أيام بين غرناطة وشمال المغرب
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
دعيت لتصوير ثلاثين حلقة عن "شخصيات أندلسية" لتعرض في رمضان في إحدى القنوات وكان التصوير في غرناطة؛ وذلك لأن المخرج الذي يصور لي هذه الحلقات أراد أن تُصور في الأندلس نفسها، كما صور لي من قبل "شخصيات عثمانية" في اسطنبول، و"شخصيات مصرية" في القاهرة، وهذا -كما يقول- أدعى لترسيخ معاني الحلقة في النفس عن طريق الربط بين الكلمات والمشاهِد التي تُعرض، ولا أستطيع أن أُقَوِّم هذه المسألة لأني لست من أهل هذا الفن.
شددت الرحال إلى مدريد ومنها إلى غرناطة، ولم أظن أن الهواء سيكون بارداً على ذاك الوجه الذي وجدته؛ وذلك لأن الشهر كان يونيو والصيف على الأبواب فأصبت بوعكة بسبب الريح والمطر والبرد الذي لم أتوقعه، كتب الله ذلك لي في موازين الحسنات، وجنبني والقراء الباطل والسيئات.
كانت آلات التصوير تصور من هضبة مرتفعة وراءها قصر الحمراء في غرناطة ذي المنظر البديع في وسط جنات وحدائق ذات بهجة كما قال الله تعالى وجَلّ وعز، ولم أرض أن أدخل قصر الحمراء لما سيكون من وراء دخوله من تجدد الأحزان ورؤية المجد التليد الذي بأيدينا أضعناه كما قال الشاعر المبدع أحمد محرم رحمه الله تعالى، ولأني سأرى ذلك القصر المنيف الذي كان ربات الحجال يرفلن فيه بعزة المسلمة وكرامتها سأراه وفيه الكاسيات العاريات المائلات المميلات، وهذا ما لا يطيقه القلب ولا تحتمله العين، فلذلك آثرت السلامة وأجمعت أمري على عدم الدخول مهما كان الأمر، فقنعت من الغنيمة بالإياب، وصورت الحلقات من خارج القصر من ربوة مطلة عليه فكان في ذلك الغنية والكفاية، ولله الحمد والمنة.
هذا وإن الحديث عن الأندلس لهو حديث عن أحزان لا تكاد تنتهي، لذلك فقد حرصت في حديثي في الحلقات التلفازية أن أورد الشخصيات التي عملت واجتهدت وبذلت وأعطت، ولم أُعَرِّج على الشخصيات الضعيفة والسيئة إلا بقدر يسير ومن أجل الاتعاظ والاعتبار؛ استجابة لقوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار".
وكم كان في الأندلس من العظماء والأبطال والشجعان والزهاد والعباد، عدد لا يحصيهم إلا الله تعالى، ولم يصلنا من تراجمهم إلا القليل، وذلك لحرص الصليبيين على إعدام كتب المسلمين بإتلافها أو حرقها في كل مرة يدخلون فيها إلى بلد من بلادهم ويعيثون فيها الفساد، وهذا أمر متواتر معلوم من حالهم وشأنهم وقد سُجل في التاريخ بمداد الخزي والعار، والعجيب أنهم يتهمون المسلمين بأنهم أحرقوا مكتبة الإسكندرية، وليت شِعْري هل من دليل على هذا لكنها الأهواء تتقاذف القوم وتتجارى بهم، نسأل الله العافية.
وقرب قصر غرناطة حَيّ عربي شهير اسمه "البَيّازين"، وهو من الأحياء التي سلمت من الهجمة الصليبية الهمجية الوحشية، وقد درت فيه فزادني حزناً إلى حزني، وغماً إلى غمي، ففي كل زاوية من زواياه ما يذكرني بتاريخنا ومجدنا، بل إن أحد البيوت مكتوب عليه بعربية واضحة بيت الفقيه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
والحي بديع جميل تراثي رائع بل يأخذ بالألباب، وقد تُرك كما تركه أهله، بل كما أُجبر على تركه أهله يوم قالت أم الحاكم أبي عبد الله الصغير لابنها: ابك كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال.
وحي البيازين قيل في سبب تسميته بهذا الاسم انه نسبة الى الباز وهو شبيه بالصقر ويصاد به، وقيل بل هي نسبة الى البؤس والبائسين ولحقها تحريف فصارت البيازين، لكن الذي يرى الحي ويجول فيه يستبعد البؤس عنه ويرى ان الاقرب هو التفسير الاول، والله اعلم.
