تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

فضائل مصر ومزايا أهلها

علماء مصر

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 17-35 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 20 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابفضائل مصر ومزايا أهلها

علماء مصر

أما العلماء المصريون أو الذين سكنوا مصر مدة طويلة أو قصيرة، فعدد لا يمكن حصره، وهذا -على التحقيق- هو الذي بَوّأ مصر مكانة عالية في التاريخ الإسلاميّ، وهو الذي رفع قدر البلاد، وحمى الله -تعالى- به العباد، فالعلماء صِمام أمان المجتمع، وهم الذين تزدان بهم البلاد، وتصان بجهودهم حقوق العباد، ومن هؤلاء العلماء في القرن الأول جملة من الصحابة رضى الله عنهم، وعدد من التابعين، وقد ذكرت بعضهم من قبل في الحلقة الماضية.

ولابد أن أقول إني عندما أنسب شخصاً ما لمصر فهو إما أن يكون مصرياً بالولادة أو بالأصل، أو أنه وافد طارئ على مصر أقام فيها أربع سنين فأكثر، وذلك لأن الإمام الكبير عبدالله بن المبارك قال: من أقام ببلد أربع سنين نُسب إليها، وهذا أعده أقدم قانون للجنسية مطلقاً، وقد أخذت بعض دول أوربا بهذه المدة التي عينها ابن المبارك رحمه الله تعالى- وأعطت الجنسية لمن أقام بها أربع سنوات فأكثر، وهذا يدل على النظرة المبكرة الثاقبة لذلك الإمام الفذ.

ومن علماء القرن الثاني

الليث بن سعد (ت ١٧٥) وهو إمام المصريين الذي قال فيه الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه، وهو أحد كُمّل الرجال وأصحاب المروءة الكبار، وأحد أثرياء مصر، رحمه الله تعالى.

17

وعبدالله بن وهب الراسبي المالكي الذي لما قرئ عليه كتابه "أهوال القيامة" ظل يخور كأنه ثور منحور، وغشي عليه ثم مات بعد أيام متأثراً، رحمه الله تعالى، وذلك سنة ١٩٧.

ومنهم صاحب الإمام مالك عبدالرحمن بن القاسم (ت ١٩١) الذي قَلّ مثيله في الدنيا، وكان من أصحاب الهمم العالية، فكان ينام على باب مالك في المدينة النبوية المنورة ينتظره إذا خرج إلى المسجد النبوي الشريف لصلاة الفجر.

ومنهم ورش المصري عثمان بن سعيد (ت ١٩٧) الذي يقرأ أكثر أهل المغرب العربي الكبير وإفريقيا بروايته إلى يومنا هذا.

ومنهم عبدالله بن لهيعة المحدث الإمام (ت ١٦٤).

وعثمان بن الحكم الجذاميّ (ت ١٦٣)، وهو أول من أدخل علم مالك إلى مصر، ولم يأت مصر أنبلُ منه.

ومن علماء القرن الثالث

الإمام الشافعي وهو ممن عظمت مصر وسعدت بسكناه فيها وموته في أرضها سنة ٢٠٤، وفي مصر ختم الشافعي القرآن ستين مرة في رمضان وذلك أثناء رباطه في الاسكندرية، وكان ذلك بشهادة المُزني، والشافعي إمام الدنيا وعالم العلماء، وإليه المنتهى في العلوم الشرعية والتسليم فيها، وقد قال رحمه الله تعالى- قبل مجيئه إلى مصر:

أصبحت نفسي تتوق إلى مصر ... ودونها أرض المهامه والقَفْر ولا أدري أللسعادة والغنى أساق لها ... أم أني أساق إلى قبري

18

فقال أحد العلماء: والله لقد سيق إلى ذلك كله.

ومنهم أصحاب الشافعي الذين لم يرزق إمام في الدنيا بمثلهم، وعلى رأسهم المُزني (ت ٢٦٤) زينة أصحابه، وكان إذا فاتته صلاة الجماعة صلى الفرض خمساً وعشرين مرة رجاء التعويض!! وكان إماماً ورعاً زاهداً مجاب الدعوة.

