تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

د. محمد بن موسى الشريف يكتب لـ«المجتمع» من قرغيزستان: مبادرة «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» لوقف الحرب الأهلية

مدة القراءة التقريبية: 9 دقائق

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال

جددت العهد بـ «قرغيزستان»، بعد انقطاع طويل قارب ثمانية أعوام؛ حيث دعيت لأكون في وفد «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» الذاهب للإصلاح بين «القرغيز» و«الأوزبك»، في الفتنة التي جرت بينهما في جمادى الآخرة ١٤٣١هـ «يونيو ۲۰۱۰م».. ورأس الوفد «د. علي القره داغي» الأمين العام للاتحاد، والمتحدث الرسمي للوفد في الاجتماعات الرسمية، وكان فيه الشيخ «حمدي أرسلان» من تركيا، والشيخ «مصطفى عفيفي» عميد كلية الدعوة بجامعة الأزهر من مصر، والشيخ «مصطفى الصيرفي» وهو سوري قطري، والشيخ «محمد ياسر المسدي» وهو سوري يعيش في السعودية، وكاتب هذه السطور.

أما سبب الفتنة وتفصيل ما جرى، فسأكتفي فيه بما ورد في تقرير «د. فاطمة المنوفي»، المنشور في «المجتمع» في العدد قبل الماضي (۱۹۱۰)؛ ففيه غنية وكفاية.

وإنني مقتنع - فيما رأيت، وفيما سمعت - بأن هذه الفتنة ابتدأها وخطط لها أياد خارجية، ثم اشتعلت وعظمت على يد الفريقين «القرغيز» و«الأوزبك» على حد سواء، والله أعلم.

شددنا الرحال من تركيا ليلًا، فوصلنا قرغيزستان فجرًا، وكان في استقبال الوفد بعض شخصيات الدولة، وتم اصطحابنا إلى نزل استرحنا فيه قليلًا، ثم ذهب الوفد لمقابلة رئيسة الجمهورية، ووزير الخارجية، وتخلفت لأمر خاص.

لقاء «الأويجور»

وتم توزيع المشايخ على بضعة مساجد للوعظ، فكان من نصيبي مسجد سوق «الأويجور»، وهم التركستانيون الشرقيون الذين يعانون من الظلم والطغيان الصيني، وقد خافوا أن يتأثروا بالفتنة التي جرت، لكن الله سلم وحماهم.

فتحدثت معهم حديثًا موجزًا عن سروري بلقائهم، وعن فضل أجدادهم في المشاركة في بناء الحضارة والثقافة الإسلامية، وعن أهمية أن يتمموا عمل الأجداد، وذلك إنما يكون بالالتزام بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتنشئة الأولاد على الإسلام، والنظر في قضايا المسلمين والدعاء لهم.. ثم صافحنا الحاضرين، وانطلقنا إلى المكان المعد للغذاء، الذي حضره بعض الشخصيات الرسمية، ثم بعد ذلك شغل الوفد بالاجتماعات الرسمية إلى أن حضر العشاء، ثم خلدنا إلى الراحة.

في إطار جهود المصالحة بين الأوزبك والقرغيز:

«د. علي القره داغي» طلب من رؤساء القبائل والعشائر أن يعاهدوا الله على الطاعة والأخوة وتناسي الأحقاد

رؤساء العشائر

وفي الصباح، خرجنا من الفندق نريد السفر إلى مدينة «أوش»، التي عانت من الفتن قتلًا وحرقًا للبيوت والمحالِّ، فركبنا الطائرة إليها، وكانت طائرة روسية قديمة عديمة الرفاهية، ذات محركين مروحيين، قطعت المسافة في قرابة ساعة، واستقبلنا استقبالًا رسميًا.

ثم أخذنا إلى مطعم كبير حشد فيه رؤساء قبائل وعشائر الأوزبك والقرغيز، فتحدث «د. علي القره داغي» فيهم حديثا إيمانيًا مؤثرًا، ختمه بالطلب من الحاضرين جميعًا أن يقفوا ويعاهدوا الله على الإسلام والطاعة والأخوة، وتناسي الأحقاد، وختم المجلس بهذا، ثم أخذ الحاضرون في الأكل، وانصرف الناس عقبه.

ثم تفرق العلماء في المساجد؛ ليعظوا الناس ويخطبوهم - وكان اليوم جمعة - فكان من نصيبي أن ذهبت مع الشيخ «عبد الشكور» إلى قرية تغلي بالغضب، سكانها من القرغيز، على بعد ساعة من «أوش».. والشيخ «عبد الشكور» هو مدير الجامعة الإسلامية، وخطيب جامع عائشة في «بشكيك»، وهو رجل مفوه وخطيب مصقع، وكان المترجم للوفد أينما ذهب، واختار أن يكون مرافقي، فجزاه الله خيرًا.

