فضل الحج
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
الحمد لله الذي فرض الحج إلى البيت الحرام، وشوق القلوب إلى تلك المنازل والديار الفِخام، وأجاب دعوة شيخ الأنبياء إبراهيم، فقدم الناس إلى الساحات المقدسة راغبين، والبقاع المطهرة ممتثلين طائعين، يهتف بهم داعي الشوق والحنين: هلمُّوا إلى مطاف النبيين، ومتنـزل الملائكة المقربين، ومهوى أفئدة الصالحين.
والصلاة والسلام على مَن طهر تلك المنازل المقدسة من شوائب الوثنية، وعاد بالشرائع إلى ما كانت عليه أيام الرسالة الإبراهيمية، وأكمل بسنته الشريفة هذه الشعيرة الحنيفية، فاقتفى حجتهَ كل راغب في الحسنات، وممني النفس بالوصول إلى تلك المزارات العظام الرائعات، فيسكب هنالك العبرات، ويرجو إقالة العثرات، ومغفرة السيئات، ورفعة الدرجات، والتجاوز عما سلف وكان من التقصير في جنب الملك الرحيم الرحمان.
والحج فريضة عظيمة، وشعيرة فخيمة، وزمان للغفران، ومكان لدحر الشيطان، يمحو الله لعباده صحائف السيئات، فإذا بها صارت حسنات، كرماً من الله وجوداً وإحساناً، وتلطفاً منه جل جلاله وبراً وغفراناً، فما أحرانا أن نتعرض لهذا الكرم العظيم، ونرد البيت الحرام حيناً بعد حين، عسى أن نكتب في السعداء الفائزين.
وقد قال الحافظ ابن رجب عبدالرحمن بن أحمد الدمشقي الحنبلي المتوفي سنة 795 رحمه الله تعالى:
في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله، ثم جهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور".
هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين: أحدهما الإيمان بالله ورسوله، وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر – كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بذلك في سؤال جبريل له وفي غيره من الأحاديث – وقد ذكر الله، تعالى، الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه كأول البقرة ووسطها وآخرها، والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله تعالى: وفي قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وإنما كان الحج والعمرة جهاداً لأنه يجهد المال والنفس والبدن كما قال أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن دون المال، والصيام كذلك، والحج يجهدهما فرأيته أفضل ...
وقد اختلف العلماء في تفضيل الحج تطوعاً أو الصدقة، فمنهم من رجح الحج كما قاله طاوس وأبو الشعثاء وقاله الحسن أيضاً، ومنهم من رجح الصدقة وهو قول النخعي، ومنهم من قال: إن كان ثم رحم محتاجة أو زمن مجاعة فالصدقة أفضل وإلا فالحج وهو نص أحمد، وروي عن الحسن معناه: وإن صلة الرحم والتنفيس عن المكروب أفضل من التطوع بالحج.
وسئل سعيد بن جبير: أي الحاج أفضل؟ قال: من أطعم الطعام وكف لسانه.
وقال أبو جعفر الباقر: وما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يأت بثلاثة: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يكف به غضبه، وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين، فهذه الثلاثة يحتاج إليها في الأسفار خصوصاً في سفر الحج، فمن كملها فقد كمل حجه وبر.
وفي الجملة فخير الناس أنفعهم للناس وأصبرهم على أذي الناس، كما وصف الله المتقين بذلك في قوله: (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) والحاج يحتاج إلى مخالطة الناس، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
قال ربيعة: المروءة في السفر بذل الزاد، وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله عز وجل.
وجاء رجلان إلى ابن عون يودَّعانه ويسألانه أن يوصيهما، فقال لهما: عليكما بكظم الغيظ وبذل الزاد، فرأى أحدهما في المنام أن ابن عون أهدى إليهما حلتين.
والإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة، لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه.
وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناماً لأجر ذلك، منهم عامر بن عبد قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان.
وترافق بهيم العجلي – وكان من العابدين البكائين – ورجل تاجر موسر في الحج، فلما كان يوم خروجهم للسفر بكى بهيم حتى قطرت دموعه على صدره ثم قطرت على الأرض، وقال: ذكرت بهذه الرحلة الرحلة إلى الله، ثم علا صوته بالنحيب، فكره رفيقه التاجر منه ذلك، وخشي أن يتنغص عليه سفره معه بكثرة بكائه، فلما قدما من الحج جاء الرجل الذي رافق بينهما إليه ليسلم عليهما فبدأ بالتاجر فسلَّم عليه وسأله عن حاله مع بهيم، فقال له: والله ما ظننت أن في هذا الخلق مثله، كان والله يتفضل علي في النفقة وهو معسر وأنا موسر، ويتفضل علي في الخدمة وهو شيخ ضعيف وأنا شاب، ويطبخ لي وهو صائم وأنا مفطر، فسأله عما كان يكره من كثرة بكائه فقال: والله ألفت ذلك البكاء وأشرب حبه قلبي حتى كنت أساعده عليه حتى تأذى بنا الرفقة، ثم ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا، ويقول بعضهم لبعض: ما الذي جعلهما أولى بالبكاء منا والمصير واحد فجعلوا والله يبكون ونبكي، ثم خرج من عنده فدخل على بهيم فسلم عليه وقال له: كيف رأيت صاحبك؟ قال: خير صاحب، كثير الذكر لله، طويل التلاوة للقرآن، سريع الدمعة، متحمل لهفوات الرفيق، فجزاك الله عني خيراً.
