تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

عظماء منسيون.. العالم الزاهد أمجد الزهاوي (٢ من ٢) ( ١٣٠٠ - ١٣٨٦هـ / ١٨٨٢ - ١٩٦٧م).. جهوده في مناصرة القضايا الإسلامية

مدة القراءة التقريبية: 11 دقيقة

حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

مقال
  • عندما رأى ما حل بفلسطين من بلاء وإجتماع اليهود على أرضها أجتهد مع الشيخ الصواف في تجهيز المتطوعين للجهاد وجمع المال لهم
    • عين رئيسًا للجنة العليا لمناصرة جهاد الجزائر وكان يجمع المال مع الشيخ الصواف ويسلمه لممثل المجاهدين الجزائريين بالعراق
    • د. عبد الكريم زيدان: ما رأت عيني مثله على كثرة من رأيت وعرفت و خالطت
    • بعد وقوع إنقلاب عبد الكريم قأسم بالعراق عام ١٩٥٨ م صادر الشيوعيون أراضيه وأملاكه فهاجر إلى المدينة المنورة وواصل جهاده الدعوي مع الشيخ الصواف قاما بتوجيه رسائل إلى عدد من الملوك والرؤساء تدعوهم إلى التمسك بالإسلام
    • الشيخ نعمان السامرائي: لو وضع علماء العراق في كفة ووضع الشيخ أمجد في كفة لرجحت كفته
    تناولنا في العدد الماضي الجزء الأول من ترجمة العالم الزاهد أمجد الزهاوي مفتي العراق الأسبق وصاحب العلم الغزير والهمة العالية الذي أطلق عليه البعض لقب أبو حنيفة الصغير وقد تحدثنا عن نشأته في أسرة عريقة في العلم، وتدرجه في المناصب الرسمية حتى أصبح رئيسًا لمجلس التمييز الشرعي ورئيسًا لرابطة علماء العراق ثم تحوله بعد بلوغه سن المعاش من الإنعزال إلى العمل الدعوي ومناصرة القضايا الإسلامية والتحرك بهمة عالية تفوق همة الشباب، واليوم نستكمل سيرة هذا العالم الزاهد الورع.
    عمله من أجل فلسطين رأى الشيخ أمجد الزهاوي يرحمه الله تعالى ما حل بأرض فلسطين من بلاء وإجتماع اليهود على أرضها الطاهرة وتدنيسهم إياها، وكانت نذر الحرب آنذاك قد إجتمعت فاجتهد مع الشيخ الصواف يرحمهما الله تعالى - في تجهيز المتطوعين للجهاد في أرض فلسطين، وطلب المال من الناس فجاءه مال كثير ولله الحمد.
    وبعد النكبة تداعى الشيخان لتأسيس مؤسسة تعمل من أجل فلسطين، فأسسا المؤتمر الإسلامي العام الذي إنعقدت جلساته في القدس سنة ١٣٧٣هـ / ١٩٥٣م، وإختير فيه الشيخ أمجد الزهاوي بالإجماع رئيسًا له، ولتأسيس المؤتمر قصة وحوادث سبقت قيامه ورافقته لا أجد لذكرها مكانًا في هذه الترجمة الموجزة، لكن الشيخ أمجد بذل جهودًا جليلة لتأسيسه وقام بعمل عظيم في جمع التبرعات لتأسيس المؤتمر ونفقة الضيوف الذين وردوا على القدس من أماكن كثيرة من العالم الإسلامي وكلم رئيس وزراء العراق آنذاك محمد فاضل الجمالي فأعطاه ألفي دينار وطلب من بعض التجار والأغنياء المساهمة.