فلما جئنا جامع القرية وجدناه ممتلئًا، فتحدثنا مع القوم حديثًا مناسبًا للحدث، ثم تحدث الشيخ «عبد الشكور»، ثم أذن للجمعة، وخطب الخطيب خطبتين بالعربية موجزتين اكتفى فيهما بأركان الخطبة.

وبعد الصلاة، عانقنا الناس، وصافحونا بحرارة، ثم أخذنا للغداء، ولابد عند القوم من طعام عقب كل موعظة مهما تكرر ذلك في اليوم والليلة، فوضعوا رأس الخروف أمامي، وطلبوا مني أن أقطع من طرف أذنه قطعة وآكلها، لأن هذا الصنيع إيذان ببدء تناول الطعام، فلم أجد بدًا من الاستجابة، فليس هذا مكان تنزه أو امتناع.

كلمة موجزة

ثم ذهبنا إلى بلدة «أوزجان»، فوجدنا بضع مئات تحت الأشجار على أسرة عريضة، وكان الشيخ «مصطفى الصيرفي» قد سبقنا بالخطبة والحديث، فتكلمت كلمة موجزة، ثم تكلم الشيخ «عبد الشكور» بفصاحته وبلاغته فشد الأنظار إليه، وبكي بعض الناس ونشج، وأنا - وإن لم أفهم ما قال - لكن نجاحه في جذب قلوب الناس لا يخطئه البصر ولا البصيرة، وليس أحسن تأثيرًا من الداعية المتكلم بلسان قومه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم:٤)، وإنما جاؤوا بنا ونحن لا نعرف لسانهم، لأن للعرب مكانة في قلوب القوم لا تدانيها مكانة، فمهما قالوا أطاعوهم واستجابوا لهم.

استقبال رسمي للوفد في مطار «بشكيك».. وترتيب مقابلة مع رئيسة الجمهورية ولقاء مع وزير الخارجية

الحكومة لا تملك تصوّرًا متكاملًا لحل المشكلة.. ويجب عدم ترك الدولة المسلمة وحيدة وسط تربص الأعداء

ومن عادة القوم أنهم إذا استضافوا أحدًا فأكل عندهم، وضعوا باقي طعامهم الكثير في «أكياس» أعدوها وهيؤوها؛ فلا يخرج كل طاعم إلا ومعه من الطعام شيء.. والقوم كرماء معروفون بذلك، يضعون للضيف ألوانًا من الطعام والفاكهة والنقل «المكسرات» والحلوى والفطائر «البسكويت»، ثم يأتونه بالمرق والطعام الذي إن أرادوا أن يكرموا به الضيف إلى الغاية صنعوه من لحم خيل محنوذ، ولقد أكلت منه مرارًا في هذه الرحلة، والرحلة السابقة إلى قرغيزستان قبل ثماني سنوات؛ فوجدت لحمه لذيذًا قليل الدهن، ويحدث في الجسد حرارة وقوة ونشاطًا.

ندوة تلفزيونية

ولقد تذكرت في هذه الرحلة كيف كانت البلاد نهبًا للشيوعيين الملحدين يعيثون فيها فسادًا وإلحادًا، ثم عادت ديار إسلام ولله الحمد والمنة، وتذكرت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال:٣٦)، فقد انقشعت غمة الإلحاد، وعاد الناس إلى دينهم فرحين مستبشرين كأن لم يكن بهم ضر، أو نزل بهم سوء، فسبحان الله العظيم.

ثم غادرنا «أوزجان» عائدين إلى «أوش»، وهناك عقدت لنا ندوة في القناة الفضائية، وكنا خمسة: الشيخ د. علي القره داغي، والشيخ مصطفى الصيرفي، والشيخ محمد ياسر المسدي، والشيخ حمدي أرسلان، وكاتب هذه السطور.

ودارت الندوة تقريبًا على المعاني السالفة الذكر، ثم لما فرغنا منها يمّمنا شطر «جلال آباد»، وهي مدينة أصغر من «أوش»، وكلتا المدينتين قديمة، و«أوش» ثاني مدينة في قرغيزستان بعد العاصمة «بشكيك»، و«جلال آباد» ثالثهما، وبتنا فيها ليلتنا تلك، وهي سمية «جلال آباد» المشهورة في أفغانستان.

وفي الصباح، ذهبت إلى قرية للوعظ؛ فوجدت فيها محافظ «جلال آباد» مع بعض أركان الحكومة، فعجبت لوجودهم في تلك القرية النائية، فلما سألت مرافقي، قال لي: إن اليوم هو السبت ولا عمل وظيفيًا فيه، فالمحافظ يغتنم الوقت ليدور على القرى والمراكز؛ ليهدئ من روع الناس.