وكان ابن المبارك يطعم أصحابه في الأسفار أطيب الطعام وهو صائم وكان إذا أراد الحج من بلده مَرْو جمع أصحابه وقال: من يريد منكم الحج؟ فيأخذ منهم نفقاتهم فيضعها عنده في صندوق ويقفل عليه، ثم يحملهم وينفق عليهم أوسع النفقة ويطعمهم أطيب الطعام، ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من الهدايا والتحف، ثم يرجع بهم إلى بلده، فإذا وصلوا صنع لهم طعاماً ثم جمعهم عليه ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم، فرد إلى كل واحد نفقته.
وقد كان السلف يواظبون في الحج على نوافل الصلاة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب على قيام الليل على راحلته في أسفاره كلها ويوتر عليها، وحج مسروق فما نام إلا ساجداً، وكان محمد بن واسع يصلي في طريق مكة ليله أجمع في محمله يومي إيماء.
وكان المغيرة بن الحكم الصنعاني يحج من اليمن ماشياً، وكان له ورد بالليل يقرأ فيه كل ليلة ثلث القرآن فيقف فيصلي حتى يفرغ من ورده ثم يلحق بالركب متى لحق، فربما لم يلحقهم إلا في آخر النهار: سلام الله على تلك الأرواح، رحمة الله على تلك الأشباح، ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل
ومتى علم الله من عبده حرصه على إقام الصلاة على وجهها أعانه، قال بعض العلماء: كنت في طريق الحج، وكان الأمير يقف للناس كل يوم لصلاة الفجر فينزل فنصلي ثم نركب، فلما كان ذات يوم قرب طلوع الشمس ولم يقفوا للناس فناديتهم! فلم يلتفتوا إلى ذلك، فتوضأت على المحمل ثم نزلت للصلاة على الأرض ووطنت نفسي على المشي إلى وقت نزولهم للضحى، وكانوا لا ينزلون إلى قريب الظهر مع علمي بمشقة ذلك علي، وأني لا قدرة لي عليه، فلما صليت وقضيت صلاتي نظرت إلى رفقتي فإذ هم وقوف وقد كانوا لو سئلوا ذلك لم يفعلوه، فسألتهم عن سبب وقوفهم فقالوا: لما نزلت تعرقلت مقاود الجمال بعضها في بعض، فنحن في تخليصها إلى الآن، قال: فجئت وركبت وحمدت الله -عز وجل- وعلمت أنه ما قدم أحد حق الله على هوى نفسه وراحتها إلا ورأى سعادة الدنيا والآخرة، ولا عكس أحد ذلك فقدم حظ نفسه على حق ربه إلا ورأى الشقاوة في الدنيا والآخرة.
ومن أعظم أنواع بر الحج كثرة الله – تعالى – فيه، وقد أمر الله – تعالى – بكثرة ذكره في إقامة مناسك الحج مرة بعد أخرى ... وخصوصاً كثرة الذكر في حال الإحرام بالتلبية والتكبير، وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الحج العج والثج، وفي حديث جبير بن مطعم المرفوع: عجوا التكبير عجاً وثجوا الإبل ثجاً، فالعج رفع الصوت بالتكبير والتلبية، والثج: إراقة دماء الهدايا والنسك، والهدي من أفضل الأعمال. قال الله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير)، وقال تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وأهدى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مائة بدن، وكان يبعث بالهدي إلى منى فتنحر عنه وهو مقيم بالمدينة.
والأمر الثاني مما يكمل بر الحج اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث والفسوق والمعاصي، قال الله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) تزود حاج ولا غيره أفضل من زاد التقوى، ولا دعي للحاج عند توديعه بأفضل من التقوى.
ومن أعظم ما يجب على الحاج اتقاؤه من الحرام، وأن يطيب نفقته في الحج وأن لا يجعلها من كسب حرام.
ومما يجب اجتنابه على الحاج وبه يتم بر حجه أن لا يقصد بحجه رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخراً ولا خيلاء، ولا يقصد به إلا وجه الله ورضوانه، ويتواضع في حجه ويستكين ويخشع لربه.
وفي حديث المباهاة يوم عرفة أن الله تعالى يقول لملائكته: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غُبراً ضاحين، اشهدوا أني قد غفرت لهم.
قال عمر يوماً وهو بطريق مكة: تشعثون وتغبرون وتتفلون وتضحون(1) لا تريدون بذلك شيئاً من عرض الدنيا، ما نعلم سفراً خيراً من هذا، يعني الحج.
سبحان من جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمناً يترددون إليه، ويرجعون عنه ولا يرون أنهم قضوا منه وطراً، لما أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه ونسبه إليه بقوله عز وجل لخليله: (وطهر بيتي للطائفين) تعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم، فكلما ذكر لهم ذلك البيت الحرام حنوا، وكلما تذكروا بعدهم عنه أتوا. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى.
تلك كانت بعض فضائل الحج، أوردتها على وجه الإيجاز، وإلا فهي بحر خضم، والله الموفق.
الهوامش:
1- الشعث: انتشار الشعر واغبراره، والتفل هو تغير الرائحة بسبب ترك الطيب، وتضحون أي تتعرضون للشمس
بطاقة: حرفًا