عمله من أجل الجزائر
عين الشيخ رئيسًا للجنة العليا المناصرة جهاد الجزائر التي أسست بعد إبتداء ثورة الجزائر، وكان يقيم الإجتماعات هو والشيخ الصواف يرحمهما الله تعالى - من أجل جمع المال للجزائر وتسليمه لممثل المجاهدين الجزائريين في العراق.
هجرته إلى المدينة: لما وقع إنقلاب عبد الكريم قأسم في العراق سنة ۱۳۷۸هـ ١٩٥٨م سانده الشيوعيون وضيقوا على المسلمين خاصة الدعاة العاملين، وزادت الطين بلة المجازر التي أقامها الشيوعيون المساندون لعبد الكريم قأسم بعد ذلك فقد قتلوا خلقًا من الناس بأبشع الطرائق وأشنعها، وشاع الخوف بين الناس، وصادر الشيوعيون أراضي الشيخ وأملاكه في منطقة الخالص من لواء بعقوبة وضيقوا عليه، فخرج الزهاوي من العراق مهاجرا إلى مدينة رسول الله، فسكن في غرفة أمام باب المجيدي، لكنه لم يطل المكث فيها فقد عاد إلى العراق بعد قرابة سنة وبعد بضعة أشهر في المدينة لحق به الشيخ محمد محمود الصواف يرحمهما الله تعالى أرسل الشيخ أمجد بمعاونة الشيخ محمد الصواف رسائل إلى كثير من الملوك والرؤساء سلمها لسفرائهم في جدة، يحثهم فيها على التمسك بالإسلام ورعاية جنابه وأنه هو مصدر عزتنا وسؤددنا.
وقابل الشيخ أمجد والشيخ الصواف ملك المغرب محمد الخامس في المدينة عندما زارها مصليًا مسلمًا، وتأثر بهما الملك، وسلماه رسالة فيها الحث على التمسك بالإسلام وبعض النصائح الأخرى ووعد الملك بتنفيذ ما طلباه، لكن القدر لم يمهله فبعد عودته إلى المغرب بقليل توفي يرحمه الله تعالى وقد سلماه الرسالة في قصر سلطانة بتاريخ ٢٦ رجب سنة ١٣٧٩ هـ، ١٩٦٠/١/٢٤م.
وفي ۲۸ رمضان سنة ١٣٧٩ هـ سلما رسالة للملك سعود في مكة المكرمة تحمل المعاني نفسها، وطلبا منه إنشاء حلف إسلامي يضم سائر ملوك ورؤساء المسلمين.
من غرائب الشيخ ولطائفه كان الشيخ - يرحمه الله تعالى - لا يلقي لمظهره باًلا، ولا يلتفت إليه، وفي أحد المؤتمرات لقيه الشيخ علي الطنطاوي يرحمه الله تعالى فرأى أن عمامته مشوشة، وقد إتسخت جوانبها من كثرة العرق، واحمرت من صبغ الطربوش، ورأى ثيابه الرئة، وشعره الطويل الثائر فظنه فقيرًا، فأتي له بحلة وعمامة وتحدث معه ليقبلها فضحك الشيخ وقال له: أفندي، ظننتني فقيراً؟ أنا أملك ١٦ ألف دونم والدونم ألف متر مربع!!
لكن هذه الأرض الواسعة كانت في يده لا في قلبه فقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي يرحمه الله تعالى - أنهما كانا في كراتشي من أجل فلسطين ففاض نهر دجلة، وغرقت بغداد فحاول أن يسأله عن مصير أرضه وكرر عليه السؤال: هل غرقت مع ما غرق أو سلمت؟ فكان يغضب ويقول: إني خرجت في سبيل الله فلا تشغل ذهني بها!!
وذهب هو والشيخ علي الطنطاوي في بومباي يريدان زيارة القنصلية السعودية ثم القنصلية العراقية، وكانت العراقية في طريقهما فاقترح عليه الشيخ علي أن يدخل العراقية أولا فوافق ودخلا وجلسا جلسة طويلة، فلما خرجا قال الشيخ: هيا بنا إلى العراقية، فبين له الشيخ علي أنهما كانا فيها فغضب الشيخ وقال: لم لم تخبرني؟ كنت أحسبها السعودية!! فقال له الشيخ علي أما رأيت العلم؟ أما رأيت صورة الملك فيصل بن غازي؟ أما حدثتهم عن بغداد؟!!
وذكر الشيخ علي الطنطاوي - أيضاً - أنهما لما سافرا معًا وصًلا إلى بومباي فحدثت لهما هنالك حادثة تدل على أن الشيخ قليل المعرفة بأمور الدنيا، فقد قال الشيخ علي تلقانا الرجل الكريم الذي من علينا وهو السيد عبدالله البسام فسألنا: هل تنزلون في بنسيون؟ فغضب الشيخ غضبا ما رأيته غضب مثله، وقال: بنسيون؟ بنسيون؟ يحسب البنسيون ماخوراً أو مكانا للفسوق وحاولت أن أشرح له ما هو البنسيون فما تركني أتكلم!! وهو لا ينتظر تمام الجملة ولا يرقب الشرح بل هو يثور بي ويسكتني وأنا رجل أعرف له قدره، وأراعي سنه ولكن
حدة طبعي لا تحتمل ذلك من أحد، فكان يقع بيني وبينه ما يكون بين الولد وأبيه والتلميذ وأستاذه.
وقال الأستاذ خالد القشطيني صادفته في الطريق امرأة في باب المعظم لم تكن له آية معرفة سابقة بها، ولا هي عرفت أي شيء عنه أو عن مكانته سوى العمامة التي كانت على رأسه والجبة التي لف بها بدنه قالت لنفسها: لابد أن يكون لهذا الرجل بهذه العمامة والجبة كلمة مسموعة في الدولة تقدمت إليه لتتوسل به فقد كانت الشرطة قد إعتقلت ابنها لإشتراكه في مظاهرات سنة ١٩٤٨م، سنة الوثبة التي يتذكرها أكثرنا ممن عاش في تلك الحقبة، كنت واحدًا منهم وشاركت في مظاهراتها ولكنني كنت جبانًا فهربت ولم تستطع الشرطة إعتقالي كأي أم حريصة على سلامة أولادها.
راحت تلك المرأة تتوسل بالشيخ أمجد الزهاوي وتلتمس منه التدخل لدى السلطات لإطلاق سراح ابنها من السجن إنه بريء والله العظيم، هذا ابني بريء، راحت تردد وتولول دون أن تعرف ما الذي كان ولدها قد قام أو لم يقم به، وكذا فعل الشيخ، ولكنه طمأنها ووعدها بأن يبذل جهده من أجل الإفراج عن ابنها دون أن يعرف أي شيء عن موضوعه أو جرمه.
عاد إلى البيت نزع جبته وعمامته وتناول التليفون ليكلم جلالة الملك فيصل الثاني تغمده الله برحمته، لم يكن يعرف من يكلم في هذا الموضوع غير الملك نفسه، هكذا حدث نفسه، إنه سيد البلاد وهو الذي بيده أمورها.
أدار الرقم على البلاط الملكي وأجابه عامل التليفون من تريدون؟ أجابه قائلًا: أريد فيصل أفندي كان الشيخ الزهاوي مازال يعيش في تراث الآداب العثمانية: الأفندية هم صفوة القوم وأفترض الشيخ أن يكون هذا هو اللقب الجدير بالملك أفندي فهو يلبس سترة وبنطلونًا وليس جبة وعمامة أو جراوية لم يكن أمجد الزهاوي قد ألم بالألقاب الجديدة صاحب الجلالة وصاحب السمو وصاحب الفخامة وصاحب السعادة وهلم جرا.
ابني أعطني فيصل أفندي، ويظهر أن عامل التليفون قد أهتز بهذا الخطاب أن يكون هناك من يخاطب الملك بلفظة أفندي لابد أن يكون هذا الشخص شخصًا مهما فبادر على الفور بفتح الخط على الملك فيصل الثاني مباشرة في مكتبه الخاص، فحدثه عن الموضوع موضوع هذه المرأة وابنها البريء المعتقل، والتمس من الملك أن يقوم بدوره ويأمر بإطلاق سراح هذا التلميذ الشاب ويعيده إلى أهله طمأنه جلالته على ذلك بأنه سيستعمل سلطته ويأمر بالإفراج عن هذا الشاب شكره الشيخ سلفا على حسن صنيعه: بارك الله فيك وأمد في عمرك وهو ما حصل بارك الله به ولكنه لم يمد بعمره، فبعد سنوات قليلة أطلق المجرمون الرصاص عليه وقتلوه.
لم يكد أمجد الزهاوي يغلق التليفون وينصرف لتناول عشائه حتى رن جرس التليفون ثانية مكالمة من البلاط إنه فيصل الثاني نفسه: سماحة الشيخ: أنت لم تعطني أسم هذا الشاب لأمر بإطلاق سراحه شنو أسمه الكامل؟ حك أمجد الزهاوي رأسه، فكر وتأمل الحقيقة أنه لم يسأل المرأة المذكورة عن أسم ولدها، كيف فات عليه ذلك؟! أخبر جلالته أنه في الواقع لا يعرف أسم هذا الشاب، وحكى للملك حكاية تلك المرأة وأنه لا معرفة له بها، وصادفته في الطريق وتوسلت به أن يتوسط للإفراج عنه قال له الملك ولكن كيف سأطلق سراح من لا أعرف أسمه؟ هناك عدد كبير من المعتقلين في السجن، ولا يدري من منهم ذلك الشاب فأجابه أمجد الزهاوي، وأنتو ليش حابسين كل هالشباب؟ فكوا عنهم كلهم وخلي هالوليد يطلع وياهم (1).
لم يجد جلالة الملك بداً من ذلك؛ لقد وعد الشيخ المرأة بالإفراج عن ابنها، ووعد الملك الشيخ الزهاوي بتلبية ذلك، ولم يبق بيده غير أن يطلب من المسؤولين إطلاق سراح كل هذه الجوقة من المعتقلين الشباب وهو ما كان، وهو ما جرى في ذلك اليوم من أيام الخير.

