أيام في إيطاليا (1/2)
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
طال العهد بإيطاليا، إذ أزورها اليوم في شهر ربيع الأول سنة 1427، وقد زرتها سنة 1401 في شهر مارس 1981 فهذه ستة وعشرون سنة مرت كأنها ستة وعشرون شهراً فيا لله كم يسرع الزمان بالانقضاء، والذي دعاني للذهاب إلى إيطاليا سنة 1401 هو أداء اختبار الرخصة الخاصة بالطيران الابتدائي في مقر السفارة الأمريكية في روما، وقد جلت آنذاك في روما ورأيت الفاتيكان، وذهبت إلى بلدة بومبي العجيبة التي ثار عليها بركان فيزوف فأحالها أثراً بعد عين، وذهب بمعاملها، وطمس تاريخها، وذهب بتاريخها أدراج الرياح، ولقد دخلت دور البلدة المهجورة فوجدت القوم البائدين قد صوروا عمل قوم لوط على جدران بيوتهم من داخلها، فقدرت أن البركان الذي اجتاحهم وهم نائمون كان عذاباً من الله تعالى والعياذ بالله، ولعله قد جاءهم نذير فصدوه فعذبهم الله، ألم يقل الله تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، وألم يقل تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً).
وقد ذهبت آنذاك مع مجموعة من شباب الخطوط المتدربين ليصيروا طيارين فوجدت منهم إعراضاً عن المعالي واقتراباً من الدنايا حاشا أخي في الله تعالى ورفيق دربي أبا البراء بدر بن أحمد العليان وفقه الله تعالى الذي شاركته في غرفته في الفندق، وشاركته بعد ذلك غرفة المبيت في أمريكا تسعة أشهر تقريباً، وقد رأيت منه أدباً جماً، وخلقاً عالياً، وإقبالاً على الخير، أحسبه كذلك والله حسيبه، وهو اليوم مدير مركز المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات في حي الحمراء في جدة، وأحد قادة الطائرات المرموقين، وفقه الله تعالى.
وكانت تلك الرحلة أول خروج لي إلى أوروبا ففوجئت بما رأيت من مناظر الانحلال والإباحية التي عجبت منها كثيراً، وقد حماني الله تعالى منها ولله الحمد، وإن أنس فلا أنسى أبداً منظراً رأيت فيه الرجال والنساء في إحدى الحدائق على وضع لا يرضي البهائم، وصدق الله تعالى: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم) وقال جل من قائل: (أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) وكم علينا نحن المسلمين من تبعات هداية أولئك، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن الطرائف التي وقعت لي في تلك الرحلة أني كنت في الفندق، وكان زجاج مدخله شفافاً جداً ونظيفاً جداً إلى درجة أني ظننت أن باب الفندق مفتوح، ومن عادتي أن أمشي بسرعة فنطحت الباب نطحة قوية جداً أرهبت من في الفندق، وسقطت سماعة الهاتف من يد أحد موظفي الفندق وأحدثت تلك النطحة صيحة هائلة، وأحمد الله أن ذلك الوقت لم تكن قد انتشرت فيه دعاوى الإرهاب المضللة وإلا لعدوني إرهابياً، وعذري في صنيعي أنه كانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها فندقاً ذي خمسة نجوم بَلْهَ السكنى فيه!!
هذا أهم ما علق في ذاكرتي من أخبار تلك الرحلة، وقد مضى عليها ما يزيد على ربع قرن، وهذا من جملة التقصير الذي منعني من كتابة ذكرياتي أولاً بأول لكن عذري أني لم أكن أقدر في نفسي أهمية كتابة ذلك آنذاك.
أما رحلتي الثانية فكانت في ربيع الأول سنة 1427، إبريل سنة 2006 بدعوة (الجمعية الخيرية لمناصرة الشعب الفلسطيني) التي نظمت مهرجان الأقصى الثامن لمناصرة فلسطين تحت شعار الرجاء والأمل، فأجبت دعوتهم، وقد استقبلني الإخوة في مطار ميلانو الذي جئته من جدة إلى الرياض فميلانو، وكان معي المربية الفاضلة أم علي حفظها الله تعالى، وقد انتفع بها النسوة كالعادة في معظم رحلاتها معي جزاها الله تعالى خيراً.
