أيام في قازان /1
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
شددت الرحال إلى قازان في شوال سنة 1429، أكتوبر 2008، وذلك للمشاركة في مؤتمر: "علماء التتار في تاريخ الحضارة الإسلامية"، حيث ألقيت بحثاً عن المدن التتارية التاريخية، ولا أكتمكم القول أني لم أكن أعلم شيئاً عن قازان ولا جمهورية تترستان قبل ذلك، لكني لما عكفت على إعداد البحث تبين لي جهلي الفاضح بتاريخ تلك البلاد، هذا وأزعم أني مهتم بالتاريخ، فما هو حال سائر المسلمين إذن؟ وكان القدوم على قازان هو القدوم الأول لي، وأسأله تعالى ألا يجعله الأخير، وقد رأيت أن قازان -حقاً- هي عاصمة المسلمين في روسيا كلها، وهي صالحة لهذا بما لها من تاريخ، وما لها من مكانة كبيرة في هذا الزمان بين مسلمي روسيا والقوقاز والتركستان.
وقازان هي عاصمة جمهورية تترستان، وهذه الجمهورية جزء من الاتحاد الروسي، وقد أعلنت استقلالها بعد ما هلك الاتحاد السوفيتي، سنة 1411/1991، وفي هذا تفصيل سأذكره في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى، لكن الروس أقنعوا مسؤولي الجمهورية بالبقاء في الاتحاد الروسي سنة 1994، فعادوا ورضوا بالفيدرالية وشيء من الحكم الذاتي، وذلك لعدة أسباب منها أن تترستان لا تطل على بحر، وهي محاطة بسبع وحدات إدارية روسية، واستقلالها صعب في ظل هذه الأحوال، وهي جمهورية غنية فيها النفط والغاز، وكان أهل البلاد يحصلون على 10% من دخل نفطهم لما كانوا تحت الاتحاد السوفيتي، لكنهم الآن يحصلون على 50% تقريباً، وناتجهم النفطي السنوي قرابة خمسة وعشرين مليون طن، وفي البلاد ثروات زراعية ومعدنية، وفيها صناعات خفيفة وثقيلة، وفيها ماشية ونحل، وفيها صناعات بتروكيميائية.
ويعبر بجمهورية تتارستان نهر الفولجا، وهو أطول أنهار أوروبا فطوله يبلغ 3688 كيلاً، وينبع من شمال غرب روسيا ويمر بعدة مدن منها قازان، وفولغاغراد -ستالينجراد سابقاً- واستراخان ويصب في شمال بحر قزوين -بحر الخَزَر قديماً- ويعرف النهر في المصادر القديمة بنهر إتل.
وسكان جمهورية تترستان أربعة ملايين وثلاثمائة ألف نسمة تقريباً، 53% منهم تقريباً مسلمون، وأربعون بالمائة من الروس، وثلاثة بالمائة تقريباً من القومية التشوفاسية، وهؤلاء والروس نصارى أرثوذكس.
ويلتقي في تترستان نهرا فولغا وكاما، ويحد هذه الجمهورية جمهورية بشكيريا الإسلامية من الشرق، وسبع جمهوريات ووحدات روسية من الجهات الأخرى، ومساحة تترستان 67836كم2 فهي جمهورية صغيرة نسبياً تقدر بثلاثة أرباع مساحة الأردن.
ويتكلم أهلها باللغة التتارية والروسية، أما التتارية فثلاثون بالمائة من مفرداتهها عربية وفيها كلمات فارسية وتركية كثيرة جداً، وكانت تكتب بالحروف العربية إلى سنة 1929، ثم غيرت الكتابة فصارت بالأحرف اللاتينية حتى سنة 1939 ثم كتبت بالسُلافية السيريلية منذ ذلك التاريخ إلى الآن، وقضية تغيير الأحرف العربية هي قضية محزنة، وذلك لأن التتر كتبوا بها ألف سنة كاملة، فأن تُغَيَّر هذه الأحرف فهذه مأساة لأن الجيل الجديد الناشئ زمان التغيير قطعت صلته تماماً بتراثه فما صار يفقه منه شيئاً بل صار كأنه مكتوب بلغة أجنبية، وهذه الكارثة تكررت في عدة بلاد إسلامية مثل ماليزيا وأندونيسيا وتركيا والبلقان الإسلامي وكثير من دول إفريقيا.
ولا أعلم أن هنالك أخبث ولا أسوأ من هذا التغيير في الجانب الثقافي وما يتبع ذلك من تجهيل ديني وفكري، وتاريخي يتمثل في قطع صلة الأجيال بتراثها تماماً وتحويله إلى ركام لا يكاد يستفيد منه أحد، وفي تترستان اليوم حركة ناشطة لنشر الكتب القديمة التي كتبت بأحرف عربية وطباعتها بالأحرف السُلافية التي يفهمها السكان، وهذا -على كل حال- أجود من إهمالها وتركها في المتاحف لا يفهمها ولا يقرأها إلا النادر من المختصين.
