أيام في الأندلس (5/7)
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
إن الله تبارك وتعالى تكفل للإنسان أنه إذا اتبع شريعته هداه إلى صراط مستقيم، فصحت تصوراته عن الكون والحياة، وصحت عقيدته، وسعد في دنياه وأخراه، وسهلت حياته، واتسقت مع سائر ما في الكون من قوانين إلهية وسنن ربانية، وأما من خالف هذا كلاً أو جزءاً، انقلبت حياته رأساً على عقب، وصار يمشي في الحياة معاكساً للسنن والفطرة الربانية، فاستحالت حياته جحيماً يصلاها كل آن، ويتبين له سوء عواقبها في كل زمان ومكان.
وإن مما رأيته في أوروبا عامة وفي رحلتي هذه إلى الأندلس ما يوضح هذا تماماً، فالمرأة ـ على سبيل المثال ـ لما أعطيت حقوقاً ليست لها، وفضلت على الرجال تماماً ضاعت حقوق الرجال، وذلوا وهانوا حتى أن بعضهم اقترح جمعيات للمطالبة بحقوق الرجال، وانهدت أركان الأسرة حتى فضل الرجال عدم الزواج، وصار الرجل والمرأة يجتمعان بدون عقد، ويأتيان بالأولاد الذين يلحقون بأبيهم تارة أو بأمهم أخرى أو يجمع لهم اسم الأم والأب معاً مع أسمائهم الأولى!! وذلك الانصراف عن الزواج إنما هو بسبب المغالاة في صيانة حقوق المرأة المزعومة بحيث إنه إذا طلقها الرجل طردته من شقته، واستولت على أكثر ماله، وحرمته من رؤية أولاده إلى آخر منظومة الذل والهوان، ففضل الرجل العيش بدون عقد حتى يرتاح من تبعات العقد الذليلة.
ثم إنهم زهدوا في الأولاد، وهذا أدى بهم إلى احتياج الشعوب الأخرى ليسدوا خلتهم ويقضوا حاجتهم في ميادين العمل المختلفة.
ثم إن لكل الزوجين أخداناً وعشيقات، وكلاهما يعلم عن صاحبه ذلك لكنهم لا يأبهون فتكون النتيجة أن الأولاد لا يعرفون آباءهم الحقيقيين، وهناك إحصائية رسمية في أسبانيا تبين أن عدداً كبيراً من الأولاد ليست نسبتهم إلى آبائهم حقيقية، وقد عرفوا ذلك عن طريق حمض DNA، ونسأل الله العافية والسلامة.
أما ترتيب الرجل في الأسرة فهو بعد المرأة والأولاد والكلب!! وهكذا إذا نوزع شرع الله وحل مكانه زبالات أفكار البشر فحدث عن الهوان الذي يصيب الناس ولا حرج.
هذا الذي ذكرته كان مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة التي توضح معنىً من معاني قول الله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً).
ومما عجبت له أن عرفهم السائد أن الرجل يعطي راتبه لزوجه وهي تعطيه ما يحتاجه لتبغه ـ إذا كان يدخن ـ وللخمر الذي يشربونه مثلما نشرب نحن الماء، أما ما عدا ذلك فلا يكاد يحوز شيئاً، وفي هذا إذلال للرجل ومهانة وهوان، وإخلال بمهمته التي أناطها الله تعالى به، لكن الفطرة إذا انتكست وكست ونكست وجمحت ودمرت.