ومنهم البويطي يوسف بن يحيى (ت ٢٣١) صاحب حلقة الشافعي من بعده، وهو الذي صبر في محنة خلق القرآن يوم حُمل في الحديد إلى السجن ببغداد ومات بها، وكان من كرامات الشافعي أنه كان يقول له: تموت في الحديد، وهو أحد أئمة الإسلام وأركانه وزهاده.

ومنهم يونس بن عبدالأعلى الصدفي إمام المصريين (ت ٢٦٤) وتوفي بعد الشافعي بستين سنة، وكان ورعاً زاهداً صالحاً عابداً، كبير الشأن، ذا فضائل كثيرة، ولما حضرته الوفاة بكى فسأله أصحابه عن ذلك فقال: قدماي لم تغبرا في سبيل الله، يريد أنه فاته شرف الجهاد، رحمه الله تعالى.

ومنهم عبدالله بن عبدالحكم بن أَعْين، كان من أعظم أصحاب مالك (ت ٢١٥) ودفن بجوار الشافعي، وابنه محمد وكان مفتي مصر في زمانه (ت ٢٦٨).

والربيع بن سليمان الجيزي المرادي، وكان عالماً ومؤذناً بجامع مصر، وقد جاء مرة ليؤذن فأخطأ فقال: حدثنا الشافعي، ثم ضحك وضحك الناس، وأخذ في الأذان، رحمه الله تعالى.

19

ومن العلماء أشهب، وأصبغ المالكيان، وقد دعا أشهب على الشافعي في سجوده بالموت فقال: اللهم أمت الشافعي حتى لا يضيع مذهب مالك، فمات الشافعي لكن أشهب لم يمهله الله تعالى فمات بعد الشافعي بشهر، وقد قال الشافعي لما بلغه دعاء أشهب عليه بالموت:

تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد

ومنهم سعيد بن كثير بن عُفير (ت ٢٢٦) قاضي مصر، وقد قال فيه إمام الجرح والتعديل يحيى ابن معين لما زار مصر واجتمع به: رأيت بمصر ثلاث عجائب: الأهرام والنيل وسعيد بن عفير.

ومنهم عبدالملك بن هشام (ت ٢١٨) صاحب "السيرة النبوية" المشهورة، وقد اجتمع بالشافعي لما ورد مصر وتذاكرا وتناشدا من أشعار العرب شيئاً كثيراً، وكان إماماً في النحو واللغة والأدب.

20

- وأما علماء القرن الرابع فعلى رأسهم:

الإمام الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي ابن أخت الإمام المزني (ت ٣٢١) وهو صاحب العقيدة المشهورة التي أصبحت مرجعاً.

ومنهم ابن النحاس المصري النحوي الذي غرق في النيل في حادثة عجيبة، فقد كان يجلس عند مقياس النيل في الروضة في القاهرة، وكان يقطع الأبيات الشعرية ليعرف أوزانها مما هو معلوم من علم العَروض، فمرّ به أحد عوام المصريين فظنه يسحر النيل فرفسه من خلفه فوقع في النيل فمات غريقاً رحمه الله تعالى سنة ٣٣٨.

وأما علماء القرن الخامس

فمنهم القاضي عبدالوهاب المالكي البغدادي المشهور الذي كان يعيش في بغداد في شظف وشدة، فلما جاء مصر أثرى، فلم يلبث بعد ذلك قليلاً حتى مات، وفي الاحتضار قال كلمة لطيفة: لا إله إلا الله عندما عشنا متنا، وتوفي سنة ٤٢٢ عن ستين سنة رحمه الله تعالى.

ومنهم الحافظ عبدالغني بن سعيد الأزدي (ت ٤٠٩).