وقد دعاني الإخوة في مسجد السلام في غرناطة لأصلي بهم الجمعة، فخطبت عن الاعتـزاز بالإسلام ومقتضيات تلك العزة من التـزامه والفخر به والدعوة إليه، وقد فصّلت في ذكر موضوع الخطبة في مكان غير هذا.
ثم أخذني بعض الإخوة لوليمـة غداء مغربية تفننوا في إعدادها على عادة المغاربة جزاهم الله خيراً، ثم خرجت من عندهم مع ثلاثة من الإخوة تطوعوا لإيصالي إلى الجزيرة الخضراء، وهي بلدة مقابلة للمغرب ومنها أبحرت إلى طنجة، فجزاهم الله خيراً.
وفي الباخرة أحاط بي العاملون فيها وأكرموني بأنواع من الإكرام، وأبدوا لي من عاطفتهم وعنايتهم شيئاً كثيراً فجزاهم الله خيراً، وكانوا جميعهم من أهل المغرب الأوفياء الكرماء الذين مافتئوا يبحثون عن راحتي ويسألون عن مرادي، فجزاهم الله خيراً.
ولقد رأيت في أهل المغرب عواطف دافقة، وحباً صادقاً، ووداً غير متكلف، لمست ذلك مراتٍ لا تحصى، وكراتٍ لا تستقصى، سواء في المغرب أو فرنسا أو إسبانيا أو غير ذلك من الأماكن التي عرفتهم فيها عن قرب، وخالطتهم فيها فعرفت ذلك الود منهم، ولمسته من أكثرهم، وكانوا إذا أرادوا إكرامي بخدمتهم لي وجدت أن صنيعهم هذا منبعث من نفوس صادقة لا تتكلف شيئاً ولا تريد إلا إرضائي وإدخال السرور عليّ، وهذا في الناس اليوم قليل، ولا أملك ما أكافئهم به إلا أن أدعو لهم وأسأل الله أن يثيبهم خيراً.
ولقد لقيت في الباخرة رجلاً وأخته، وهما من شيلي من عاصمتها سانتياجو، وجاءا إلى المغرب للسياحة والاستجمام في بحر أصيلة، ولقد جاذبتهما أطراف الحديث بُغية دعوتهما؛ ذاك أني لمست منهما ليناً وإقبالاً، وكانا يتحدثان معي بالإنجليزية فوجدت أن الرجل يعمل في الأعمال العامة غير المقيدة بوظيفة، والمرأة ممثلة في مسرح الأطفال، وكان كل منهما ملحداً، والعياذ بالله، فأخذت أبين لهما ما هو الإسلام ومن هو رسوله عليه الصلاة والسلام، ولماذا بُعث، وبينت لهما أن الإسلام هو القادر على أن يجيبنا عن الأسئلة المهمـة في حياتنا وهي: لماذا وُجدنا؟ وما هو المطلوب منا؟ وإلى أين نصير بعد الموت؟
وبينت لهما التناقضات والأخطاء الموجودة في الإنجيل، وبراءة القرآن من ذلك، وذكرت لهما جوانب من إعجاز القرآن، فطلبا مني اقتناء المصحف، فوعدتهما بأن أوصل إليهما المصحف بالإسبانية إن شاء الله، وتركتهما وأنا متحير من الذي جرى، متفكر في كيفية إيصال الدعوة لهؤلاء، وماذا نصنع في هذا الباب، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولقد توانت الهيئات العالمية الرسمية المكلفة بدعوة هؤلاء، وصارت عنهم بمعزل في زمن لا يسعنا فيه أن نعتـزل الناس وقد أمرنا الله بالبلاغ.
وفي المغرب جددت العهد بالأخ الفاضل عبدالرحيم فضال الذي ذكرته في رحلة إلى المغرب قبل هذه، وقد كان ينتظرني في رصيف الميناء هو وابنه فجزاه الله خيراً، وأخذني إلى فندق في تطوان، التي وجدت فيها الشيخ الفاضل الشاهد البوشيخي وقد كان يستشفي فيها من مرض أَلمّ به، وهذا الشيخ أحبه في الله لما لمست من صدقه -أحسبه كذلك والله حسيبه- وقد ذكرته في مكان غير هذا، وسأفرد له ترجمة في القسم الثاني من "ذكرياتي" إن شاء الله تعالى.
ورأيت مجموعة ممن أحبهم وعلى رأسهم الأخ الفاضل الشيخ أحمد بوزيان الذي أكرمني وأولم لي مراراً، وهو على اطلاع واسع بعلم الطب الأصيل "البديل"، ولم تطل إقامتي في تطوان فقد خرجت منها إلى الرباط لأمر أردته فيها، ومنها إلى الدار البيضاء ومن هناك طرت إلى المملكة، والله ولي التوفيق.
بطاقة: حرفًا