أيام في الرباط
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
لي في المغرب ذكريات لطيفة وزيارات متعددة، فقد جئت البلد سنة 1410/1990، وأذكر أني دهشت في تلك الزيارة مما رأيته ولمسته، وذلك لأن تلك البلاد تخالف البلاد المشرقية التي نعيش فيها ونعرفها في جوانب عديدة: في كيفية الصلوات، وهم يتبعون فيها وفي غيرها مذهب الإمام مالك، وفي كيفية التلاوة ـ وهي على رواية ورش عن نافع ـ وفي اللهجة، ولهجتهم مزج من العربية وشيء من البربرية وشيء قليل من مفردات الفرنسية، وهذا مما يجعل فهمها صعباً على من زارهم أول مرة، وفي طرائق طعامهم وتعدد ألوانه وعدم معرفتنا بها، وفي لباسهم الوطني، وفي عدد من الجوانب الاجتماعية التي لا يسع هذه المقالة سردها كلها، الحاصل أن الزيارة الأولى كانت مفاجئة لي على نحو ما، وزرت فيها الدار البيضاء.
ثم توالت الزيارات فزرت بعد ذلك مراكش عاصمة المغرب التاريخية، وكان اسم المغرب مقترنا باسمها فيقال عن المغرب: مراكش، وزرت فاس التي أدهشني فيها مدينتها القديمة الباقية على حالها، وهي تكاد تكون مسقوفة بالكامل على هيئة لطيفة فسقف شوارعها إنما هو بيوتها، وهذا ما لم أره من قبل في مدينة أخرى، وفي المدينة القديمة ثلاثمائة وسبعون مسجداً، وهذا دليل على اتساعها النسبي، وليس في طرقاتها سيارات لذلك الداخل إليها يخيل إليه أنه قد عاد إلى الوراء وسمح له بالرجوع إلى أزمنة خلت، ويشعر فيها بشعور غريب لطيف، ورأيت في فاس عالمها والشاهد على تاريخها المعاصر الأستاذ الدكتور عبد السلام الهراس، وهو علم من أعلام المغرب في هذا العصر، وله دراسة في المشرق ومشاركة لطيفة في بعض أحداثه، وله ذكريات مهمة تتعلق بأشخاصه وأحداثه، وقد استضافني في بيته ثلاثة أيام فجزاه الله خيراً وأبقاه ذخراً.
وفي هذا العام قدر لي أن أزور المغرب لحضور الندوة الدولية في موضوع ( الإعجاز في القرآن الكريم وعالمية خطابه) التي أقامتها الهيئة العالمية للإعجاز في القرآن والسنة المنضوية تحت رابطة العالم الإسلامي، واستضافته جامعة محمد الخامس: كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، وألقيت فيها بحثاً عن الإعجاز البياني في القرآن، وألقى فيها عدد من العلماء في العلوم مجموعة من الأبحاث، وكانت على مدار ثلاثة أيام حافلة.
وكانت الندوة الأولى عن ضوابط الإعجاز العلمي وتكلم فيها الدكتور عبدالله المصلح الأمين العام للهيئة العالمية للإعجاز في الكتاب والسنة، وتكلم الدكتور مجاهد أبو المجد في قوله تعالى: (خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب) وذكر فيه معنى إعجازياً جديداً عن الماء الدافق أنه بالنسبة للذكر دافق، وبالنسبة للأنثى فهو مدفوق، وهذا التنوع في حمل دافق على اسم الفاعل مرة واسم المفعول أخرى مما تسمح به اللغة وهو من أوجه الإعجاز.
وذكر أن الصلب والترائب هو صلب وترائب المرأة وصلب وترائب الرجل، وهذا أمر يخالف ما استقر عند المفسرين من أن الصلب هو صلب الرجل، والترائب هي عظام صدر المرأة.
والجلسة الثانية تحدث فيها كاتب هذه السطور عن الإعجاز البياني العجيب في كتاب الله وكيف أثر في العرب الأوائل أعظم تأثير، وأنه ساقهم سوقاً في الجملة إلى الإيمان، وأن أهمية هذا النوع من الإعجاز اليوم تتضح في جوانب ثلاثة:
- ترسيخ اليقين بصدق هذا القرآن وكيف أعجز الأوائل الأكابر عن الإتيان بمثله.
- جعل الإعجاز البياني سلماً لإصلاح لغة أهل هذا العصر.