وأما علماء القرن السادس فهم ثلة عظيمة، وعلى رأسهم:

الإمام الكبير الطُرطوشي المالكي نزيل الإسكندرية (ت ٥٢٥) الذي كان له مواقف مشهودة مع العُبيدية الباطنية ودولتهم تُعرف زوراً وبهتاناً بالفاطمية، وما لهم من فاطمة رضي الله عنها نصيب، وكان يقول: "إذا سألني الله عن المقام في الديار المصرية أيام

21

العُبيدية فأقول: يا رب وجدت قوماً ضلالاً فعلمتهم"، وذلك يبين فضل الدعوة إلى الله وعظمها.

وكان يقول: إذا عرض لك أمران: أمر دنيا وأمر آخرة فابدأ بأمر الآخرة يحصل لك الأمران.

ومنهم الحافظ العظيم أحمد بن محمد السِّلَفي الأصبهاني (ت ٥٧٦) الذي سكن الاسكندرية ٦٥ سنة ولم يخرج من بيته للفرجة إلا مرة واحدة!! ولم ير بحرها إلا من طاقة بيته!! وقد قرأ عليه الحديث صلاح الدين الأيوبي لما كان والياً لنور الدين زنكي على مصر، رحمهم الله جميعاً.

وهو الوحيد في الدنيا -فيما أعلم- الذي حَدّث أكثر من ثمانين سنة، وتوفي عن قرابة مائة سنة، رحمه الله تعالى.

وممن مر بمصر وسكنها مدة ومات بها الحافظ عبدالغني المقدسي الذي كان مشهوراً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يَفُقْهُ أحد في هذا الباب إلا سلطان العلماء العز بن عبدالسلام، رحمهما الله تعالى، ولهما في الإنكار عجائب وغرائب، وهما حجة الله تعالى على المتأخرين في هذا الباب العظيم.

أما القرن السابع فأعظم علماء مصر فيه هو

العز بن عبدالسلام (ت ٦٦٠) الذي كان أعظم العلماء مطلقاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى اشتهر بسلطان العلماء وبائع الأمراء، وله في الأمر بالمعروف والنهي

22

عن المنكر حكايات تدل على عناية الله -تعالى- به وتوفيقه إياه، وقد كان مجلس فقهه يوصف بأنه أبهى مجلس فقه فى الدنيا، وقد كان له أثر عظيم في انتصار المصريين على التتار في عين جالوت سأبينه إن شاء الله تعالى في حلقة قادمة.

ومنهم المؤرخ المشهور القاضي ابن خَلِّكان صاحب "وفيات الأعيان" وتوفي سنة ٦٨١، رحمه الله تعالى.

ومن علماء ذلك القرن الإمام الشاطبي المقرئ صاحب الشاطبية (ت ٥٩٠) وهي أعظم منظومات القراءات انتشاراً وقبولاً، وقد طاف ببيت الله الحرام حاملاً الشاطبية سائلاً الله -تعالى- أن يقبلها ألف أسبوع!! والأسبوع سبعة أشواط، فحقق الله -تعالى- رجاءه.

وقد عُظم في مصر تعظيماً عجيباً حتى قال أبو شامة المقدسي فيه:

رأيت جماعة فضلاء فازوا ... برؤية شيخِ مصرَ الشاطبيِّ وكلهم يُعظمه ويثني ... كتعظيم الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

والشاطبي إمام جليل جداً، وقد ترك بلده لأنه كان خطيباً وأُلزم أن يذكر الأمراء بصفات في الخطبة لم يرها سائغة ففر بدينه إلى مصر، وعاش في فقر وشدة حتى أغاثه الله -تعالى- على يد القاضي الفاضل الذي أكرمه.

ومنهم الحافظ المحدث عبدالعظيم المنذري (ت ٦٥٦) صاحب الكتاب المشهور "الترغيب والترهيب" وقد كان يوصف مجلس حديثه بأنه أبهى مجلس حديث على وجه الأرض، ومن سمو أدبه أنه كان المفتي بمصر قبل مجيء العز بن عبدالسلام، فلما دخل

23

العز إلى مصر تنازل له عن الفُتيا، وبادله شيخ الإسلام العز بن عبدالسلام أدباً بأدب فقد كان يحضر مجلسه في الحديث كأحد الطلاب!!

