تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

حوار حول دراسة إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي.. مفاهيم خاطئة.. وتجنيات على التاريخ الإسلامي

مدة القراءة التقريبية: 8 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

في الأمة اليوم عدد هائل من الأميين والجهال والمتعلمين ذوي الثقافة الضحلة فهل يقال: إن الحاكم يجب أن يستشير أولئك؟!

الأمم أجمعت على أن القرارات لا يصدرها إلا صفوة: الحاكم ومن معه من رجال سواء أكانوا بطانة خاصة أم مجلس شيوخ (شورى ) أم برلمان

هل يوكل إصدار القرارات المهمة إلى عامة الأمة ومعظمهم لا يكاد يفقه في الشأن العام والسياسة والثقافة وعلوم الاجتماع والعمران ما يؤهلهم للمشاركة في إصدار القرارات؟!

الفكر السياسي الإسلامي أبرز نظرية أهل الحل والعقد الرائعة التي لم يؤخذ بها في أغلب عصور التاريخ الإسلامي.. وهي صالحة للعمل بها اليوم

صفوة الأمم القادرة على المشاركة في اتخاذ القرار ونقد الحكام والقيام على شؤون الأمة هي دائما قلة قليلة

قرأت ما خطه الأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان – وفقه الله ونفع به – في مقالاته الموسومة بـ«إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي»، وقد وجدت فيها كثيرا من الحق وبعض النقائص التي أود أن أبينها للقراء من باب النصيحة التي أمرنا بها. أما ما رأيته في مقاله من حق، وهو كثير فإنه يتلخص في التالي:

  1. أن الأمة بعد الخلفاء الراشدين لم تتمتع بنظام سياسي إسلامي مبني على الشورى التي كانت ظاهرة واضحة في الصدر الأول زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، وأن هذه هي القاعدة، وما سوى ذلك استثناء.

  2. أن الظلم والاستبداد صبغا الحياة السياسية الإسلامية في جل مددها، وأن ذلك أصبح هو الأصل، وما سواه هو الاستثناء وإن كان الأستاذ قد بالغ بعض الشيء وقسا على تاريخنا نوع قسوة بعبارات شديدة لم تكن لتعبر عن واقع خالط فيه الظلم شيء من العدل والرجوع إلى الحق).

  3. ذكر أن توعية الأمة بحقوقها، والاهتمام بالتربية الأسرية، وبناء المؤسسات التربوية والتعليمية والدعوية كل ذلك كفيل بحفظ الحقوق وضبط الأنظمة وإقامة العدل.

  4. فرق بوضوح جيد بين النظام الديمقراطي العلماني والنظام السياسي الإسلامي الشوري، وهذه التفرقة مهمة في زمن نادى فيه كثير من صفوة الأمة بوجوب الأخذ بالديمقراطية الغربية بإطلاق عجيب دون وعي بخطرها أو تنبه آثارها، وهذا مقام يطول الحديث عنه والمقام مقام إيجاز وإشارة لا تفصيل وتطويل.

مفاهيم خاطئة

ومما جاء في مقالته من نقائص – فيما أرى، والله أعلم - يتلخص في التالي: أولا: من حيث التصور العام للأستاذ ذلك الدكتور حول الأمة والمفاهيم التي ساقها، فإنه كان يؤكد مشاركة كل الأمة في صنع القرار، وزعم أن ذلك من الإسلام، ولا أرى والله أعلم - فإن في الأمة اليوم عدداً هائلاً من الأميين والجهال والعمال والفلاحين وكثيرا جدا من المتعلمين ذوي الثقافة الضحلة والفهوم الخاطئة، فهل يقال إن الحاكم يجب أن يختاره أولئك؟ وهل يقال بعد هذا: إن على الحاكم أن يستشير أولئك؟ إن الفكر السياسي الإسلامي أبرز نظرية أهل الحل والعقد الرائعة التي لم يؤخذ بها في أغلب عصور التاريخ الإسلامي، وهي

