تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

أيام في بيت الله الحرام

مدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

قد قدمت إلى البيت الحرام مرات لا تحصى، وعدت إليه كرّاتٍ لا تستقصى، وإنما أريد بما سأسطره في هذه السلسلة من الأيام ما مكثت فيه في البيت الحرام معتكفاً أو زائراً مصلياً، ولي فيه ذكريات جليلة أجدني مدفوعاً لذكرها، متشوقاً لإيرادها، كيف لا وهي جزء من ذكريات الشباب والكهولة، في عرصات القدس الجليلة، فلله ما أجمل تلك الأيام، وما أحسن الصيام فيها والقيام، ولرمضان في بقاع الأرض بهجة وجلال، فكيف برمضان في بيت الله الحرام؟

وأذكر المطاف وقد كان قسم منه مكسواً بالرخام وآخر مفروشاً بالحصى والرمال، وكنا -زمن الصغر- نأتي المسجد الحرام فنجلس في الأمكنة المفروشة بهذا الحصى والتي نسميها "الحصوة" ولم يكن الناس بهذه الكثرة التي حدثت بعد ذلك، وهذا الذي أذكره لكم إنما كان في أواسط التسعينات الهجرية/ السبعينات الميلادية من القرن الفائت، ولم يزدد عدد الآمّين البيت الحرام -على الوجه الذي نراه اليوم- إلا في بدايات القرن الخامس عشر الهجري/ الثمانينات من القرن الميلادي الفائت، وهذه الكثرة الكاثرة هي دلالة على أثر الصحوة الجليلة التي طرقت قلوب وعقول الأمة بعد ضياع طويل وضلال بعيد، ولله الحمد والمنة.

لكن هذا الازدحام الشديد الذي يقع في المسجد الحرام، وهذه الخلائق التي لا يحصي عددها إلا الله تعالى قد تنغص على من قصد المسجد الحرام للتعبد والتحنث، فكيف يذوق حلاوة العبادة من زوحم في كل شيء، ومن يتناوشه الناس من كل جهة، وكيف يلتذ بالعبادة من لا يكاد يجد المكان إلا بشق الأنفس، فإذا وجده زوحم فيه ودُفع وضيق عليه.

والمرء القاصد لبيت الله الحرام يود لو أطال الصلاة فخشع في القيام، وأطال الركوع والسجود، ولربما بكى وانتحب، وزفر وأنّ، فكيف يطيب له هذا الصنيع وحوله الناس من يمين وشمال، وأمام وخلف، وأنوار المسجد الحرام تحيل الليل إلى نهار، وهي كائنة في كل مكان، ومنصوبة على رؤوس العباد، ويتمنى المرء زاوية مظلمة أو مكاناً منـزوياً فلا يجد إلا ما ذكرته لكم فكيف الصنيع إذن؟ وكيف يطلق لعواطفه ومشاعره العنان؟ والناس مطلعون شاهدون، وقد كان السلف يقبلون على المسجد الحرام فيختفون في زاوية من الزوايا أو خبيئة من الخبايا، ويصلون ولا يكاد يدري بهم أحد، وأظن أن تلك الأيام ولّت ولن تعود.

هذا وقد لازمت الاعتكاف في المسجد الحرام سنين طويلة ثم بدا لي ألاّ أصنع، واكتفيت بالجوار في العشر الأواخر، وذلك لأسباب منها وعلى رأسها أن الناس لا تتركني لأتعبد وأقرأ القرآن وأصلي بل تتناوشني من كل جهة فهذا يسأل وذلك يطلب وثالث يريدني لأمر مهم ورابع وخامس هذا عدا من يستوقفني ليخبرني أنه يحبني في الله وأنه رآني في قناة كذا وكذا إلخ ... وهكذا يضيع مني الوقت الثمين الذي خصصته لقراءة القرآن والتطوع، فأفر إلى النـزل ولا أعود إلا لصلاة جماعة أو تراويح أو تهجد، ولا تسألوا عن حسرتي بسبب عدم استطاعتي المكث في المسجد الحرام كما كنت أصنع من قبل لكن ما الحيلة والأمر على ما ذكرت ووصفت.