ومنهم الإمام الكبير أحمد بن إدريس القرافي المالكي أحد العقول الضخمة في الإسلام، وهو صاحب كتاب "الفروق"، وهو أحد من وفق للجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم الشرعية، فقد كان له في صناعة الآلات الدقيقة عجائب (ت ٦٨٤).

24

وأما علماء القرن الثامن فيأتي على رأسهم

مجدد القرن ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢) الذي قَلّ أن ترى العيون مثله، وقد قبل السلطان المملوكي لاجين يده فقال له ابن دقيق العيد: أرجوها لك بين يدي الله.

والحافظ السبكي الكبير تقي الدين (ت ٧٥٦)، وكان أقضى القضاة في مصر والشام، ووُصف بأنه امتلك من آلات الاجتهاد ما لم يمتلكه الشافعيّ.

وابنه أقضى قضاة الشام تاج الدين عبدالوهاب السبكي صاحب "طبقات الشافعية الكبرى".

وابنه -أيضاً- بهاء الدين السبكي اللغوي الكبير، صاحب كتاب "عروس الأفراح".

ومن العلماء خليل المالكي صاحب المختصر المشهور الذي أطبق عليه المالكية، وقد توفي سنة ٧٦٧، رحمه الله تعالى.

ومنهم شرف الدين الدمياطي (ت ٧٠٥) صاحب "المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح" وهو كتاب مطبوع متداول معروف.

ومنهم ابن هشام النحوي المشهور (ت ٧٦١) وقد قال فيه ابن خلدون: كنا ونحن بالمغرب نسمع أنه قد ظهر بمصر عالم يقال له ابن هشام هو أنحى من سيبويه!! وقد كان له مصنفات في النحو ليس لها نظير، وضعها على نحو مبدع، رحمه الله تعالى.

25

أما القرن التاسع ففيه الحفاظ العظام

العراقي زين الدين عبدالرحيم بن الحسين (ت ٨٠٦) كان صالحاً متواضعاً، وابنه أبو زرعة وتوفي سنة ٨٢٦، والهيثمي صاحب "مجمع الزوائد" وتوفي سنة ٨٠٧.

ومن العلماء ابن عقيل شارح الألفية في النحو، وكان قاضي الديار المصرية (ت ٧٦٩).

وابن حجر العسقلاني الامام المشهور صاحب "فتح الباري" وهو أحسن شرح لصحيح الامام البخاري (ت ٨٥٢)، وقد كان قاضياً بالديار المصرية، وعظم قدره فيها، رحمه الله تعالى.

ومحمود العيني (ت ٨٥٥) صاحب "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" وإليه ينسب القصر العيني في مصر اليوم، وكان السلطان برسباي يقول: "لولا القاضي العيني ما حسن إسلامنا، ولا عرفنا كيف نسير في المملكة"، وذلك لأنه كان يدخل على سلاطين المماليك وينصحهم وينادمهم، رحمه الله تعالى.

ومن العلماء المقريزي أحمد بن علي (ت ٨٤٠) المؤرخ المشهور صاحب "خِطط مصر".

ومن علماء ذلك القرن شيخ الإسلام عمر بن رسلان البُلقيني، مجتهد عصره (ت ٨٠٥) ووُصف بأنه مجدد القرن الثامن، رحمه الله تعالى.

27

ومنهم الشيخ جلال الدين المَحَلِّي (ت ٨٦٤) صاحب تفسير "الجلالين" الذي أتمه السيوطي، وكان علاّمة، آية في الذكاء والفهم، وكان بعض أهل عصره يقول عن ذهنه إنه يثقب الماس، وكان غُرة عصره في سلوك طريق السلف من الصلاح والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام، ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم، ولا يأذن لهم بالدخول عليه، وكان مهاباً، صاحب كرامات كثيرة، متقشفاً في ملبوسه ومركوبه، رحمه الله تعالى.

