أيام في طشقند وسمرقند وبخارى (6/6)
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
ركبت القطار من بخارى إلى طشقند في رحلة ليلية بقطار ذي سرر، وقد استغرقت الرحلة إحدى عشرة ساعة تقريباً، فلما وصلنا طشقند أخذنا إلى الفندق، ثم بعد استراحة قصيرة ذهبنا إلى السوق، ثم زرنا الإدارة الدينية لمسلمي أوزبكستان وفيها المصحف الإمام العثماني مكتوب على جلد غزال بخط قديم، يخلو من النقط والشكل ويصعب علينا ـ أهل هذا الزمان ـ قراءته، وقد حفظوه في بللور حتى لا تبليه الأيدي اللامسة.
ثم ذهبنا نسلم السلام الشرعي على الإمام القفال الشاشي الكبير ـ وهو فقيه شافعي مشهور ـ المتوفى سنة 366 رحمه الله تعالى، وهو مدفون في ضريح بجوار مبنى الإدارة الدينية، وتحفه قبور عديدة منها قبر مفتي أوزبكستان السابق إيشان بابا خان وابنه المفتي أيضاً ضياء الدين بابا خان، ومن هناك ركبنا الحافلة وذهبنا إلى مدرسة "كوكالداس" أي التوأمين، وهي مدرسة قديمة بنيت منذ أربعة قرون، وهناك جُلنا في فصول المدرسة، وسمعنا من بعض الطلاب قراءة جيدة متقنة للقرآن الكريم، وهذا الإتقان غريب على الأعاجم دال على جودة مدرسهم وحسن تلقيهم، ثم أهديت لنا بعض الكتب المهمة.
وخرجنا من المدرسة إلى جامع كبير مجاور، قد غص بآلاف الناس في داخله وخارجه، وكانوا قد أفسحوا لنا فيه مكاناً كبيراً في الصف الأول يتسع لنا ـ وكنا قرابة عشرين من الباحثين والمنظمين للمؤتمر ـ ودخلنا المسجد وواعظ يعظ الناس قبل الجمعة، وهذه عادتهم، لأن الخطبة يشترطونها بالعربية، وجمهور الناس الأعظم لا يفهمها، فلذلك يعظ الناس واعظ قبل الصلاة، ووعظه طويل، ثم لما جئنا أكمل وعظه، ثم وعظهم مدير المدرسة التي كنا فيها "كوكالداس"، ثم أذن المؤذن فقام المصلون ليصلوا أربع ركعات على طريقة الحنفية، ثم قام الخطيب فسلم فأذن المؤذن أذاناً آخر، ثم خطب الخطيب ـ وكان هو مدير المدرسة أيضاً ـ خطبتين قصيرتين جداً لم يكن في الأخرى منهما الأمر بتقوى الله والدعاء وإنما اقتصرت على حمد الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أقيمت الصلاة، وبعد الصلاة قاموا مباشرة لصلاة أربع ركعات ثم أخذوا في أورادهم ثم قرئ القرآن ثم دعوا وانصرفنا إلى الفندق لتناول طعام الغداء.
ثم لم يدعونا نستريح قليلاً، فقد أُخذنا إلى جامعة طشقند الإسلامية التي أنشئت سنة 1999، فجلنا في فصولها وولجنا مكتبتها، ثم جمعنا بأعضاء هيئة التدريس مع الطلاب والطالبات، والقاعة الكبيرة غاصة بنا، وبدأ الكلام مدير الجامعة مرحباً بنا، ثم قام طالبان يرحبان ويصفان طريقة الدراسة في الجامعة، ثم قامت طالبة محجبة ـ جزاها الله خيراً ـ وتكلمت لكنها تلعثمت ونست فجلست، وتحدث الدكتور عبد الإله بن عرفة مندوب الإيسيسكو، وتحدث الدكتور صالح بادحدح، ثم تحدث الدكتور مصطفى أوزجان التركي ـ وقد ذكرته في حلقة سابقة ـ وأخبر الطلاب أنه من قرية تركية بناها دروسين أوزبكي، وبكى حين قال ذلك، ثم إنه حمد الله تعالى على أننا نتكلم مع الطلاب بالعربية والطلاب يفهمون، وكان حديثه عاطفياً مؤثراً.
