تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

أيام في بيروت

مدة القراءة التقريبية: 7 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

قد بَعُد عهدي ببيروت، فقد زرتها سنة 1389/1969 عندما كنت طفلاً مع الوالد، وزرتها مرة أخرى سنة: 1430/2009 فهذه إحدى وأربعون سنة، ولما رأيتها أول مرة بُهرت بها، وذلك لما كانت عليه من عمران وتقدم مقارنة ببلادي التي كانت آنذاك لم تلج عصر الطفرة بعد، ثم قامت الحرب الأهلية في لبنان فأكلت الأخضر واليابس، ولم أر بلدة أحق منها بقول الله تعالى: "ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون".

وبيروت تعج بالديانات والمذاهب والفرق، ففيها سبع عشرة طائفة، وهي إلى الفوضى في كل شيء أقرب منها إلى الانضباط، وقد ساءني ما رأيت فيها من مظاهر الفساد لكني أعزو هذا إلى ذلك التعدد الطائفي الذي ليس مثله تعدد في أي بلد إسلامي، فيما أعلم.

وقد استقبلني في مطار بيروت أخ فلسطيني كريم أخذني إلى فندق، وتعب في خدمتي إلى أن ألقيت عصاي واستقر بي المقام فجزاه الله تعالى عني خيراً، ولما أراد أن يتركني لأستريح طلبت منه أن أزور بعض المخيمات الفلسطينية في بيروت، فقد سمعت عن معاناة أهلها لكني أريد الوقوف عليها، فوعدني خيراً، وأرسل أحد إخوانه في اليوم التالي فأخذني إلى مخيم صبرا الذي اجتاحه المجرم الأثيم اليهودي شارون سنة 1402/1982، وقد رأيت في المخيم عجباً، فهو ذو مساحة ضيقة جداً لا تزيد عن كيل مربع واحد حشد فيه قرابة ثلاثة عشر ألف شخص، وفي وضع صعب للغاية، والناس فيه لا يكادون يرون الشمس مما أورثهم أمراضاً عديدة، والمخيم مفتقد للخدمات الأساسية الإنسانية، ويتنازع أهله عدة فصائل فلسطينية زادتهم ضغثاً على إبّالة، وزادت طينهم بِلة، ولولا أن الله أنجد المخيم برجال من حماس يزرعون في أهله الأمل والعقيدة وحب الجهاد لكان الأمر أسوأ بكثير، ورأيت فيه مسجدين صغيرين يضيقان عن أهل المخيم، وفي الجملة فإن أهل المخيم يجاهدون لتحصيل أسباب العيش فيالله للمسلمين، أين أهل الإحسان عنهم، وعن تخفيف معاناتهم؟ وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم أخذني الأخ المرافق إلى مخيم برج البراجنة لأراه لكني اكتفيت برؤيته من الخارج لضيق وقتي عن ولوجه، لكني رأيت منه بعض ما رأيته من سابقه مما ينكي ويبكي.

ولقد أحسن وفادتي في بيروت شيخ قراء لبنان فضيلة الشيخ محمود عكاوي -حفظه الله تعالى- وأخذني إلى أماكن للنـزه مع أهلي، وذهب بي إلى جامعه الذي يؤم الناس فيه، وهو جامع المنذر، وهو جامع قديم أتى عليه زيادة عن أربعمائة سنة، بني على طراز قديم جليل، وهو من المساجد التي يشعر المرء براحة حين الصلاة بها، وجمعني بثلة من أهل الفضل في غرفة بالجامع، وتحدثنا عن أحوال المسلمين في لبنان وما الذي ينبغي صنيعه لسد الثغرات التي في صفوفهم، وتلافي النقص في أحوالهم، ولقد رأيت من أولئك الثلة رغبة في التغيير لكنها ممزوجة بشيء من القنوط ونبهتهم عليه، والله المستعان؛ فإن ما يجري في تلك البلاد يؤثر في أشد النفوس صلابة ومناعة لكن التفاؤل والتوكل على الله تعالى يقيان المرء عواقب اليأس.

وأخذني فضيلة الشيخ محمود لألقى مفتي الجمهورية اللبنانية فضيلة الشيخ محمد رشيد قباني، ولقد رأيت منه تؤدة ولطفاً وأدباً، وتحدثت معه عن العناية بالعلماء، وأحوال أهل السنة في لبنان ثم طلب مني- حفظه الله ووفقه- أن أخطب الجمعة في جامع محمد الأمين صلى الله عليه وسلم وهو أكبر جوامع لبنان، وهو الجامع الذي يؤمه المسؤولون، فأجبته وخطبت، وكانت الخطبة عن الإسراء والمعراج في بعض جوانب تلك الحادثة التاريخية الفريدة الجليلة، وقلت فيها إن الله تعالى ربط بين المسجدين: الحرام والأقصى في المرحلة المكية في زمن لم يكن فيه للمسلمين قوة ولا منعة، وكأن الله تعالى يقول لهم، إني سأفتح لكم المسجد الأقصى، وأربط بين المسجدين إلى يوم القيامة، وأجعلهما أمانة بين أيديكم وفي أعناقكم، فوجبت العناية اليوم باسترجاع الأقصى إلى القبضة الإسلامية، وتخليصه من الأسر اليهودي الذي طال وأورث الوبال والنكال.