بدأ المحافظ بالكلام، ثم تكلمت بكلام موجز يقارب ما قلته من قبل في غير هذا المكان، ثم تكلم المسؤول عن الأمن، ثم طلب مني أن أقرأ القرآن لأختم المجلس، فقام أحد الجالسين - وكنا في المسجد - وتكلم بكلام قوي، ترجم لي مضمونه بأنه يطلب من الحكومة أن تشتري القمح منهم ولا تستورده من «قزقستان» وغيرها، وعجبت من جرأة مطالبته وقوة كلامه، فعلمت أنه قد بقيت فيهم قوة وعزة وكرامة، ولا عجب فإن لصاحب الحق مقالًا.

ثم ذهبنا إلى أمكنة عديدة، قلنا فيها قريبا مما قلناه من قبل.

أثر الدين

وقد لفت نظري أن أكثر الاجتماعات كانت في الجوامع الضخمة والمساجد، وهذا أمر حسن يعيد للمسجد وظيفته التي كانت له في صدر الإسلام، ويعد اعترافًا من الدولة بأثر الدين في تهدئة الناس، وهذا مهم للوقوف في وجه العلمانية اللادينية القاسية، التي ورثها الحكم من الاتحاد السوفييتي الهالك.

وفي اليوم الأخير للزيارة، ذهبت إلى مسجد «طاش بولاق»، وهو جامع ضخم؛ فحاولت أن أطيب قلوبهم، وأثلج صدورهم بكلام يدور حول الصبر والعفو.. ثم كانت هناك جنازة، فقدموني للصلاة عليها، وبعد ذلك جاءني رجل يشكو أن مكتبته احترقت قريبًا، ويرجوني أن أراها، وهكذا كان.

فقد ذهبت إلى بيته فوجدته بيتًا واسعًا ذا حديقة أنيقة، لكنه كان محترقًا مدمرًا، وأراني الرجل صاحب البيت بقايا الكتب

أكثر الاجتماعات كانت في الجوامع.. وهذا أمر حسن يعيد للمسجد وظيفته التي كانت له في صدر الإسلام

في اليوم الأخير ذهبت إلى مسجد «طاش بولاق» الضخم.. وحاولت تطييب قلوبهم بالحديث حول الصبر والعفو

التي كانت تزيد على الألف كتاب، وأخبرني أنها كانت مرجعًا لأهل المنطقة، فحزنت لذلك، لكني فرحت لصبر الرجل ورباطة جأشه، وثبات قلبه، وابتسامته التي كانت تعلو وجهه، وترديده الحمد والصبر، فلله ما أعظم حال المؤمن.

ثم بعد ذلك شددنا الرحال إلى «أوش»؛ حيث أولم لنا بعض شخصيات الدولة، ثم توجهنا إلى المطار عائدين إلى اسطنبول، إلى المملكة، ولله الحمد والمنة.

كلمة لا بد منها

إن الذي جرى على يد العلماء في تلك الرحلة له عدة دلالات، منها:

أولًا: إن العلماء - خاصة العرب منهم - مازالت لهم مكانة عالية في ذلك المجتمع، بل في أغلب المجتمعات الإسلامية، فقد رأيت من محبتهم للوفد وإقبالهم على أفراده أمرًا عجبًا، وهذا من الله تعالى، وإلا فإن أكثر العلماء قد قصّروا طويلًا، وأتوا بما يزيل مكانتهم كلها أو أكثرها من القلوب والعقول، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ما قام به الوفد خطوة أولى.. وعلى حكومات العالم الإسلامي وهيئاته إغاثة المنكوبين وتعويض المتضررين

ثانيًا: كان استقبال الحكومة القرغيزية للعلماء حافلًا، وأيًّا ما كانت الأسباب فهو أمر حسن، ولن تقوم للأمة قائمة إلا باجتماع العلماء مع الحكام على طاعة الله تعالى وتحقيق مراده، وإنزال العلماء منزلتهم التي أنزلهم إياها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: إن ما قام به وفد العلماء لهو خطوة أولى في الطريق الطويل؛ إذ إن الصدور والعقول مازالت بحاجة إلى عمل طويل وعلاج أخذ بعضه بحجز بعض، ولابد لحكومات العالم الإسلامي وهيئاته الإغاثية أن تتحمل القدر الأعظم من التعويضات والترميمات؛ فلا يجوز بحال أن تسبقنا المنظمات النصرانية إلى تلك البلاد، التي أنجبت أعظم العلماء في فنون العلوم على مدار تاريخ الإسلام الأول والوسيط.

وختامًا، فإنه ظهر لي من هذه الزيارة أن الحكومة القرغيزية لا تملك تصوّرًا متكاملًا لحل المشكلة، ولا أظن أن ذلك بمقدورها، فالمشكلة أكبر من طاقة دولة منفردة، فلابد أن يتعاضد على حل هذه المشكلة مجموعة من الدول الإسلامية، ولابد ألا تترك هذه الدولة المسلمة وحيدة في خضم هذه الأحداث، فأعداؤها المتربصون بها كثر، وهي دولة محدودة الموارد والإمكانات فالله الله في المسلمين، ولنسارع إلى إغاثتهم.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080