وأما القرن العاشر ففيه جملة من العلماء على رأسهم:

الحافظ محمد بن عبدالرحمن السخاوي وقد توفي سنة ٩٠٢ مجاوراً في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم المشرفة المطهرة، وهو صاحب الكتاب التاريخي المعروف: "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع"، وله كتب أخرى عديدة.

ومنهم الحافظ السيوطي المشهور ويعد أكثر عالم في تاريخ الاسلام فى عدد المؤلفات (ت ٩١١).

ومنهم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري المعمر (ت ٩٢٦) الذي كان يصلي النوافل وهو قائم يتمايل ويهتز من الكبر فقد جاز المائة، وكان إذا سئل: لم لا تصلي قاعداً؟ قال: أخاف أن أعود نفسي الكسل!! ياالله!! أين نحن من أولئك العظماء، فلنبك على أنفسنا وتقصيرنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفي الحلقة القادمة -إن شاء الله تعالى- سأكمل سرد العلماء المؤثرين من القرن الحادي عشر إلى بداية القرن الرابع عشر، القرن السابع عشر إلى بداية العشرين الميلادي.

28

علماء مصر بعد القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي

قد كان في مصر جملة من العلماء العاملين بعد القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، على أن تلك القرون كانت تعد قرون انحطاط وبُعد عن الإسلام.

وكانت العامة تعاني كثيراً من الظلم وصعوبات الحياة وتسلط الباشوات والمماليك على الناس والاستيلاء على أموالهم بحجج لا تكاد تنتهي، وهذا ظهر بقوة منذ بدايات القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، ولم يكن للعامة بعد الله تعالى إلا أن يلجأوا إلى العلماء الذين لم يخيب أكثرهم ظن أولئك المساكين، ووقفوا بقوة أمام جبروت الحكام وظلمهم، وأستطيع أن أقول إن العلماء العاملين هم الذين كانوا يقودون الجماهير -آنذاك- ويحققون مطالبهم، وإليكم بعض الأمثلة الموضحة لهذا:

الشيخ علي بن أحمد الصعيدي العدوي المالكي، ولد سنة ١١١٢ ببني عدي في الصعيد وينتسب إلى الفاروق عمر رضي الله عنه وانتقل إلى القاهرة، واجتهد في طلب العلم إلى أن صار عالم الديار المصرية.

وكان شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يحابي في إنكاره أحداً.

وكان ينهى عن التدخين بحضرته وبحضرة العلماء تعظيماً للعلم والعلماء، وإذا دخل إلى منزل أمير من الأمراء ورأى من يدخن شنّع عليه وكسر آلته ولو كان كبير الأمراء، فكان الأمراء إذا رأوه سارعوا بإخفاء آلات التدخين، وكان علي بك الكبير أمير مصر عاتياً متجبراً ومع ذلك إذا رأى الشيخ مقبلاً عليه سارع بإخفاء آلات التدخين خوفاً من الشيخ.

29

وكان علي بك يقبل يد الشيخ إذا دخل عليه!! وكان الشيخ يكتب شكاوى الناس في ورقة ويتكلم مع الأمير في كل شكوى منها، فكان الأمير يتضايق منها فيصيح الشيخ في وجهه قائلاً: لا تأسف فالدنيا فانية، وسيسألنا الله عن تأخرنا في نصحك إن لم نفعل، ثم يمسك بيده ويقول: أنا خائف على هذه الكف من نار جهنم يوم الحساب.

ودخل عليه مرةً فشعر تلكؤاً من الأمير فخرج من عنده غاضباً، فارتبك الأمير وحاول اللحاق به معتذراً، فأبى الشيخ وأخذ يتلو قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون)، وهكذا كان الشيخ أيضاً رحمه الله تعالى- مع الأمير محمد بك أبو الذهب الذي جاء بعد علي بك الكبير.