وهناك في الأندلس إقليمان مهمان تاريخياً: إقليم قشتالة ويسمى عندهم كتاليون، وإقليم نافار، وكان هذان الإقليمان مملكتين زمان الوجود الإسلامي في الأندلس، وهما اللتان تولتا كبر إخراج المسلمين من الأندلس، وقد حدثني الإخوان أن عاصمة إقليم نافار هي بَنبلونة هذه اليوم مشهورة، وقد كانت تحت إمرة المسلمين زماناً طويلاً، وبنبلولة اليوم هي مركز لحركة نصرانية كاثوليكية عنصرية متعصبة قوية، تؤمن بأن النصرانية لا بد أن تدعم اليوم بأمرين: النفوذ والمال، ولذلك حازوا مصانع ومدارس وجامعة هي من أهم جامعات أوروبا ومن أقواها علمياً، وعندهم معهد لتخريج الرهبان وتصديرهم إلى أفريقيا وأمريكا الجنوبية، ولهم نفوذ قوي في الدولة فمنهم أزنار اليميني المتعصب الذي كان رئيس وزراء إسبانيا، وساعد أمريكا وبريطانيا على غزو العراق، ومنهم وزراء لوزارات مهمة ووكلاء وزراء، وحركتهم النصرانية هذه من أقوى الحركات في أوروبا، وقد كان الدكتاتور الإسباني السابق الجنرال فرانكو هو من ساند هذه الحركة لأنه كان يريد كسب الفاتيكان إلى جواره حتى يخرج من العزلة التي وجد نفسه فيها بعد الحرب العالمية الثانية ففتح لهذه الحركة الأبواب وأعطاها كل ما أرادته، وهذا التحرك النصراني في أسبانيا يرد على العلمانيين العرب وغيرهم الذين يزعمون أن أوروبا قد ودعت الدين منذ زمن بعيد، فهذه الحركة ومثيلاتها في أوروبا تسعى بقوة لإعادة مجد النصرانية من جديد، نعم إنه لا سند شعبياً لمثل هذه الأعمال لكن هذا ما يحدث بين خواص في هذه الحركة وفي غيرها من الأحزاب النصرانية الحاكمة والمعارضة في بعض بلدان أوروبا.
وقد حدثني الشيخ المصري الفاضل علاء سعيد إمام مركز لوجرونيو أنه عاش في بنلبونة هذه ثلاث سنوات، ووجد المدينة منصبغة بصبغة نصرانية متعصبة على إثر تمكن هذه الحركة من مقاليد الأمور فيها، وأن لهم مستشفى فاخراً جداً تعمل فيه ثلاثمائة ممرضة تطوعاً وهن أشبه بالراهبات منهن بممرضات، وأن أحد الإخوة المسلمين أصيب في حادث في مصنع حيث دخلت كلتا ذراعيه في آلة، واتفق الأطباء على وجوب بترهما، لكنه ذهب به إلى هذه المستشفى التي عملت له ست عمليات في شهرين فسلمت يداه بفضل الله تعالى ثم بمهارة أطباء هذه المستشفى، وقد زار الشيخ المريض في المستشفى فلما رآه بكى بكاء شديداً وأخبره أن الممرضات عرضن عليه النصرانية مراراً، فأعطاه الشيخ جهاز تسجيل وأشرطة قرآن فلما سمعن القرآن في غرفته تغيرت معاملتهن له إلى الأسوأ، هذا والصلبان وصور المسيح المزعومة في كل مكان في هذا المستشفى على وجه غير مألوف ولا مسبوق.
ومن المعلوم أن هناك بعثاً للنصرانية في أمكنة كثيرة في الغرب اليوم كما يحصل في الطغمة اليمينية الأصولية الإنجيلية الحاكمة في أمريكا اليوم وما يجري في أسبانيا والكثلكة فيها تحاول إعادة أمجادها من جديد على الوجه الذي ذكرت، وأيضاً هذا ظاهر في صيحات أوروبية على مستوى القارة تذكر بأن أوروبا ناد مسيحي وعلى رأس هؤلاء ساركوزي المعارض بقوة دخول تركيا الاتحاد الأوروبي لهذا السبب، والفاتيكان بالطبع معارض أيضاً، وقبرص معارضة أيضاً، وميركل في ألمانيا معارضة بقوة والنمسا معارضة، وهكذا القوم ابتدءوا يتذكرون نصرانيتهم التي هجروها قروناً فهل يتذكر العلمانيون العرب دينهم فيعملون من أجله ويكفوا عن توهماتهم الفاسدة وأقوالهم المريضة في قضية فصل الدين عن الدولة؟!
بطاقة: حرفًا