وكان وصولي فجر الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الأول، وأخذوني إلى الفندق لاستراحة لبضع ساعات، ثم ذهبت معهم إلى الجامع الكبير في ميلانو- الذي هو صالة رياضية مستأجرة لأداء صلاة كل جمعة – وكان فيها تقريباً ألفان من المصلين، وخطبت فيهم عن الاعتزاز بالإسلام العظيم ومقتضيات تلك العزة هي التزام الإسلام والفخر به والدعوة إليه والمشاركة في نشاطاته وتحقيق متطلبات وجوده في أرض أوروبا.
وبعد الصلاة أقبل الناس عليّ محسنين الظن جزاهم الله خيراً، وسلموا بحرارة وحب وأخوة قل أن تجدها عند غير المسلمين، ثم ذهبنا لتناول الغذاء، واسترحنا في الفندق قليلاً إلى أن اقترب المغرب فذهبنا إلى مسجد المعهد الثقافي الإسلامي بميلانو وإمامه الشيخ أحمد الحسيني (أبو عماد) وصلينا المغرب وتحدثت بعده مع الحضور عن فضل الذكر وأهميته، وأنه خصّيصة لهذه الأمة، وأن الذكر منجاة في الدنيا والآخرة، وأن فوائده تعود على النفس والأهل والأولاد والرزق وغير ذلك، ونبهت الحاضرين على عدم الغفلة واعتياد الذكر، وفهم معانيه وترداده آناء الليل وأطراف النهار.
ثم أجبت عن بعض أسئلة الحاضرين الكثيرة، وكان غالبها يدور حول المعيشة في الغرب، والاقتراض بالربا ليبنو المساكن وغير ذلك، وقد توسعت في إجابتي عن هذا السؤال بما أراه وهو حرمة الاقتراض بالربا إذ لا ضرورة تدعو لذلك، وأن القول بجواز الاقتراض بالربا مؤدٍ إلى زيادة الضعف في حياة المسلمين في الغرب، وأنه لا بد من الإيجابية في إنشاء جمعية لبناء المساكن تبعد عن المسلمين أوضار الربا ووسخ هذه الكبيرة، وتوفر لهم المسكن اللائق.
وتحدثت مع الإخوة عن مسألة مهمة جداً ألا وهي وجوب إنشاء مدارس للبنات تحفظ عليهن أخلاقهن وعفافهن ودينهن، وأنه ينبغي للجالية المسلمة أن تعمل كل ما في وسعها لإنشاء هذه المدارس، ولو أن تكتفي بوجبة واحدة في اليوم والليلة، وأن تمتنع تماماً عن كل الحاجيات والتحسينيات من أجل أن تحقق هذه الغاية النبيلة والواجب الشرعي، ثم ذهبنا لتناول طعام العشاء وعدت إلى الفندق.
وفي اليوم التالي: السبت ذهبت مع الإخوة إلى بلدة بريشا التي انعقد فيها مهرجان اليوم الأول، ومن عادة الجمعية أن تعقد مهرجاناً في كل بلدة مهمة، بحيث تستفيد تلك المدن والبلدات من تلك المهرجانات ولا يحتاج الناس إلى التنقل لحضور المهرجانات، وفي بريشا اجتمع حوالي ألف من الرجال والنساء، وتحدث مجموعة من المسؤولين عن الجمعية، ثم تحدث الشيخ الدكتور رائد فتحي – وهو حائز على "الدكتوراه " من بريطانيا، ورسالته عن الأحكام الفقهية الخاصة ببيت المقدس، وهو من فلسطينيي الداخل المنكوبين سنة 1367 / 1948 - وقد تحدث بحماسة كبيرة جداً، وبُحّ صوته من شدة ما صاح وتعنّى جزاه الله خيراً، وحث في كلمته الحاضرين على عدم ترك الفلسطينيين وحيدين، ثم تحدثت إلى الحاضرين عن ثلاثة أمور: أولاها، عظم أرض الشام وأهميتها وفضل جوهرتها بيت المقدس، وعن أهمية مشاركة إخواننا مصابهم والتعاون معهم ببدء مشاريع نافعة تكون سنة حسنة وضربت لهم مثلاً بحديث وفد المضريين، وتحدثت عن الصحوة التي طرقت بلاد فلسطين وكانت صحوة رائعة أنتجت الحكومة الإسلامية التي تحكم فلسطين الآن.
