أيام في زبيد: أنشأها محمد بن عبد الله بن زياد الأموي عام 204 هـ بأمر الخليفة المأمون
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
-
لها تاريخ علمي كبير وبرز منها العديد من العلماء اليمنيين على مدار التاريخ
-
بها قلعة أثرية تصلح مزارًا سياحيًّا نادرًا تحتاج إلى عناية خاصة تعيد إليها شيئًا من مجدها القديم
زبيد بلدة في تهامة اليمن، وهي بلدة تاريخية قديمة وجدت منذ أوائل القرن الثالث الهجري عام 204، أنشاها محمد بن عبد الله بن زياد الأموي بأمر الخليفة المأمون، واستمر بنو زياد في حكم اليمن حتى عام 407ه، ثم أعقبهم مواليهم من بني نجاح الذين حكموا حتى سنة 553ه.
ثم انتقل الملك منهم إلى علي بن مهدي الرعيني الحميري وبنيه الذين لم تطل مدة ملكهم حيث قضى عليهم توران شاه أخو صلاح الدين سنة 569هـ، حيث استنجد الأهالي بالعباسيين حتى يخلصوهم من حكم ابن مهدي الذي كان ضالاً، ثم حكم بنو رسول ابتداء من سنة بضع عشرة وستمائة.
وكانت زبيد عاصمة اليمن السياسية لقرون، وهي بلدة لها تاريخ علمي كبير برز منها العديد من العلماء الكبار على مدار التاريخ، منهم الفيروزآبادي صاحب «القاموس المحيط»، ومنهم مرتضى الزبيدي صاحب «تاج العروس من جواهر القاموس»، وهو أعظم وأكبر معجم للغة العربية، ومنهم المقري صاحب «عنوان الشرف الوافي» الكتاب العبقري الذي أبدع في تأليفه المقري، ومنهم المؤرخ الكبير ابن الديبع الشيباني وغيرهم.
لكن حظ اليمنيين من الشهرة ضئيل، وهو يشبه حظ المغاربة في المشرق، وما ذاك إلا لأنها بلاد نائية بعيدة عن مراكز الحضارة والثقافة التاريخية كمصر والشام والعراق، وهذا أمر شكا منه ابن خلدون وشكا منه الشوكاني رحمة الله عليهما.
بلدة معزولة: وزبيد اليوم بلدة صغيرة معزولة، الداخل إليها يظن لأول وهلة أنها باقية على ما تركها عليه المقري إمامها قبل قرون، ولولا شيء من مظاهر التمدن لثبت لداخلها هذا الشعور في نفسه، وقد زرتها في رمضان سنة 1427هـ، ومكثت فيها اثني عشر يومًا للقراءة على شيخ زبيد شيخنا سليمان بن محمد بن عبد الوهاب الأهدل، وهو رجل عالم له قدره في اليمن، فهو رئيس الدائرة القضائية للتجمع اليمني للإصلاح، وهو نائب سابق، وهو من أسرة كريمة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوه كان عالمًا أيضًا ومات وهو ابن خمس وثلاثين سنة فقط وهو الذي قرأ عليه ابنه الشيخ سليمان جل علوم الرواية أو كلها.
بناء شامخ
وقد ذهبت مع الشيخ سليمان إلى جامع زبيد الكبير، وهو بناء شامخ ضخم بني أصله منذ القرن الثالث، وأضاف عليه سيف الإسلام أخو صلاح الدين الأيوبي لما كان حاكمًا على اليمن في القرن السادس إضافات عديدة، ولقد رأيت فيه شيئًا مميزًا لم أره في مسجد ولا جامع من قبل ألا وهو تخصيص غرف كثيرة علوية في المسجد لتكون خلوات لطلاب العلم يدرسون فيها ويبيتون بعيدًا عن أعين سائر الناس ويسمونها مقاصير (مقصورات)، وعددها أربع عشرة مقصورة، وهذا شيء مهم، لكن الجامع كله وغرفه هذه خاصة بحاجة إلى عناية تامة ويد حانية تعيد للجامع رونقه وهيبته.
وكان للجامع سبع مكتبات فيها كتب الملوك والعلماء، لكن هذه المكتبات سطا عليها الأهالي وباعوها للأجانب، وبعض الكتب أكلتها الأرضة، وهناك قرابة ثمانين مكتبة خاصة في زبيد ضاع أغلبها بسبب الإهمال والسطو.
أطلال وخرائب
وفي البلدة مدارس كثيرة لها أوقاف عديدة وقفها الحكام والعلماء، لكن للأسف ذهبت معالم أكثر هذه المدارس، ولم يبق إلا أطلال وخرائب، فما أعجب حكم الزمان الذي حكم على هذه البلدة بالهوان العلمي بعد أن كانت قبلة للدارسين من اليمن وخارجه.