التي أراها صالحة للعمل بها اليوم، وقد أخذت بها أنظمة فسعدت، ومن ذلك النظام التركي، فإنه يختار الرئيس باقتراع البرلمان الذي يمكن أن يحل محل أهل الحل والعقد لو أحسن ضبط انتخابه، ومن ذلك أهل الصومال الذين انتخبوا رئيسهم في البرلمان كذلك، وهذا هو الذي أراه أقرب لقواعد الإسلام وأنسب لأهل هذا الزمان الذين يغلب عليهم الضعف والجهل وقلة الثقافة. وقد عاب الأستاذ حفظه الله تعالى ووفقه – على العلماء أنهم يعدون الجماهير المسلمة من الذين لا يعلمون ولا يفقهون، ولا أدري ما وجه العيب في ذلك؟ وهل عموم الجماهير إلا غوغاء والقلة منهم هم صفوة الأمة ومقدموها؟ وهل الناس إلا هكذا سواء في أمة الإسلام أو غيرها من الأمم؟ فليس في هذا قصور في الفهم، ولا خطأ في التقدير، فإن صفوة الأمم القادرة على المشاركة في اتخاذ القرار ونقد الحكام والقيام على شؤون الأمة هي دائماً قلة قليلة، والاستثناء في ذلك كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين وصدر دولة بني أمية، وما ذلك إلا لأثر التربية النبوية الجليلة واستفادة أكثر الناس منها وانعكاس بركتها عليهم، فإذا عرف هذا تبين لنا أن قول الأستاذ الآتي فيه شيء من مجانبة الصواب حين قال: «مهما اتسع علم الفنيين الاختصاصيين من العلماء الأكاديميين في الشأن الديني أو الاجتماعي أو التقني فدورهم في مجال إصدار القرار السياسي للأمة لا يتجاوز الرأي والمشورة والتنفيذ، وليس من حقهم إصدار هذا القرار الذي هو من شأن الأمة وحدها، ودعوى قصور وعي الناس وجهلهم التي يدعيها رجال السلطة وأعوانهم هي دعوة فاسدة»، إلى آخر ما قاله غفر الله له، وهو عجيب فالأمم قد أجمعت منذ نشأتها إلى اليوم أن القرارات لا يصدرها إلا صفوة الحاكم ومن معه من رجال سواء أكانوا بطانة خاصة أم مجلس شيوخ (شورى) أم برلمان أم مجلس شعب، وهل يوكل إصدار القرارات المهمة إلى عامة الأمة والأغلب الأعظم من جمهورها لا يكاد يفقه في الشأن العام والسياسة والثقافة وعلوم الاجتماع والعمران ما يؤهلهم للمشاركة في إصدار القرارات؟!

قدوة للعالمين

ومثل هذا المجلس – أعني مجلس أهل الحل والعقد، أو ما يقوم مقامه - قدوة للعالمين من غير المسلمين الذين يتخبطون في مجالس يأتيها أهل النفوذ المالي والسياسي الإعلامي، ولا يمثلون – على الحقيقة الشعوب التي اختارتهم، وليس أدل على ذلك من الفساد والتخبط الفكري والتشريعي الذي نراه في تلك المجالس الفاسدة وضعا ونظام انتخاب، وذلك نحو إباحة زواج الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وتشريع الظلم المالي والاجتماعي والسياسي بل تقنينه، والسماح للحكومات بغزو الشعوب الآمنة وإنزال أعظم أنواع الظلم بها، كما شاهدنا ذلك في العراق وأفغانستان، والميل كل الميل لدولة الصهاينة ومساعدتها في ظلمها بالوسائل الباطلة فهل هذه البرلمانات تمثل شعوبا حرة منصفة عاقلة؟