ثم فُتِح باب التبرع، وتبرع بعض النسوة بحليهم، وأقام الشيخ رائد فتحي مزاداً علنياً على بعض الحلي، واشتراها الناس وغالوا في أثمانها جزاهم الله خيراً، ثم بيعت لوحة تصور حالة الأسر في فلسطين بألف يورو وهي لا تساوي بضعة يوروهات لكنه الحب والحماس والإيمان، ولله الحمد.
ثم تعشيت مع الإخوة وعدنا إلى الفندق في ساعة متأخرة.
وفي يوم الأحد ذهبت للاطلاع على الكنيسة الهائلة في وسط ميلانو والتي يقولون إن بناءها استغرق أربعمائة سنة!!! وبناؤها لما أر مثله ممن قبله – على كثرة ما رأيت في الهند ومصر واسطنبول – وهي بناء مهول مزخرف إلى الغاية، وعليه صلبانهم وتماثيلهم أسأل الله تعالى العافية، ثم زرت المتحف زيارة عابرة لضيق الوقت، وهو في قلعة حربية مُحْكَمة إسبانية – لما كانت أسبانيا تحكم ميلانو- ثم بعد ذلك توجهت مع مرافقي إلى مطعم جزائري للغداء، ثم اتجهت إلى الفندق للاستعداد للذهاب إلى المهرجان الثاني وهو مهرجان مدينة ميلانو، وكان في قاعة رياضية بها خمسة آلاف مقعد لكن الحضور كان قرابة ثلاثة آلاف فقط، وهذا عجيب من المسلمين الذين يبلغ عددهم أكثر من مائة ألف نسمة وكان يوم أحد فكان ينبغي للحضور أن يكونوا أكثر من ذلك بكثير لكنها السلبية المفرطة التي يعاني منها المسلمون في كثير من أجزاء القارة الأوربية، والله المستعان، وهناك عامل آخر في قلة الحضور وهو تخوف الجالية من إلصاق تهمة الإرهاب بأفرادها لو حضرت مثل هذه المؤتمرات!! وهذا تخوف وخذلان وهوان.
وتحدث في مهرجان ميلانو جملة من مسؤولي المراكز والمساجد والجمعيات، وتحدث صحفيان إيطاليان حديثا حسناً في مجموعه ومضمونُه مناصرة الفلسطينيين واستغراب ما يصدر من الأمريكان واليهود من أفعال مخزية.
وتحدث في المهرجان الشيخ أبو عماد أحمد الحسيني آنف الذكر، والشيخ رائد فتحي، وتحدث العبد الفقير حديثاً مشابهاً لحديثي في بريشا في المهرجان الأول، وزدت عليه ببيان أهمية الصدقة في حياة الإنسان، وأنها مفيدة له في الآخرة وفي الدنيا أيضاً بإذهاب بلاياه وشفاء مرضه، وزدت عليه أيضاً أن أعظم نصرة لشعب فلسطين هو مزيد من الالتزام بالإسلام وبالسنة، وفي ذلك نصرة جليلة لأن معنى ذلك تربة أجيال على الإسلام وحب الأقصى.
وكان في المهرجان فرقة الاعتصام الإنشادية، وهي فرقة فلسطينية من فلسطيني الداخل المحتلين سنة 1367 / 1948 وهي فرقة جيدة مؤثرة منظمة لكنهم يستعملون هذا الذي يسمونه بالإيقاع وأنا أكرهه ولا أرتضيه لكن عزائي في مكثي أنه أمر مختلف فيه، وأنه ليس موسيقى صرفة وإلا لما وسعني الجلوس والسماع، وما الحيلة في هذا وحضوري مثل هذه المؤتمرات مفيد إن شاء الله تعالى وأحسب أنه مهم، وأسأل الله المغفرة.