- فهم كثير من جوانب الإعجاز متوقف على فهم عدة ألفاظ بيانية لا بد منها فكلمة دافق، ونطفة، وعلقة، ومضغة، وبرزخ لا يبغيان، ويتفيؤ ظلاله، وعجب الذنب، وغيرها من ألفاظ إعجازية يتوقف بيان الإعجاز العلمي على فهمها، إذاً لا بد من استمرار العناية بالإعجاز البياني.
وتحدث فيها أيضاً الأستاذ إحسان قاسم الصالحي عن تجربة الأستاذ سعيد النورسي في الإعجاز المعنوي في القرآن، والأستاذ هو مترجم رسائل النورسي التي اسمها رسائل النور، وهو ناشر فكره اليوم في تركيا، وهو عراقي / تركي.
وتحدث في الندوة أيضاً الدكتور عبدالله بصفر الأمين العام للهيئة العالمية للقرآن الكريم، وضرب أمثلة في إعجاز تيسير حفظ القرآن الكريم، وذكر الإعجاز الصوتي المتمثل في التجويد والقراءات وغير ذلك من أوجه الإعجاز.
وقد عقب على هذه الندوة عدد من الفضلاء الباحثين لكن ما آلمني حقاً هو تعقيب شيخ من المشرق خلا من الأدب والذوق، ورمى فيه بالتهم جزافاً يميناً ويساراً مما اضطر مدير الندوة وهو الدكتور عبدالله المصلح للتدخل لإيقافه، ولا أدري سبب هذه الخشونة في التعقيب والنقاش، هداه الله تعالى، ولو لاين المشايخ فلربما سمعوا منه.
ثم توالت الندوات بعد ذلك لمدة أيام ثلاثة، ولم أتمكن من حضور بعضها بسبب سفري إلى فاس لإلقاء محاضرة هناك، لكن مما حضرته يترسخ عندي أن حشد عدد ضخم من البحوث في مؤتمر واحد يؤدي لا محالة إلى التساهل في قبول بعض تلك الأبحاث، ويؤدي إلى عدم قدرة الحاضرين على الاستفادة الجيدة مما يلقى باعتبارين، الاعتبار الأول: الإرهاق؛ إذ اليوم العلمي يمتد إلى أكثر من عشر ساعات، والاعتبار الآخر: هو عدم استطاعة من يريد التعقيب على بعض ما يرى خطأه البين بسبب ضيق الوقت، وعلى سبيل المثال: حضرت في اليوم الثاني بحثاً لأحد الدكاترة عن الفضاء، ففسر خلق السموات والأرض في ستة أيام بست مراحل زمنية، وزعم أن بعض هذه المراحل يبعد عن الآخر مليار سنة!! ولم يأت بدليل على زعمه هذا.
وأكد نظرية البيج بانج big bang مع أن هناك كلاماً حولها.
وأتي بثالثة الأثافي عندما قال: إن السموات السبع هي طبقات الفضاء مثل الهوموسفير والستراتوسفير إلخ ... وهذا خطأ بين ومخالف للعلم ولما ورد في الأحاديث الصحاح!!
وطلبت التعقيب على حديثه فسمح لي فرددت عليه خطأه، وبينت أن مبعث خلطه نشأ بسبب عدم اطلاعه على دواوين السنة والمزج في البحث بينها وبين كتاب الله تعالى، فالسنة مبينة لما أجمل في القرآن، وقد تستقل بأمور علمية ليست في كتاب الله تعالى، ولا أدري كيف سمح له بإلقاء بحثه وفيه ما فيه من الخطل والخلل.
الأمور الجيدة التي رأيتها في المغرب:
- عاطفة أهلها الجارفة نحو الإسلام وعلمائه وأهله، وهذا أمر معروف فيهم معلوم عنهم، وهو مما يحمد لهم، إذ بقاء هذه العاطفة فيهم دليل على خير كبير كامن فيهم، بعد أن تضاءلت هذه العاطفة عند بعض الشعوب الإسلامية وجفت عند بعضها الآخر.
- وجود صحوة مباركة جليلة تسود بلدان المغرب على درجات مختلفة، وهذا من فضل الله على تلك البلاد، ودلالة واضحة على أن كل محاولات الاستخراب العالمي في إضعاف الإسلام في هذا البلد وتغريب أهله لم تجد إلا قليلاً، وهاهي هذه البلاد تعود إلى أحضان الإسلام من جديد وبقوة.