واختلف الأمير يوماً مع الشيخ عبدالباقي العفيفي بسبب قضية فقهية انتصر الأمير فيها للرأي المخالف لرأي الشيخ، وأرسل إلى الشيخ من يجره من رقبته ويضع الحديد فيها وفي رجليه، ثم حبسه مع أرباب الجرائم!! فضغب الشيخ علي الصعيدي وجاء إلى مجلس الأمير وقال له: نحن أعلم بالأحكام الشرعية، فخاطب الأميرُ أحد المشايخ الذين حاولوا إفهامه الحكم الشرعي قائلاً: والله أكسر رأسك، فغضب الشيخ علي وقال له: لعنك الله، ولعن اليسرجي -أي تاجر العبيد- الذي جاء بك، ومن باعك ومن اشتراك ومن جعلك أميراً!! فتوسط الحاضرون من الأمراء يسكنون غضبه وغضب الأمير، وأحضروا الشيخ عبدالباقي من الحبس فأخذوه وخرجوا وهم يسبون الأمير!! وهكذا كان الشيخ رحمه الله مع من يتعدى حدود الشرع.

واستمر على طريقته الجميلة في قضاء حاجات الناس وصدع الأمراء بها إلى أن توفي بالقاهرة سنة ١١٨٩/ ١٧٧٤، رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه.

30

ومنهم الشيخ أحمد بن أبي حامد العدوي المشهور بأحمد الدردير، ولد سنة ١١٢٧/ ١٧١٥ بصعيد مصر، وهو من نسل الفاروق عمر رضي الله عنه وكان قد درس العلوم على عدة مشايخ منهم الشيخ علي الصعيدي آنف الذكر، وكان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، لا يهاب أحداً، ولما توفي الشيخ علي الصعيدي عُين أحمد الدردير شيخاً للمالكية وناظراً على وقف الصعايدة.

ولما زار الوالي العثماني الأزهر ليستميل المشايخ حتى يمتنعوا عن مساندة العوام والثورة معهم رأى الشيخ الدردير جالساً ماداً قدميه وهو يقرأ ورده من القرآن، ولم يقم لاستقباله والترحيب به فغضب، فهدّأ أحد أفراد الحاشية من غضبه بأن قال له: هذا شيخ مسكين ضعيف العقل، ولا يفهم إلا كتبه، فأرسل الوالي إليه صرة نقود مع أحد العبيد فرفضها الشيخ وقال للعبد: قل لسيدك: "من مد رجليه فلا يمكن له أن يمد يديه".

وله مواقف عديدة مع الأمراء منها ما جرى مع الأمير يوسف الكبير حين منع طلبة العلم المغاربة من الاستفادة من أوقافهم الخيرية فرفعوا الأمر إلى القاضي فحكم لهم، لكن الأمير رفض الانصياع للحكم، فكتب له الشيخ الدردير يطالبه بالانصياع والقبول فرفض وطغى وبغى واحتقر الطلب ومَن حمله إليه، فما كان من الشيخ الدردير إلا أن اجتمع بالجامع مع الناس، وأبطل الدروس والأذان والصلوات فيه وأغلقه، وطلع الصغار على المنارات يصيحون على الأمراء ويدعون عليهم!! وهكذا ظل الأمر إلى أن أذعن الأمراء للحكم الشرعي.

وفي حالة أخرى رفض الأمير فيها أن يئوب إلى الحق فثار الشيخ والعلماء والعامة ومن وراءهم، وأغلق الناس محلاتهم، وحدثت مظاهرة كبيرة فاجتمع الأمراء وحذروا الأمير من عواقب صنيعه، واجتمع بالعلماء، وصارت مشادة عنيفة أذعن بعدها الأمير، لكن

31

العلماء لم يرضوا حتى يجري صلح رسمي وتُكتب وثيقة فيها شروط على الأمراء بأن يتعهدوا بالتزام ما يقضي به القضاة من الأحكام الشرعية، وبقي الشيخ الدردير على سيرته الجميلة حتى توفي سنة ١٢٠١/ ١٧٨٦.