ولقد لقيت في رحلتي هذه عدداً من المسلمين الإيطاليين الذين شرح الله صدرهم بالهدى والنور منهم رجل إيطالي تاجر مكث في مصر سنة فتأثر وأسلم على أنه قد عاش في طفولته (كان عمره أحد عشر عاماً) بين الرهبان في مدارسهم سنة كاملة لكنها الهداية ولله الحمد، ولقد أخبرني أنه قرأ التوراة والإنجيل والقرآن فلم يجد شفاء صدره ولا غليل عطشه إلا في القرآن العظيم الذي وجد فيه بغيته وضالته، ووجد فيه إجابة أسئلته، ومن ثم تزوج مصرية ورزق منها بمريم وعمر ولله الحمد والمنة، وهو الآن داعية يدعو بحماسة ونشاط، ومن العجيب أن ابنه عمر وعمره 4 سنوات تسبب في هداية أحمد المصريين وذلك أن والده أخذه إلى مكان لشرب القهوة فإذا صاحبه مصري ويبيع الخمر، فقال الابن لأبيه: إن هذا الرجل ليس مسلماً لأنه يبيع الخمر، فتأثر المصري وتردد على المسجد وتاب وحسنت توبته، وأسلمت زوجه وماتت مسلمة، وكل ذلك بفضل الله ثم بالكلمات الصادقة التي خرجت من فم الطفل الصغير.
ومن الأمور العجيبة في هذا الإيطالي أنه رقيق جداً سريع الدمعة، فقد حدثني إمام لمسجد من مساجد مدينة بولوينا حيث يعيش هذا الإيطالي أنه إذا خطب الخطبة الأولى وجلس يأتي هذا الإيطالي ليقرأ ترجمة الخطبة على الناس، فيبكي ويبكي، وحدثني أيضاً أنه يصاحبه دائماً في رحلاته وفي خلواته ويحدثه عن الصحابة وأبطال الإسلام فيظل يبكي بكاء شديداً.
ومن المواقف العجيبة المؤثرة أن هذا الإيطالي كان برفقة الإمام في المركز فجاء رجل مصري يطلب الزواج من امرأة إيطالية – وكانت خلفه – فرأى الإمام بطنها فعلم أنها حامل، فسأل الرجل فقال: نعم هذا الحمل مني، فأخبره أن يأتي غداً للعقد - وهذا جائز عند بعض العلماء إذا كان المعقود له هو الزاني نسأل الله العافية- المهم أن هذا الإيطالي تحدث إليها لمدة ربع ساعة، فلما جاءت في اليوم التالي طلبت من الإمام أن تُسلِم قبل العقد، فتعجب الإمام وسأل عن السبب؟ فقالت له: إن هذا الإيطالي دعاني إلى الإسلام فخدرني بحديثه!! وحكت أنها ذهبت إلى مركز في ميلانو فطردوها شر طردة، لكن هذا الإيطالي أراها سماحة الإسلام، فسبحان الله العظيم.
والإيطاليون يغلب عليهم البعد التام عن الدين، والإباحية الشديدة، وقليل منهم جداً من يحضر إلى الكنسية يوم الأحد إلا في فرح أو جنازة، ويقدر نسبة من يحضر بأقل من واحد بالمائة فقط.
واليهود في إيطاليا عددهم تقريباً خمسة وثلاثون ألفاً تقريباً وهو عدد لا يذكر بالنسبة لمجموع السكان البالغ 54 مليوناً لكن نفوذهم عظيم، فلا تكاد تجد حزباً إلا وفي قيادته يهودي، بل إن حزب اليسار الفائز الآن في الانتخابات سكرتيره العام يهودي، وقد حدث مرة أن الانتخابات الإيطالية كانت ستجري في أيام عيد الفصح اليهودي فأرجأت الحكومة الانتخابات واعتذرت رسمياً لليهود على أن نسبتهم من مجموع الناحبين أقل من واحد من عشرة آلاف!!