هذا من وجه، ومن وجه آخر إن المرء إذا اعتكف في المسجد الحرام ضُويق وربما بدر منه ما لا ينبغي من الأفعال والأقوال، ولقد كان سيد الأنام عليه الصلاة والسلام يعتكف في المسجد النبوي في خباء (خيمة)أعد له لينفرد عن الناس، واليوم ينام المرء في المسجد وسط عشرات الألوف من النائمين، وفي هذا ما فيه، ولقد جاءني من سألني عن مسألة فأجبته، وكان بالقرب مني شاب حديث السن يسمع ما أقول فسألني: لماذا أجبته على سؤاله بسرعة!! ألم يكن الأفضل أن تتأنى؟ فقلت له متعجباً من جرأته: إذا جمعت الاثنين مع الثلاثة فكم يحصل لك؟ قال: خمسة، فقلت له: لماذا لم تتأنى في الإجابة؟ قال: لسهولة المسألة، فقلت له وكذلك أنا فقد كانت المسألة سهلة علي، فأُفحم ولم يُحِرْ جواباً على أنه أبدى امتعاضه مما ذكرته له، وهذا من جرأة الناشئة على من هم أكبر منهم وأعلم وسبب هذا أنهم لم يُؤخذوا بتربية جادة قويمة، وكنت في زمن شدة القيظ معتكفاً في المسجد الحرام، وبعد التراويح أصابني شيء من التعب فوضعت جنبي في الصف الأول في السطح، فجاء من قال لي غاضباً حانقاً: أليست هذه زندقة؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومعالجة العوام صعبة، والجدال معهم لا فائدة منه، ولم آت لأجادل أحداً وأماريه في مثل ذلك المكان والزمان، فلذلك لم أرد عليه، وهذا كله وغيره قد جعلني أجاور عوضاً عن الاعتكاف، والله أعلم.

ولا تسل عن متاعب الصلاة في الصف الأول، خاصة في السطح زمن القيظ، وعن المشكلات التي لا تكاد تنتهي بسبب تزاحم الناس وصياح بعضهم على بعض، فهذا يريد النظر إلى المطاف، وذلك يريد الفوز بالصلاة في الصف الأول ولو جاء قرب الأذان، وثالث يدعي أنه كان في الصف ونابته نائبة فأخرجته وعاد، ورابع يزعم أن في المكان متسعاً ويريد أن يضيق على الناس، وخامس يصيح بالناس كأنه في مقهى فلم يَرْعَ حُرمة المسجد الحرام، وسادس يهدد بالضرب!! وسابع يسب ويشتم!! كل هذا يقع لأهل الصف الأول وما قرب منه فأين الخشوع إذن، وكيف يحصل للمرء ما يريده منه؟ لذلك أخذت نفسي في هذه السنوات الأخيرة بالتأخر عن الصف الأول إلى الرابع أو الخامس، فهذا أدعى للخشوع، وأسلم لدين المرء، وأبعد عن الخصام والمراء والقيل والقال، وأقرب للسلامة من الناس، وهذا خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسارعة للصف الأول لكن ماذا أصنع بما ذكرته لكم وهو حق، وقد أوجزت كل الإيجاز في وصف ما يجري وإلا فالأمر فوق ذلك، وأرى أن التأخر قليلاً أسلم وأحسن في ذلك المكان والزمان، والله أعلم.

ولذلك كله يَعْمد كثير من الناس إلى الاعتكاف في المسجد النبوي -على ساكنه أفضل الصلاة والسلام- ويزعمون أن هذا أحسن وأقرب للخشوع، وأبعد عن الزحام الشديد، ويستحسنون الصلاة فيه، لكني كلما أردت قصد المسجد النبوي تذكرت أجر المائة ألف صلاة في بيت الله الحرام فلا تطيب نفسي بذلك، ولا أرضى إلا الصلاة هنالك، على ما فيها مما ذكرته لكم، لكن لابد مما ليس منه بُدّ، وما أحسن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" موسوعة الأحاديث ↗، وهذه المقولة الجليلة مما تعين على الصبر على عوام الناس في ذلك المكان العظيم الذي لا ينفع فيه إلا الصبر والرضى والسكينة، والله المستعان.

وما أحسن الطواف بالكعبة، وذكر الله تعالى ودعاءه في ذلك المكان المقدس المطهر، بل هو أقدس وأجل بقعة على وجه الأرض، فكم من رسول ونبي، وصالح وولي، ومجاهد وقائد قد طافوا بهذه الكعبة المشرفة، وهي متنـزل الملائكة الكرام، ومحل نـزول الرحمات، وصعود الدعوات، وهي مظنة الإجابة، ومكان الإنابة، وهي بيت الله الفريد في الأرض، يهِرع إليه العباد، وتهفو إليه الأفئدة الصِلاد.

وكنت زمن المجاورة في الحرم أطوف أحياناً أسبوعاً (أي سبعة أشواط) فلا تسل عما أشعر به وأنا أرى الناس قد وقفوا في الملتزم باكين، خاشعين، سائلين الله تعالى بألسنة متعددة وقلوب مقبلة، وكل له طلب على لسانه، وخواطر في عقله وجنانه، والله تعالى محيط بكل ذلك، ملم بما هنالك، لا يشغله طلب عن طلب، فسبحان من وسع سمعه الأصوات، على اختلاف اللغات، وهو مستو على عرشه، عال على خلقه، جل جلاله.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080