- حب المغاربة للقرآن والحرص عليه من جوانب عديدة، من جانب العوام والخواص، وهذا الحرص أمر نسبي يختلف من بلد إسلامي لآخر لكني أرى أن المملكة العربية السعودية ومصر واليمن والمغرب في مقدمة الدول التي تولي القرآن عناية جيدة نسيباً، وعندهم عادة حميدة، وقفت عليها في بلادهم وفي أماكن اغترابهم وهي أنهم يبدأون مجالسهم غالباً بتلاوة القرآن ويختمونها بتلاوة القرآن، وهذا مما لم أره عند غيرهم، هذا وهم حريصون في مساجدهم على قراءة حزب من القرآن بعد الفجر وحزب آخر بعد المغرب فيختمون بهذه القراءة القرآن كل شهر، وهذه عادتهم منذ قرون.
وهناك أمور في المغرب أتمنى أن تزول سريعاً:
لأنها لا تليق بهذا البلد الإسلامي ذي التاريخ الجليل، والفتوحات الواسعة التي انطلقت من أرضه الطاهرة، فمن ذلك:
- الخمور المنتشرة في كل مكان تقريباً، وهي أذى للناظرين ومحادة لرب العالمين، نعم إن هذا ليس أمراً خاصاً بالمغرب فهي بلية ابتليت بها أكثر بلدان العالم الإسلامي، لكن يعز علينا أن يكون هذا البلاء منتشراً في مغربنا المحبوب الذي بذل النفس والنفيس للتخلص من الاستخراب الفرنسي وقلعه إلى غير رجعة.
- المناظر المؤذية من حيث تبرج عدد من النساء وعدم وجود ضابط لسلوكهن من هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو شرطة للآداب على وجه جيد مؤثر، وهذا أمر شائع في عدد من بلدان الإسلام لكن لا نريد لمغربنا المحبوب أن يكون أيضاً فيه هذا الأمر الخادش للأنظار المتعب للقلوب المضل للناشئة.
- إن المغرب خاصة والمغرب العربي الكبير عامة: أحداثه وأعلامه تكاد تكون مجهولة لأهل المشرق، وهذا أمر قديم في المغرب العربي الكبير من ليبيا إلى شنقيط، وأهل المغرب يعرفون شيئاً كثيراً عن المشرق أعلامه وأحداثه، أما أهل المشرق فلا يعرفون إلا النزر اليسير، وهذا أمر باق إلى اليوم، وقد اشتكى منه قديماً أعلام المغرب وعلماؤه، وذكر هذا ابن خلدون في مقدمته، وهذا والله أعلم مردّه إلى أن أهل المغرب يزورون المشرق للحج والتجارة والزيارة، أما أهل المشرق فلم يكن هناك شيء لا بد منه يدعوهم لزيارة المغرب، خاصة أنه بعيد كل البعد، وزيارته كانت محفوفة بالمخاطر، أما اليوم وقد سهلت وسائل المواصلات والتنقل فينبغي أن يعالج هذا الأمر بوجوه متعددة من المعالجة حتى يحصل التآخي والتعارف بين المسلمين ومن ثم التكافل والتناصر، وهذا ينبغي أن يقوم بعبئه المغرب وتساعده الحكومات والهيئات والمجامع الشرقية.
- ضعف اللغة العربية عند كثير من أهل المغرب، وسيادة الفرنسية في شوارعها ومحلاتها على وجه غير مقبول، إذ يمر المار بتلك المحلات من دكاكين وفنادق ومحال تجارية فلا يدري ما الذي أعدت له وذلك لأن أكثرها عليه لافتات بالفرنسية وليس للعربية فيها نصيب فمن يجهل الفرنسية مثلي لا يدري ماذا يباع في ذلك المحل، ولا الغرض الذي أنشئ من أجله، وهذا إن كان سائغاَ فيما مضى زمان الاستخراب الفرنسي فلا ينبغي أن يسود ويسوغ اليوم في زمن البحث عن العز العربي والإسلامي.
هذا وقد مررت ببعض الآثار القديمة في الرباط، فمن ذلك صومعة حسان والسور القديم المحيط بها، ومررت أيضاً بالمدينة القديمة المسماة بـ (شَلّة) وهي مدينة رومانية أنشأ فيها السلطان أبو يعقوب المريني بعض المنشآت، وهي اليوم أطلال دوارس يقصدها الناس للفرجة وفيها عيون وغابات وهي بهجة للناظرين، ومتعة للمهتمين بالتاريخ، والمحبين له، ويمكن من هذه المدينة رؤية مدينتي الرباط وسلا ونهر أبي الرقراق الفاصل لهما، وليت القائمين على الأمر بالمغرب يحيون هذه المدينة من جديد بترميم جامعها وبعض آثارها، والله الموفق.
بطاقة: حرفًا