ومن اللطائف أن أحد الإيطاليين كان يقف في طابور لشراء حاجة له في يوم شديد الحر فتضايق فسب اليهود – والإيطاليون قوم يكثرون الشتم والسب في ثنايا كلامهم - فمن سوء حظه أنه كان في الطابور واحد من اليهود فأقام دعوى عليه فعاقبه القاضي عقوبة عجيبة، وهي أنه أمره أن يأخذ مجموعة من الكتب التي تمجد اليهود وحضارتهم ليدرسها ويمتحن بعد ذلك بما ورد فيها من معلومات!! وهذه من اللطائف العجيبة، والنوادر الغريبة.
والإعلام القوي المؤثر أغلبه بأيدي الصهاينة، وربما تجد إعلامياً حراً لكن أن تجد مؤسسة إعلامية حرة فهذا نادر، أو معدوم، ومن تجرأ من الإعلاميين لمناصرة قضايا المسلمين فأعلن ذلك يواجه بعاصفة من التشكيك والتجريح، لذلك يوجد إعلاميون كثر مقتنعون بقضايا المسلمين لكن قليل منهم من يصرح بقناعاته.
على أن الشعب الإيطالي في الجملة يكره اليهود ويبغضهم لكن استطاع الخبثاء أن يستغلوا الأحوال والتقلبات وأنه يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تأثير ونفوذ.
وكان المهرجان الثالث في مدينة بولونيا، وهي إحدى المدن الصناعية الكبيرة في إيطاليا، وقد اتجهت إليها برفقة الأهل والأستاذ محمد حنون رئيس الجمعية، وكان الجمع في بولونيا قرابة ألف أو يزيدون قليلاً في ملعب رياضي، وتحدثت في البداية في كلمة موجزة مرحباً وفسرت تفسيراً موجزاً قول الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) وكذلك ألقى الدكتور رائد فتحي بعدي افتتاحية موجزة، ثم توالت الكلمات من مختلف الأشخاص، وأنشدت فرقة الاعتصام عدة أناشيد لكن الكلمة الرائعة المؤثرة كانت كلمة الأخ الإيطالي محمد إنيال - الذي توسعت في ذكر شيء من أحواله - وقد بكى عدة مرات في كلمة كانت أقل من خمس دقائق فبكى وأبكى وهو يذكر حال بعض إخوانه وأخواته الذين رآهم في فلسطين لما زارها، وهو رقيق جداً، ومؤثر حفظه الله ونفع به.
وتحدثت بعد ذلك حديثاً مطولاً بعض الشيء مشابه لما تحدثت به في بريشا وميلانو، وأضفت إليه أن النفقة في حال الشدائد أعظم بكثير من النفقة حال الرضاء، وأنه ينبغي أن يكون المرء إيجابياً ويتخلص من السلبية.
وفي يوم الثلاثاء – يوم المغادرة – ذهبت صباحاً لزيارة بلدة برجامو pergamo وهي بلدة تاريخية قريبة من ميلانو، تبعد عنها قرابة ستين كيلاً، وتشتهر بطبيعتها الخلابة، وسورها الثلاثي، سور فوقه سور فوقه سور فهي بهذا بالغة الحصانة والقوة، وفيها كنيسة ذات بناء عجيب مدهش، وبها تصاوير ورسوم عجيبة لا أدري كيف ومتى صنعت، أسأل الله تعالى الوقاية من الضلال والثبات على الإسلام.
ولا أرى حرجاً في الدخول لكنائسهم فهي اليوم متاحف أكثر منها دور عبادة كما هو معلوم، وهي حتى لو كانت دور عبادة فدخلوها جائز على الصحيح إن شاء الله، فكيف وحالها اليوم أنه قد هجرها أهلها ولم يعودوا يعرجون عليها إلا في المناسبات الطارئة من حزن أو فرح، أما ما عدا ذلك فالديار خالية بلاقع تصفر الريح في جنباتها، وهذا جزاء من حَرّف كتابه، وغير منهاج الله في الأرض واشترى الدنيا وباع الآخرة، اللهم لطفاً.
والبلدة ذات أزقة ضيقة، وبنايات قديمة، وفي الجملة فهي معلم تاريخي أثري.
ثم اتجهت منها إلى المطار عائداً إلى ديار الإسلام، ولله الحمد والمنة.
بطاقة: حرفًا