وكان بالمدينة قرابة عشرة أربطة لسكنى طلبة العلم وهي موقوفة، فعدا على بعضها ذرية الواقفين وجعلوها سكنًا خاصًّا.
بيوت الياجور
ومر الشيخ بي كذلك في المدينة القديمة التي قلْبها الجامع، وبناء البيوت إنما هو بـ «الياجور»، الذي هو الطين المحروق الصلب فيصف في قوالب متناسقة فوق بعضها لتكون جدران البيوت على هيئة تاريخية لطيفة.
والبلدة القديمة ذات أزقة ضيقة ملتوية كسائر البلدان القديمة، وأرضها غير مرصوفة، ما يضاعف متاعب أهلها إذا نزل المطر إذ يخوضون في وحل متعب.
متاعب الناس: وقد حكى لي الشيخ سليمان - حفظه الله - متاعب الناس في زبيد؛ إذ إن أهل زبيد جلهم مزارعون ويعتمدون في رزقهم على الزراعة بعد الله تعالى، لكن جلهم قد هجروا مزارعهم تلك بسبب الغلاء الكبير لوقود المحركات التي تجلب الماء، فقد كان برميل الديزل ذو المائتي لتر باثنين وعشرين ريالاً فقط، وهو اليوم بسبعة الآف ريال!! وهذه الزيادة مما لا يحتملها المزارع، فهجروا كثيرًا من مزارعهم وخسرت البلد بذلك ثروة زراعية كانت أحق بها وأهلها.
ولقد زرت قلعة زبيد، وهي باقية شامخة ذات فناء واسع ترابي ذي ارتفاع وانخفاض محاط بسور ذي أبراج للحراسة، وعلى جنبات القلعة عند السور بيوت كانت معدة لإدارة القلعة ولمبيت الجنود، وفي القلعة متحف صغير فيه آثار نقبت عنها بعثة متحف «أونتاريو» الكندي الملكي، وهي بعثة من ثلاثة أفراد تنقب عن الآثار في تهامة منذ سنة 1402- 1982م، وهم يعملون كل سنة 3 أشهر تقريبًا في بداية السنة الميلادية، وربما كان ذلك لتجنب الحر ويعاونهم عمال يمنيون، وفي فناء القلعة حفريات أظهرت غرفًا عميقة دفنت على مر السنين، وكلها مبنية من الياجور كما ذكرت سابقًا، وأظهرت الحفريات قنوات تنقل المياه من خارج القلعة إلى داخلها.
وصليت في مسجد القلعة، وهو مسجد قديم لكن ساءني أنه مهمل جدًّا، وفيه نقوش تاريخية بديعة طمست بطلاء أبيض على وجه بدائي همجي، وفيه قبة بديعة منقوشة لكنها أيضًا مهملة على وجه عجيب، البعثة الكندية ترمم شيئًا من جوانب المسجد والقلعة لكن ببطء شديد والقلعة يرثى لحالها الآن، وفي القلعة بيت مدير مديرية زبيد وهو قديم بحاجة إلى ترميم أيضًا وعناية مكثفة.
مساكن بئيسة
ويكثر في أهل زبيد من هم من أصول إفريقية، ويسكنون في مساكن بئيسة هي أقرب إلى الخرائب منها إلى المساكن وأطفالهم هم تقريبًا أطفال الشوارع في زبيد.
وتنقطع الكهرباء عن البلدة مددًا متفاوتة في الليل والنهار، وهذا يضيف إلى متاعب الناس متاعب ومشاق، خاصة أن المناخ حار بل حار جدًّا في هذه الأيام ونحن في منتصف أكتوبر فكيف في أغسطس؟!!
والبلدة بها عدة أسواق عشوائية وسوق مركزية هي إلى العشوائية أقرب، والنظافة منها بمأمن وتناديها من مكان بعيد.
وكانت زبيد قبل ثورة 1382هـ / 1962م تحت حكم الأئمة الزيدية الذين عرفوا قدرها وأهميتها في تدريس الفقه الشافعي والحديث والعقيدة والأصول فضيقوا عليها وعلى أهلها للغاية، فلما قامت الثورة لم تنتعش زبيد كما كان يظن أهلها، وكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار!!
وفي كلمة موجزة عامة: زبيد بلدة في حالة يرثى لها، وهي بحاجة إلى عناية تعيد إليها شيئًا من مجدها القديم وسيادتها المفقودة.
بطاقة: حرفًا