تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

أيام في شمال المغرب

مدة القراءة التقريبية: 7 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

شددت الرحال إلى المغرب الأقصى لحضور مؤتمر "أثر المذهب المالكي في وحدة المغرب الإسلامي الكبير" الذي عقد في مدينة العيون في ربيع الآخر 1431/ مارس 2010، وسأتحدث عن المؤتمر ومدينة العيون في حلقة منفصلة بإذن الله تعالى بعنوان "أيام في العيون".

وصلت إلى المغرب قادماً من اسطنبول عاصمة العثمانيين الجدد الذين يُظهرون في هذه الأيام عزة وحكمة فقدت طويلاً في ذلك البلد العظيم، وحصل لزوجي في مطار اسطنبول حادثة أثرت في نفسيتها وأحزنتها ألا وهي سرقة حقيبة يدها؛ إذ فيها جهاز هاتفها الذي به معلومات وذكريات مهمة، وفيها طقم ذهب أهدتها إياه أخت لها في الله عزيزة عليها، وفيها بعض أغراضها الخاصة وتذكرت آنذاك عظمة التشريع الرباني في قطع يد السارق الذي يسطو على عواطف الناس قبل أن يسطو على أموالهم، ويسطو على علائق غالية عندهم قد تكون أغلى من الدنيا وما فيها، فما أعظم الإسلام وتشريعاته.

وصلت إلى الدار البيضاء ومنها شددت الرحال إلى تطوان في رحلة ليلية متعبة استغرقت أربع ساعات بل زادت على ذلك قليلاً، وفي الصباح أخذت فيما جئت من أجله من لقاء العلماء والفضلاء، وقد ساعدني في ذلك، وسهر على راحتي، واجتهد في إدخال السرور علي كل الاجتهاد الأخ في الله تعالى عبدالرحيم فِضال، وهو من أهل زاجورا في صحراء المغرب وسكن تطوان منذ مدة طويلة حتى صار من أهلها، ولا أملك إلا أن أسأل الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء، ويوفقه في تجارته وعمله، وأن يجعل ذلك كله لوجهه الكريم ولخير الإسلام والمسلمين.

وكان ممن سُعدت بلقائهم سعادة الدكتور طارق البردوني والدكتور محمد بورباب، وقد راجعنا معاً الاستعدادات لمؤتمر الإعجاز الذي سيعقد في تطوان إن شاء الله تعالى في شهر جمادى الآخرة 1431/ يونيو 2010، وقد أخذني الدكتور محمد بورباب في جولة في الشمال المغربي مررت فيها على حدود سبتة السليبة التي احتلها الإسبان منذ قرون وما زالت إلى اليوم في أيديهم هي ومدينة مِليلة وإنا لله وإنا إليه راجعون، وهناك قليل من المسلمين في العالم الإسلامي ممن يعرف هذه الحقيقة، وهذا من الضعف الثقافي المنتشر بين المسلمين، ولا أدري كيف يسوغ استمرار هذا الاحتلال في وقت سلّمت فيه كل قوى الاحتلال الصليـبي في العالم بحق الشعوب في الاستقلال وسُلم ما في أيديهم إلى الشعوب، وبقيت بعض البلاد دون استقلال ومنها تلك المدينتان العزيزتان سبتة وملِيلة.

ومَرّ بي على القصر الصغير وهي بلدة ساحلية مهمة أنشأ فيها المغرب ميناء ضخماً يُرجى معه أن يسحب البساط من تحت أرجل حكومة سبتة الاسبانية ويحاصر ميناءها ويضعفه اقتصادياً إن شاء الله تعالى.

ومن الفضلاء الذين اجتمعت بهم الأخ الفاضل الشيخ أحمد بوزيان عضو المجلس العلمي في تطوان الذي درس الشريعة ودرّسها حوالي ثلاثين سنة، وهو الآن متقاعد ومع هذا فقد عكف على دراسة علم الطب الأصيل -الذي يسمونه بديلاً- وهو الطب النبوي وطب الأعشاب وغير ذلك مدة ثمان سنوات حتى برع فيه، فصار يصف لي أنواع الأعشاب وفوائدها ببراعة، وأوقفني على أنواع منها زرعها في حديقته، وهو ممن يعنى بالطعام الصحي.

وحضرت في تطوان حفل عقد قران ابنة الأخ عبدالرحيم فضال وتحدثت فيها عن أهمية تيسير الزواج بنبذ العادات والتقاليد التي تقف حائلاً بين الشباب والزواج، واقترحت على الحاضرين عمل لجان في الأحياء لتيسير الزواج يقوم عليها وجهاء الحي وكباره.

وقد شرفت بالحديث مع طلاب معهد الإمام مالك الشرعي بحضور رئيسه الفاضل الشيخ العيّاشي، وكان مما نبهت عليه الطلاب أهميـة الإخلاص لطلبة العلم حتى لا يصيروا علماء سوء يباعون ويُشرون، وذكرت لهم أن طلب الشهرة وطلب المال والدنيا إذا استحوذت على طالب العلم فإنها تورده موارد الهلاك في الدنيا والآخرة.