ومنهم الشيخ سليمان المنصوري الأزهري، وقد وقف في وجه فرمان -قرار- عثماني أرسله الخليفة من اسطنبول إلى القاهرة سنة ١١٤٨ ويتضمن إلغاء بعض الأوقاف الخيرية وإضافتها إلى دائرة الوالي على مصر ليرسل غلّتها إلى اسطنبول، فاجتمع العلماء وقرأ القاضي العثماني منشور الخلافة ثم عقب عليه بقوله: أمر السلطان لا يخالف، وتجب طاعته بنص الشرع الشريف.

فقام الشيخ سليمان المنصوري وقال: يا شيخ الإسلام هذا شيء جرت به العادة في مدة الملوك المتقدمين، وتداوله الناس ورتبوه على خيرات ومساجد وأسبلة فلا يجوز إبطال ذلك، وإذا بطل بطلت الخيرات وتعطلت الشعائر المرصد لها ذلك، فلا يجوز لأحد يؤمن بالله ورسوله أن يبطله، وأن أمر ولي الأمر بإبطاله لا يُسَلّم له، ويخالَف أمره لأن ذلك مخالفة للشرع، ولا يُسَلَّم للإمام في فعل يخالف الشرع الكريم، فكان قوله ذلك سبباً في عدول الحكومة عما كانت تريد فعله، وهكذا ينبغي أن يكون العلماء.

ـ ومنهم الشيخ أحمد بن موسى العروسي، وقد ولد سنة ١١٣٣/ ١٧٢٠، وتولى مشيخة الأزهر سنة ١١٩٢ وظل في المشيخة إلى أن مات سنة ١٢١٨، وقد كان له مواقف مشهودة في الدفاع عن الناس أمام الأمراء، وقد اشتد الغلاء في مدة من المدد وضج الناس منه، فذهب العروسي إلى الوالي حسن باشا واتفق معه على وضع تسعيرة للخبز واللحم والسمن، وزالت الغمة بفضل الله تعالى على يد ذلك الشيخ.

32

وقد اجتمع مرةً مجلس الديوان لإقرار ما يطلبه الوالي العثماني من ضرائب على المصريين لمحاربة المماليك في الصعيد، فأنكر الشيخ العروسي هذا، فكظم الباشا غيظه وقال: هذا رأي السلطان، وشرع يقرأ منشوراً باللغة العثمانية، لكن العروسي قال: أخبرونا عن حاصل الكلام فإننا لا نعرف التركية، فيُترجم المنشور، ويفهم الشيخ أن الدولة تريد أن تفرض على المصريين ضرائب بغير حق شرعي فقال: إنني لا أعبأ أن يكون الحاكم من العثمانيين أو من المماليك، إنما أبحث عن مصالح الناس وأموال المسلمين، ثم يلتفت إلى العثمانيين الحاضرين في المجلس وقال لهم: اخرجوا إليهم للحرب ساعة فإما أن تَغلبوا وإما أن تُغلبوا، وسنستريح من الجميع فلم يسع الوالي والقائد مخالفته، وهؤلاء هم العلماء العاملون.