وقلت إن النبي صلى الله عليه وسلم جُمع له الأنبياء والمرسلون جمعاً مهيباً جليلاً في المسجد الأقصى فصلى بهم إماماً فكان هذا إيذاناً بانتهاء ولاية بني إسرائيل الدينية وتسليمها لهذه الأمة المباركة المحمدية، وَعرّجت بعد ذلك على أسباب نـزع الولاية من بني إسرائيل وبينت أنها لكفرهم وطغيانهم وقتلهم الأنبياء وأكلهم الربا واستمرائهم المعاصي العظام، واليوم فإن الأمة الإسلامية هي الأمة القائدة والرائدة وهي خير أمة أخرجت للناس لا تفضيلاً لجنس على جنس ولا لقوم على قوم إنما للإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" وحذرت من عاقبة المعاصي وما يمكن أن تجر على الأمة من الإقصاء عن السيادة وغضب الله تعالى والعياذ بالله، وقرأت قول الله تعالى: "كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى"، وتحدثت عن تكريم الله تعالى لنبيه الأعظم صلى الله عليه وسلم برفعه إلى مقام لم يُرْفعه أحد من قبل ليلة المعراج وهذا -على التحقيق- تكريم أيضاً لأمته ورفعة لها.

هذا وقد اجتمعت في بيروت بالشيخ حسن قاطرجي وهو أحد فضلاء المشايخ والقائم على جمعية الاتحاد الإسلامي، وقد عُني بي جزاه الله خيراً، وطلب مني أن أتحدث في جمعيته مع بعض الشباب العاملين، فتحدثت عن الموضوع الذي أوثر دائماً الحديث عنه ألا وهو أثر المرء في دنياه، وكيف السبيل لعمل شيء مؤثر في الأرض يستفيد منه الناس، وقد صدرت الحديث بذكر فضائل بلاد الشام، وضربت مثالاً على المؤثرين في دنياهم بالشيخ أحمد ياسين رحمه الله تعالى وتقبله في الشهداء، وأنه غير تاريخ فلسطين الحديث، وأنقذ كثيراً من أهلها من ظلمات التنظيمات التي شاعت في فلسطين وفرخت وباضت حتى حادت بكثير من أهلها عن إسلامهم وإيمانهم، من شيوعية ويسارية وناصرية وبعثية وقومية وعروبة وسم ما شئت إلا أن يكون الإسلام العظيم الصافي الذي جاء به النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكان عدد من علماء "مجلس علماء فلسطين" يستمع للمحاضرة، فكان من بعضهم تعليق بعدها بأن الوضع في فلسطين كان فيه خير كثير، وأن الصورة لم تكن قاتمة إلى هذا الحد، لكن هذا الكلام لم يوافق عليه بعض الفضلاء الحاضرين، والحق أن الحال في فلسطين كان سيئاً في الستينات والسبعينات والثمانينات الهجرية وأوائل التسعينات، وهذا بالتاريخ الميلادي يوافق الأربعينات والخمسينات والستينات وأوائل السبعينات، والقاصي والداني يعلم هذا، والناظر في مذكرات بعض المشايخ والدعاة والفضلاء يدرك هذا، فقد تحدثوا عن هذا الوضع في فلسطين آنذاك، واليهود أنفسهم قد تتبعوا ما جرى في فلسطين من التغيير بمرارة شديدة، وذكروا أن كثيراً من الشباب قد عاد إلى المساجد وأن اللحى ظهرت من جديد، وأن الحجاب قد انتشر، وهذا الذي ذكروه إنما هو جزء من عمل الشيخ المبارك أحمد ياسين ورفاقه، بفضل الله ومنته.

ثم بعد المحاضرة طلب وفد "مجلس علماء فلسطين" أن يتحدثوا معي عن هموم الفلسطينيين في لبنان ومشكلاتهم وأوضاعهم فتحدثنا، وافترقنا للغداء الذي دُعيت له من الجمعية جزى الله القائمين عليها خيراً.

وفي بيروت سُعدت بزيارة الدكتور الفاضل محسن صالح ومركز الدراسات "الزيتونة" الذي يقوم عليه وهو مركز يُعنى بتاريخ فلسطين وأحوالها المعاصرة من جميع الجوانب تقريباً، وقد سررت بما عليه المركز من تنظيم وضبط، وسمعت منه ما أثلج صدري وأسعدني، وأهداني بعض الكتب الجديدة الصادرة عن المركز، وأرى -والله أعلم- أن قضية فلسطين أصبحت في قبضة آمنة بفضل الله تعالى ثم بهؤلاء الرجال وأمثالهم الذين يعملون بصمت وهدوء ولعملهم ثمار يانعة قريب قطافها إن شاء الله تعالى.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080