إننا – معشر المسلمين – لم نر من مجلس الشيوخ الأمريكي ومجلس النواب ومن البرلمان الفرنسي، والبرلمان الإنجليزي وما شابهها إلا كثيرًا من الظلم والتعدي على حقوقنا واستضعافنا وسرقة ثرواتنا واحتلال بلادنا وتقنين كل ذلك، فأين أولئك من مجلس حل وعقد يضم خيرة الأمة وصفوتها لا يظلم ولا يحيف، ولا يضل في مجموعه ولا يطغى؟

تعميم الأحكام

ثانياً: لقد عمم الأستاذ الحكم على علماء المسلمين، واتهمهم بمحدودية الفكر، والتقليد والمحاكاة، وحصر فكرهم في الجانب الشكلي الفردي والشخصي، وأنهم قفلوا باب الاجتهاد، ولم ينج أحد منهم عنده إلا ابن حزم وابن رشد وابن خلدون، وهذا أدى عنده إلى تهميش أثر الدين، وتوظيفه في خدمة العصبة الحاكمة.

وأرى – والله أعلم أن الأستاذ جانبه الصواب فيما قاله، فدعوى قفل باب الاجتهاد لم تظهر إلا في القرن السابع الهجري عندما نادى بها العالم المشهور ابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣هـ يرحمه الله تعالى صاحب المقدمة المشهور في علم الحديث النبوي الشريف، وإن أعجب فعجبي يدور حول نسيان الأستاذ مجموعة من العلماء العظماء على مدار التاريخ، ولم يذكر منهم إلا أولئك الثلاثة، فأين عظماء الملة ومقدمو الأمة من العالم الكبير رجاء بن حيوه الذي أتى بعمر بن عبدالعزيز وبذل جهودا كبيرة لتثبيته وتجديد النظام السياسي الإسلامي على يديه الكريمتين يرحمه الله تعالى؟ وأين هو من الإمام الكبير أحمد بن حنبل الذي وقف في وجه ثلاثة من خلفاء بني عباس الأقوياء حتى أعاد الأمة إلى الجادة في باب القرآن العظيم وكونه كلام الله تعالى غير مخلوق؟ وأين هو من الإمام الكبير الضخم بائع الأمراء وسلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الذي ضبط مسار الأمة الفكري والسياسي بقلمه وعمله، أما قلمه فبتسطير كتابه الفذ قواعد الأحكام، وأما عمله فوقوفه القوي الجليل في وجه أمراء الشام ومصر في مشاهد رائعة، ورده المظالم وتقويمه المسيرة، وكذلك في مشاركته الفعلية في معركة «المنصورة» مع الصليبيين، ومشاركته القوية في معركة عين جالوت ضد التتار يوم أدخله المماليك المجلس الحربي في القاهرة المحروسة، وكان له أعظم الأثر في كف يد المماليك عن أموال المصريين وتشجيعهم على دخول معركة التتار الفاصلة، وإقسامه لهم على النصر والتمكين في ملحمة خالدة جليلة؟

فقیه سیاسي

وأين هو من شيخ الإسلام وركن الأنام تقي الدين ابن تيمية الذي كتب كثيرًا في الفقه السياسي والاقتصادي والاجتماعي وشارك بنفسه في ردع الحكام الظلمة وشارك بنفسه في معركة التتار في الشام سنة ٧٠٢هـ؟

فهذه نماذج من علماء لم يذكرهم الأستاذ كان لهم قصب السبق في المشاركة الاجتماعية والسياسية، أما من لم يقلد من العلماء فهم جم غفير أكثر من أن يحصيهم البشر، فالتقليد لم يظهر على صورته التي عرف بها إلا في القرن السابع الهجري وما بعده، ثم من قال: إن ابن حزم همش وهو الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وكذلك ابن خلدون الذي كان قاضيا مالكيا في الإسكندرية ولم يذكر التاريخ أنه همش أما ابن رشد فحالة فردية لتلبسه ببعض نظريات الفلسفة الموغلة في الأخذ بعلم الكلام اليوناني، أما ما عدا ذلك فقوبلت كتبه الفقهية بالاحترام والاستفادة إلى يوم الناس هذا.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080