قالوا عنه
من الأقوال التي أثنت على الشيخ: قال فيه الأستاذ الصواف يرحمهما الله تعالى: رحمك الله أبا العلماء، وإمام الفقهاء وسيد الزهاد العظماء، وقائد المجاهدين وإمام المسلمين الصامدين الصابرين الصادقين المخلصين، في بلدك وفي عصرك وقال فيه أيضا: قضيت مع فقيدنا العظيم قرابة ربع قرن لا نفترق سفرًا ولا حضرا، داخل العراق وخارج العراق، لقد كنا نجوب الآفاق، ونقطع الفيافي والقفار، ونؤسس الجمعيات، ونحضر المؤتمرات الإسلامية، بل نقيمها وندعو إليها وننادي ونصيح بالمسلمين صيحات متواصلة علنا نجد من يستجيب للنداء ويعمل للأخذ بيد هذه الأمة المنكوبة التي إبتليت بفساد نظم الحكم فيها، وعجز علمائها وجهل شعوبها، وفساد الأوضاع الإجتماعية والسياسية والدينية والأخلاقية فيها قال فيه مؤرخ العراق عباس العزاوي يرحمهما الله تعالى: حياته كانت ذات صبغة دينية خالصة وسياسية شرعية لا شائبة فيها وصحيحة بمعنى الكلمة، ويطول الكلام فيه، فقد كان مثال النزاهة والصلاح والتقوى والعدل والزهد، كان على هذا إلى آخر أيامه.
قال فيه الأستاذ الدكتور عبد الكريم زیدان ما رأت عيني مثله على كثرة من رأيت وعرفت وخالطت إخلاصًا نقيًا، ومخافة من الله، وإهتمامًا بأمر المسلمين، أما إخلاصه فكان صافيًا خالصًا لا تشوبه أكدار التلفت إلى الجاه والسلطان والمنصب والثناء والسمعة والظهور، وأما اهتمامه بأمور المسلمين فقد أهمه أمر المسلمين وأرق جفنه قال فيه الشيخ نعمان السامرائي لو وضع علماء العراق في كفة ووضع الشيخ أمجد في كفة لرجحت كفة الشيخ أمجد.