وبينت للطلاب أن مهمتهم في المعهد هي إتقان الدراسة والتخطيط الجيد لمستقبلهم بعد التخرج، وأنه ينبغي أن يفكروا دائماً في كيفية خدمة دينهم وقومهم وبلادهم وأن يكونوا علماء مشاركين في إصلاح مجتمعاتهم والدعوة إلى الله تعالى.

ثم أجبت على أسئلة الطلاب، وبعد الفراغ دُرت في المعهد ووقفت على مكتبته، ثم غادرته فرحاً بلقاء الطلاب الذين أعدهم دائماً أدوات التغيير الحقيقية والقوية في أي مجتمع.

وشددت الرحال من تطوان إلى شفشاون وهي مدينة في حضن جبل لطيفة أنيقة، وأفطرت في بيت شيخها الشيخ علي الريسوني حفظه الله، في بيته الأثري القديم، وقد أراني مجمعاً لتحفيظ القرآن ملاصقاً لبيته بناه أحد المحسنين بإشراف الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم، وهو بناء ضخم سهل الله إتمامه.

وتجاذبت أطراف الحديث معه في عدة شؤون، منها أنه يريد أن يقيم مؤتمراً السنة الميلادية القادمة إن شاء الله تعالى بمناسبة مرور ثلاثة عشر قرناً على دخول المسلمين الأندلس ويُظهر فيه مدى استفادة أوروبا كلها من حضارة المسلمين وعلومهم وثقافتهم إضافة إلى استنارة أجزاء منها بنور الإسلام، وهي فكرة جليلة أسأل الله تعالى أن ييسر له من يعاونه لجعلها حقيقة واقعة.

ثم شددت الرحال بعد ساعة قضيتها معه إلى فاس لأجدد العهد بالشيخ الشاهد البوشيخي، وبالشيخ عبدالسلام الهراس حفظهما الله تعالى، وقد أوقفني الشيخ الشاهد على ما تخطط له مؤسسته من إقامة المؤتمر العالمي الأول لإظهار جهود خدمة القرآن الكريم، وذلك في سنة 1432 إن شاء الله تعالى وتناقشنا في بعض الأسماء المقترحة، ثم إنه -حفظه الله تعالى- أراني ما انتهى إليه مشروعه الضخم من جمع مائة تفسير للقرآن الكريم مع العناية بها من حيث اختيار الراجح وحذف المكرر من الألفاظ والمعاني إلى آخر جوانب ذلك المشروع الجليل، وفقه الله لإتمامه.

أما الجلوس بين يدي الشيخ الهرّاس فهو المتعة والفائدة، فالرجل جامع بين ثقافة المشرق والمغرب، فهو من العارفين بالمغرب وأهله، وهو أيضاً قد أقام في مصر ولبنان مدة طويلة مكنته من معرفة أحوال المشرق ورجاله، ولا يمل الجالس إليه من حديثه حفظه الله تعالى.

وبعد أن تغديت في بيت الشيخ الهراس -حفظه الله تعالى- شددت الرحال إلى الدار البيضاء، وتعشيت في منـزل الداعية الفاضل أبي زيد الإدريسي وكان معه النائب البرلماني الفاضل مصطفى الرميد وتجاذبنا أطراف الحديث في موضوعات عديدة، والجلوس مع الأخوين الفاضلين أُنس وبهجة لما لهما من طريقة جميلة في الحديث، ولما في جعبتهما من أخبار مهمة، ومن أهم ما حدثاني به هو أخبار الصحوة وأحداثها في المغرب العربي الكبير، وكيف جُوبه أهل الصحوة بقسوة اليساريين وعنفهم في الجامعات والطرقات، وحدثاني في هذا الباب حديثاً جليلاً مهماً عن بدايات ظهور الحجاب في الجامعات، وعن ظهور الصالحين من الشباب، وكل هذا سأودعه القسم الثاني من كتاب "ذكرياتي" إن شاء الله تعالى.

وقد بت ليلة في الدار البيضاء، ثم في اليوم التالي سُعدت جداً بمقابلة الشيخ الفاضل محمد زُحل وهو أحد الثلاثة الذين أسسوا حركة الشبيبة الإسلامية في أواخر الثمانينات الهجرية/ الستينات الميلادية مع الأستاذ عبدالكريم مطيع، وقد حدثني حديثاً طويلاً مهماً سأودعه إن شاء الله تعالى في القسم الثاني من كتابي "ذكرياتي"، وقد أعجبني سمته وهديه فوفقه الله تعالى.

ثم سعدت بزيارة الشيخ عمر محسن إمام مسجد الملك عبدالله بن عبدالعزيز في الدار البيضاء، وهو رجل سمح حسن المَلْقى، لطيف العبارة، متأدب، متجمل لضيوفه لكني لم أطل الجلوس معه لارتباطي بموعد غداء عند الأستاذ محمد الموساوي صاحب مكتبة دار الحكمة في الدار البيضاء، وهو رجل فاضل ذو خلق حسن وطبع لين فجزاه الله خيراً، ومن بيته توجهت إلى المطار حيث شددت الرحال إلى مدينة العيون للمشاركة في مؤتمر "دور المذهب المالكي في وحدة المغرب الإسلامي الكبير"، وللحديث عن العيون وما جرى لي فيها حلقة أخرى، وبالله التوفيق.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080