عن روعة البناء وإحكامه، وعظمته وجلاله، لكن ما ساءني حقاً هو أكوام التراب في الدرج والغرف، وهذا مما يدل على أن المبنى متروك مهمل لم تصل إليه يد العناية لترميمه أو تنظيفه، أما صحن المسجد فتتوسطه ميضأة أكل عليها الدهر وشرب، وهي مظللة على وجه لطيف محكم، لكن هذه المظلة تئن من توالي السنين بلا تعهد ولا عناية حتى ظهر ذلك في شقوق في سقفها، أما جدران الجامع الخارجية فهي تعاني من تصدع بعض أرجائها، وسقوط من أعلى جدارها الغربي، وكل ما في الجامع يفصح عن الترك والإهمال.

والعجيب أنه قد صار من ممتلكات هيئة الآثار التي تغلقه قبل المغرب فلا يُصلى فيه مغرب ولا عشاء ولا فجر، وإنما يصلي فيه الظهر والعصر من زاره وأمه من المسلمين، ولا تسأل عمن يدخله من السائحين فهم كثرة كاثرة من الغربيين والشرقيين، ولقد ضايقونا بأصواتهم واجتماعهم أثناء تسجيل الحلقات، وقد قلت لبعض من معي: لو رأى السلطان حسن رحمه الله ما حل بمسجده، وهؤلاء الكفار الذين يجولون في كل بقعة فيه وهم جنب والنسوة متبرجات، والصلوات أكثرها لا يقام، والأذان لا يرفع، لو رأى السلطان هذا لغاظه ولمات بعد موته كمداً وهماً وغيظاً، ولا أكتمكم ـ معاشر القراء ـ أنني قد خالطني من الغيظ قدر غير قليل بسبب كل ما ذكرت لكن الله تعالى هو المستعان وعليه التكلان، ولو كان أثراً فرعونياً لنالته العناية من كل جهة لكنه أثر إسلامي أصابه الموات في زمن غير مُواتٍ وإنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا وقد كنت أتحدث في الحلقات عن شخصيات من عظماء المصريين قديماً وحديثاً، وقد كان المسجد وعظمته وجلاله يلقي بظلاله على الحلقات فما أحسن هذا وما أجمله.

ولقد ابتلاني الله تعالى بمخرجين وفنيين متقنين إلى درجة الوسواس، فلو زقزق عصفور صفقوا له ليطير ويبتعد، ولو عملت شركة خارج الجامع حفراً وصيانة أوقفوا العمل لأن هناك صوتاً يأتي من بعيد!! ولو تحدث سائح بصوت عال أوقفوا التسجيل، وهم إذا مالت الشمس على الإيوان الذي أسجل فيه بزاوية معينة أوقفوا التسجيل، ونقلوا آلات التصوير الضخمة الثابتة منها والمتحركة إلى إيوان آخر، وكل انتقال يضيع قرابة خمس وأربعين دقيقة من الزمان، وفي مرة جئت للتسجيل في أحد الإيوانات، فلما أخذت في الكلام أوقفوني وذلك لأن للصوت صدى غير مقبول، وعلى هذا فقس، وقد سجلت ثنتين وخمسين حلقة، كل حلقة عشر دقائق فقط، ومع ذلك فقد بقيت في التسجيل أربعة أيام من العاشرة والنصف صباحاً إلى الرابعة والنصف من عصر كل يوم، وما فرغت إلا بمشقة، لكن أرجو في ذلك الأجر إن قبل الله مني ما قدمت، وهو المرجو من فضله وكرمه ومنه، وإلا فهو الخسران والعياذ بالله.

ولقد جاء الجامع ونحن نسجل في أحد الأيام طلبة كلية الفنون الجميلة ليرسموا جوانب من المسجد، وكانت الفتيات ـ في الجملة ـ يلبسن ملابس غير لائقة، وعجبت من فتاة منهن كانت مغطية جسدها ووجهها كله بعباءة سوداء لا يبدو منها إلا سواد محض، فسررت والله، وعجبت من مقامها بينهن، ثم بعد فراغي من صلاة الظهر جاءتني وقالت لي: هل يجوز أن نصلي في الجامع وفيه قبر، وهي تريد قبر السلطان حسن وهو في قبلة المسجد، فهنأتها على غيرتها وفهمها، وقلت لها: إن قبره خارج صحن المسجد الذي نصلي فيه، أما الصحن الذي فيه المحراب والمنبر، والإيوانات ليس فيها قبر، وهذا هو حد المسجد العرفي، فما كان خارجاً عنه فليس من المسجد، وبينت لها أن كثيراً من مساجد القاهرة في قبلتها خارج صحنها قبور ومشاهد، والمهم هو ألا يصلي المرء في مسجد فيه قبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، والله أعلم.