أولاده
له ثلاثة أبناء، أحدهم كان قاضيًا شرعيًا في الموصل وهو يونس الزهاوي، وسعيد الزهاوي كان أستاذًا بكلية الشريعة في بغداد.
وله بنت واحدة أسمها نهال، وعني بها والدها حتى نالت إجازة في الفقه على يده وأنشأت جمعية الأخت المسلمة ورأستها و مدارس الأخت المسلمة التي كان لها أثر جيد في الحفاظ على كثير من النساء العراقيات وحمايتهن من موجات التغريب والإلحاد العاتية التي أغرقت المجتمع أنذاك لكن تلك المدارس صودرت بعد ذلك.
وخرجت نهال مع أبيها إلى المدينة فأقامت هنالك سنة ثم عادت إلى العراق لتواجه أعنف الضغوط من قبل الحكام الظلمة آنذاك، ولها كتابات إسلامية.

مؤلفاته
له كتاب الوصايا والفرائض، فقط فيما أعلم، فقد كان مقلا من التأليف، لكن كان له فتاوى كثيرة ولم تنشر.

وفاته
توفي يرحمه الله تعالى سنة ١٣٨٦هـ / ١٩٦٧م في بغداد، ودفن في مقبرة الإمام الأعظم أبي حنيفة في حي الأعظمية وكانت جنازته مشهودة رزقنا الله بمثله آمين.

الهوامش:

(1) ومعنى كلامه: لماذا تحبسون كل أولئك الشباب فكوهم ودع ذلك الولد يخرج معهم.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080