أما العاصمة قازان -والتي بقيت فيها بضعة أيام- فهي إحدى أقدم مدن روسيا، وهي تقع على نهر الفولجا عند نقطة التقاء أوروبا الشرقية بآسيا، وقد احتفل التتار بمضي ألف سنة على إنشائها سنة 2005، وللاحتفال قصة طريفة، فقد اجتمع مجلس الدوما في قازان سنة 1894 وناقشوا قضية الاحتفال بمرور 500 سنة على إنشاء المدينة، وكان حسابهم الخاطئ هذا مبنياً على بداية ذكرها في المصادر الروسية القديمة، وبعد ثمانين سنة من ذلك التاريخ اجتمع علماء ومثقفون ومسؤولون محليون وطلبوا من موسكو الاحتفال بمرور ثمانمائة سنة على إنشاء قازان بناء على معلومات عثروا عليها -فيما يبدو- لكن موسكو لم توافق بدعوى أن تاريخ المدينة ليس عليه دلائل قوية، وفي سنة 1997 بحث عدة خبراء من تتارستان ومن جمهوريات روسية ومن الخارج تاريخ المدينة باستفاضة وبفحص آثار تاريخية معمارية، ومخطوطات قديمة، وصُدقت بحوثهم من مصادر مستقلة، وحلل ذلك كله في مؤتمرات وندوات، وعقد مؤتمر جامع في سنة 1999 بحضور مائة وخمسين عالماً ليقرروا أن الاحتفال بمرور ألف سنة على إنشاء قازان ينبغي أن يكون في السنوات الأولى من العقد الأول لسنة 2000، وتقرر بعد ذلك أن الاحتفال بمرور ألف سنة سيكون في عام 2005، وحصل هذا، واحتفل القوم بمدينتهم، وافتتحوا بمناسبة الاحتفال جامع قُل شريف التاريخي الذي سآتي على ذكره في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.
وقازان بها مليون ومائتا ألف نسمة، 41% منهم أقل من ثلاثين سنة، وبها أكثر من مائة جنسية واثنين وعشرين مجتمعاً ثقافياً، وبها أكثر من مائة وأربعين مؤسسة ضخمة، وسبعون ألف مؤسسة متوسطة وصغيرة، والمدينة تحوي شبكة طرق وقطارات تعد موصلة للشرق بالغرب، وتعد المدينة -حقاً- جامعة لملامح حضارتي الشرق والغرب، وفيها 759 أثراً تاريخياً، 113 منها ذو أهمية فيدرالية، و329 ذو أهمية لجمهورية تترستان، و317 ذو أهمية محلية، وبعض تلك الآثار يعود للقرن السادس عشر مثل كرملين قازان الذي صنف سنة 2000 من اليونسكو على أنه تراث عالمي، وقازان وموسكو وسان بطرسبورغ صنفت في الدرجة الأولى عالمياً من حيث الأهمية الثقافية والتراثية.
وصيف جمهورية تترستان معتدل جداً فدرجات الحرارة بين العشرين والثلاثين، لكن شتاءها قارس فالثلج يسقط بغزارة ودرجات الحرارة تتدنى لتكون قرابة الثلاثين تحت الصفر أو تزيد، وأرى -والله أعلم- أن المسلمين ينبغي أن يزوروا المنطقة في فصل الصيف، خاصة أهل الخليج، فهي منطقة جميلة ومناخها معتدل في الصيف، وزيارة العرب خاصة لهذه المنطقة فيه تذكير بالأخوة الإسلامية وترسيخ للحجاب بين نساء البلد إذا شاهدن العربيات بحجابهن، وفيه انتعاش اقتصادي لأهل البلد، وهو -إن صحت النية- عبادة يؤجر عليها فاعلها إن شاء الله تعالى، أوليس ذلك بأحسن من الذهاب إلى بلاد الغرب، وإنفاق البلايين فيها كل عام، ويضيّع كثير من المسلمين فيها الصلاة، وتترك نسوة كثيرات الحجاب خجلاً أو عصياناً -والعياذ بالله- بلى فيا ليت قومي يعلمون.
ومن غرائب الأخبار التاريخية التي اتفق حصولها لي في المؤتمر أني قابلت في ردهاته شاباً أبيض أشقر غزير اللحية بهيَّ الطلعة مهيبها -كهيئة الترك القدامى وهيبتهم- فبادرني بالسلام والكلام، وذكر لي بأنه من جمهورية مردوفيا، فلما رأى جهلي بها حدثني عنها فأخبرني أنها جمهورية تتبع الاتحاد الروسي فيدرالياً، وأن سكانها قرابة تسعمائة ألف، وعاصمتها تدعى سارانسك، وتبعد حوالي 400كيل عن قازان، وسكانها قرابة أربعمائة ألف، والمسلمون في الجمهورية عشرة بالمائة أكثرهم تتار وفيهم شيشانيون وداغستانيون وتركستانيون، وفي العاصمة مدرسة للإمام أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- والقوم على مذهبه، وفيها أيضاً ثلاثة مساجد ويبنى فيها الآن مسجد رابع، ومحدثي يسكن في قرية تدعى بلازيريا وفيها مسجد، واسم هذا الأخ عبدالكريم عبدالرشيدوف على عادة أهل تلك البلاد في إضافة أوف إلى الاسم ليصير اسماً للعائلة، فلما حدثني بما حدثني به خجلت من نفسي والله، إذ لم أسمع بهم قط، ولم أعرف أن لي إخواناً مسلمين -هم قرابة مائة ألف- في جمهورية لم أسمع باسمها قط، فاللهم غُفْراً، فإن هذا يحصل لي وأنا مهتم بالتاريخ ومحب له بل عاشق فما هو حال أكثر المسلمين الذين يكادون لا يقرأون؟!
وروسيا أكبر بلد في العالم مساحة، وبها مسلمون كثر أكثرهم قد طُوِيَ ذكرهم، وأُغلق سجلهم، فهل من ناشر لهذا الذكر، فاتحٍ لهذا السجل؟!
بطاقة: حرفًا