ثم إني طلبت أن أتكلم؛ وذلك لأني رأيت أن كل الأستاذات من أعضاء هيئة التدريس والإدارة غير محجبات سوى واحدة، وأن الكثرة الكاثرة من الطالبات غير محجبات أيضاً، فهالني ذلك ولم أطق الصبر عليه، وذلك لأنهن في جامعة إسلامية فإن لم يتحجبن فمن سيفعل إذاً؟ وهنا تنازعني أمران: هل أتحدث منكراً عليهن وفي ذلك مشقة على نفوسهن أمام هذا الحشد الكبير من الأساتذة والإداريين والطلاب والباحثين أعضاء المؤتمر؟ أو أسكت مراعاة لسنة التدرج وأن هؤلاء النسوة والفتيات حديثو عهد بالإسلام؟ ودعوت الله أن يرشدني إلى الصواب ثم لم أطق أن يكون هذا المنكر ولا ينكر أحد، وربما لا أعود إليهن، وخفت من الله تعالى أن يؤاخذني أن أسكت فطلبت الإذن بالحديث وأُعطيته، فكان مما قلته إنني سعيد جداً لأني في هذه الديار: ديار الإسلام قروناً متطاولة، وأنني لم يكن يدور بخلدي أبداً أن آتي إلى هذه البلاد، وهذا من نعمة الله تعالى، ثم بينت لهم أنهم كنـز وثروة، ليس لقومهم فحسب بل للعالم الإسلامي كله، وأنهيت كلمتي بنصيحة وجهتها للأستاذات والإداريات والطالبات، وهي أنكن لابد لكن من لبس الحجاب، فكيف لا تلبسونه وأنتن في جامعة إسلامية؟! وقلت لهن: إن الحجاب شرف وعز لكنّ، وأنكن أيتها الأستاذات قدوة فماذا تُعلمن إن لم تُعلمن الحجاب؟ وأنتن أيتها الطالبات لابد لكن من لبس الحجاب عن قناعة وافتخار، ثم بينت لهن أن هذه النصيحة ليست للتعيير لكنها من باب الخوف عليهن وأداء الحق الواجب لهن.
ثم بانتهاء كلمتي انتهت الجلسة، فلما خرجنا قال لي بعض من أحب: قد أحرجت مدير الجامعة جداً فلم يكن ينبغي لك أن تقول هذا، فبينت له ما ذهبت إليه من سبب ترجيح أني أتحدث ولا أسكت، ولا أدري هل اقتنع أو لا؟ لكني شعرت بارتياح كبير بعد الحديث والإنكار، وشعرت أني أتيت الأمر الصواب، وقد صوب ما صنعت جماعة ممن كان معي من الباحثين، والله أعلم.
وكثيراً ما أقع في الحيرة في مثل هذه الأحوال ولا يترجح عندي هل أسكت مداراة وتمهيداً وتدرجاً بالمدعو أو أنكر تغليباً بجانب وسائل التربية بالموقف والحدث الآني، لأني ربما لن أشاهد المنكر عليه مرة أخرى، وغالباً ما أقع في هذه الحيرة في مثل تلك البلاد التي ابتعدت عن إسلامها دهراً طويلاً، فاللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه، واللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
ثم بعد خروجنا من الجامعة أخذونا إلى متحف تيمورلنك، وهو السلطان الذي يعظمه أهل أوزبكستان تعظيماً بالغاً الغاية، ويسمون أبنائهم باسمه، وينشرون آثاره في كل مكان، وهذا منهم عجيب، إذ هو محتل لبلادهم، وهو من جنس غير جنسهم فهو مغولي وهم أتراك، ولم أر أحداً من الناس يحتفل بهازمه إلا هؤلاء ومدعي التنوير في مصر الذين احتفلوا بانقضاء مائتي سنة على الحملة الفرنسية على مصر، وهي الفضيحة التي ليس بعدها فضيحة، فإن الشعوب والأقوام لم تزل تحتفل بالجلاء والاستقلال لا بالذل والهوان والاستخراب، لكن ما الحيلة مع هؤلاء "التنويريين الجدد" الذين فاقت عمالتهم كل عمالة، وغاصوا في مستنقع الهوان والذل والتبعية لأسيادهم؟!