ولقد أكرمني الله تعالى بالجلوس إلى الأستاذ الدكتور زغلول النجار حفظه الله تعالى ونفع به، ولقد حكي لي صوراً عجيبة على تمكن النصارى في مصر، وتفردهم في أديرتهم وكنائسهم بما يريدونه ليس لأحد عليهم سلطان، وتحسرت ـ وهو يحكي ـ على أوضاع الأئمة المكبلين والمساجد التي تكاد تمنع من كل شيء إلا أن يُصلى فيها، وقد حكى لي قصة المسلمة التي ضحكوا عليها واستغلوا فقرها فنصروها، ثم عمدوها وهي عارية!! وصوروها في تلك الحالة وهددوها بالصور، ثم حبسوها عندهم ثماني سنوات!! ثم خرجت بصليب على عنقها، وجاء بها أبوها للدكتور الذي كلمها فحكت له مخازي عما صنعه بها النصارى لا يصلح إيرادها هنا، ثم ردها إلى دينها ولله الحمد، ثم اختطفها النصارى بعد ذلك مدة إلى أن خلصها جزاه الله خيراً، وعادت لتحكي كيف عذبوها في أديرتهم، هذا وهم يبشروننا بالنصرانية دين السماحة والرفق!!.

وحكى لي عن رجل لقيه في مطار عمان بالأردن وكان قساً، وكان الناس يأتونه ليغفر لهم!! وثمن الغفران يقتسمه مع الكنيسة، حتى بنى أربع عمارات، وله محلات ذهب، ثم إنه بعد ذلك استيقظ ضميره فقال لرئيسه: إن النصارى إذا أخطأوا جاؤوني لأغفر لهم، فإذا أنا أخطأت غفرت أنت لي، وإذا أخطأت أنت غفر لك الباب شنودة، فمن يغفر للبابا إذا أخطأ!! فوبخني وقال لي: إن البابا لا يخطئ لأنه معصوم، فقال له: ومن عصمه وأنا أعرفه وهو صحفي صغير في بداية أمره، فشكاه، وأُخذ إلى دير النطرون حيث عذب عذاباً شديداً حتى يعود عن قوله، ثم إنه دخل على رئيس الدير في يوم من الأيام فوجده يصلي صلاة المسلمين!! فاستغرب جداً، فرد عليه ذلك الحبر: إن هذا هو الحق لكني لا أستطيع الجهر به، وأنت ليس أمامك إلا أن تتظاهر بالتوبة وإلا قتلوك ـ كما قتلوا وفاء قسطنطين المهندسة التي أسلمت في قصة شهيرة فقتلوها بعد عذاب وإهانة، وبعد أن سلمت للنصارى راغمة وهي في بلاد الإسلام!! ـ فخرج من عنده، وأسلم، واختفى عن أنظارهم، وصار يعمل في جمع القمائم في القاهرة لأنه لا يستطيع الظهور والاستفادة من ماله العريض، ثم إنه عمل ماسحاً للأحذية في الإسكندرية!! فاكتشفوا أمره وأرسلوا له من حاول قتله حيث ولجت في جسده سبع وخمسون رصاصة!! من مدافع رشاشة يحملها أربعة من القتلة لكن الله نجاه، وأجريت له عمليات متتابعة في مصر والأردن حتى كتب الله له النجاة، وقد حدث الدكتور زغلول بقصته في مطار عمان!! فما هذا الذي يجري يا عباد الله؟! وأين عقد الذمة الذي يلزمهم بالأدب والسكون في ديار الإسلام، وعقد الذمة هذا نقضوه مراراً بل مزقوه تمزيقاً!! وإنا لله وإنا إليه راجعون، وإن هذا الذي يصنعه أولئك المسؤولون عن الكنيسة المصرية عاقبته وخيمة، ويؤدي إلى تمزيق العرى بين المسلمين والنصارى فهل يفيقون ويرعوون قبل فوات الأوان، ولا يغرنهم أن المسلمين الآن ضعاف فإنهم إذا ضاقت بهم المسالك وسدت في وجوههم الأبواب واستمر استفزازهم فإنهم سينتقمون لدينهم انتقاماً لا يوقفه شيء، ولا شك أن العقلاء من الجانبين لا يريدون هذا أن يقع ويكون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وهناك قضايا مرفوعة ضد الدكتور زغلول حفظه الله بدعوى أنه يريد تمزيق الوحدة الوطنية، ولا أرى ممزقاً لها إلا صنيع أولئك، وإقدامهم المتهور على استفزاز المسلمين استفزازاً غير مسبوق، وعلى أولي الأمر في مصر التدخل قبل أن يتسع الخرق على الراقع، ولا ينفع تدارك الأمر حينئذ، والله أعلم.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080