والمتحف بني سنة 1416/1996 على هيئة حديثه بديعة، وهو ذو قبة لم أر مثلها في حياتي على كثرة ما رأيت من قباب في أماكن كثيرة من الدنيا، وقد وضع في المتحف متعلقات تيمورلنك وصور متخيلة له ولأبنائه الكثيرين.
ثم غادرنا المتحف إلى الفندق لنجد المفتي هناك، ودعانا لتناول طعام العشاء، ووزع علينا الهدايا، ورحب بنا أجمل ترحيب فجزاه الله خيراً.
وفي الصباح الباكر قبل الفجر ذهبنا إلى المطار لنركب الطائرة التي أقلتنا إلى اسطنبول، ووصلنا في الساعة العاشرة صباحاً إلى مطارها، ولقد علمت قبل الذهاب إلى أوزبكستان أن هناك ملتقى للقدس دولياً سيعقد في اسطنبول، وأنني سأدرك اليوم الأخير منه، فلما خرجت من المطار قصدته فإذا به ملتقى ضخم حاولت الصحافة التركية العلمانية التخويف منه حتى قالت: إن "حماس" وحزب الله في اسطنبول!! والمؤتمر يضم أصنافاً شتى من الناس، وهيئات وجماعات متنوعة، وبشرني أحد الإخوة الإعلاميين بأن هناك قناة فضائية ستنطلق قريباً باسم قناة القدس، ولله الحمد.
وليس لي اعتراض على مبدأ إقامة المؤتمرات لكن إن كانت منتجة، وأخشى من هذه المؤتمرات أن تكون مرجوحة، فقد عقد المؤتمر الأول للقدس سنة 1931 في القدس وحضره جماعة كبيرة من العلماء والمفكرين منهم الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، فتلك ست وسبعون سنة منذ إقامة المؤتمر الأول، ومنذ ذلك المؤتمر عقدت مؤتمرات لأجل القدس يصعب حصرها فماذا قدمت، وما هي آثارها في الواقع؟ نعم إن إقامة مؤتمر للقدس في اسطنبول هو حدث مهم وله مدلولات حسنة عديدة لكني أتحدث عن المؤتمر من حيث انعقاده ونتائجه، وهذا ـ للأسف ـ لم أجده في الكثرة الكاثرة من المؤتمرات التي تقام باسم فلسطين، والله أعلم.
هذا وقد لقيت في اسطنبول الأستاذ العراقي التركي أورخان محمد علي، وهو الآن في عشر الثمانين، وله كتب كثيرة ومقالات عديدة، وقد تخصص في التاريخ العثماني على أنه مهندس، وقد أهداني بعض كتبه ومقالاته.
والمؤتمر أقيم قرب مسجد سلطان أيوب، أي المسجد المقام قرب قبر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فصليت العصر في المسجد، ثم خرجت منه لأسلم السلام الشرعي على سيدنا خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وكم من الذكريات مرت في خاطري ـ وأنا هناك ـ عن الجهاد والبطولة والتضحية والفداء، نعم فقد كان ـ رضي الله عنه ـ جندياً في أول جيش إسلامي غزا القسطنطينية تحت إمرة يزيد بن معاوية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له"، وقد طلب من يزيد أن يدفنه إذا مات في أقرب مكان مما يلي العدو، فعن أبي ظبيان قال: "أغزى أبو أيوب فمرض فقال: إذا قُبضت فلتُركب الخيل، ثم سيروا حتى تلقوا العدو فيردوكم، فاحفروا لي وادفنوني ثم سوُّوه، فلتطأ الخيل والرجال عليه حتى لا يُعرف" لكن قبره عُرف رضي الله عنه ويزار اليوم.
هذا بعض ما علق في ذاكرتي عن تلك الأيام، وعسى ألا يكون حظي منها التعب والأسقام، وأسأله تعالى أن يثيبني عليها وعلى أخواتها ما هو المأمول من الأجر والمثوبة، في دار النعيم المقيم بجوار أشرف المرسلين عليه أفضل الصلوات والتسليم.
بطاقة: حرفًا