ومنهم الشيخ المؤرخ المعروف عبدالرحمن الجبرتي الذي كان والده حسن من علماء الأزهر، وقد ولد عبدالرحمن سنة ١١٦٧/ ١٧٥٦، وطلب العلم الشرعي حتى صار من العلماء، وألف كتابه التاريخي المشهور "عجائب الآثار"، وأورده فيه تفصيلات لظلم المماليك والعثمانيين ومحمد علي باشا، ولم يأبه بالطغيان والظلم، فقتل محمد علي ابنه، وقيل إنه قتله هو أيضاً، وبعد قتله صودرت كتبه وأحرقت، وأحرقت داره، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وقد قال الجبرتي في مقدمة كتابه: "سنورد -إن شاء الله- ما ندركه من الوقائع بحسب الإمكان، والخلو من الموانع، إلى أن يأتي أمر الله، وأن مردنا إلى الله، ولم أقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير، أو طاعة وزير أو أمير، ولم أداهن فيه دولة بنفاق، أو مدح أو ذم مباين للأخلاق" وذكر في كتابه كيف كان المماليك يحكمون مصر، وكيف كان تكالبهم على المال والجاه، وما جلبوه لمصر من محن ونكبات، وكيف كان أتباع أمراء المماليك يأخذون ما يحبون من الباعة دون ثمن، فإذا امتنع أحد قتلوه ونهبوا متجره، وكيف كانوا يخطفون النساء والأولاد، وكيف كانوا يدخلون بيوت بالناس ولا ينصرفون

33

حتى يأخذوا ثياباً وأموالاً وطعاماً، وكيف كانوا يتهجمون على النساء ويأخذون حليهن، وكيف كانوا ينهبون الذهب والفضة من محلات الصاغة.

ولما جاء الفرنسيون سجل مخازيهم بالتفصيل في كتابه الجليل "مظهر التقديس في زوال دولة الفرنسيس".

ولما جاء محمد علي باشا مدحه الجبرتي فيما قام به من إصلاحات لكنه أظهر مساوئه ومساوئ ابنه إبراهيم بجلاء ووضوح وجرأة وإقدام وإنصاف، ولما فعل إبراهيم بأهل الصعيد ما فعل من مخازٍ وسوء قال: "ثم سافر إبراهيم راجعاً إلى الصعيد ليُتم ما بقي عليه لأهله من العذاب الشديد، فقد فعل بهم فعل التتار عندما جالوا بالأقطار، وأذل أعزة أهلها، وليس ذلك ببعيد على شاب جاهل، سنه دون العشرين عاماً، وحضر من بلده ولم ير غير ما هو فيه، لم يؤدبه مؤدب، ولا يعرف شريعة، ولا مأمورات، ولا منهيات".

وذاع في الناس نقد الجبرتي لمحمد علي وابنه إبراهيم وأشياعهما من الظالمين كمحمد الدفتردار وسليمان أغا السلحدار، فقتلوا ولده خليلاً، فحزن عليه الجبرتي فعمي بصره، ثم قُتل هو نفسه -على أصح الروايات- بعد مقتل ولده بثلاث سنوات سنة ١٢٤٠/ ١٨٢٥ ونُكل بتراثه، ولم يجد له في الأرض معيناً ولا نصيراً، وأرجو أن يكون جزاؤه عند الله -تعالى- أحسن الجزاء وأعظم الثواب.

هؤلاء بعض علماء مصر الذين أنجد الله عز وجل بهم العباد والبلاد، وكانوا محل ثقة الناس، وملجأ لهم بعد الله سبحانه وتعالى وكان لهم أيادٍ بيضاء على مصر في مدة مظلمة شاع فيها الظلم واستُسهل فيها الاعتداء على الناس، وضعف فيها الاستمساك

34

بحبل الله تعالى والأخذ بالشرع المطهر، وهكذا ينبغي أن يكون العلماء في مقدمة الصفوف يحلون المشكلات ويأخذون على يد الظلمة، ويوقفون الولاة عند حدود الشرع فلا يجرأون على تجاوزها، فوجود أولئك العلماء في تلك العصور المظلمة هو فخر لمصر، ودلالة واضحة على أن العلماء هم صِمام أمان المجتمعات الإسلامية في كل زمان ومكان.

ومن علماء مصر الذين لن ينساهم الزمان، ولن يأتي مثلهم إلا بإذن الواحد الديان نقيب الأشراف عمر مكرم الأسيوطي (ت ١٢٣٧/ ١٨٢٢) وقد أوردت سيرته في حلقة "عظماء منسيون في التاريخ الحديث" فلا أعيده هاهنا وأحث القراء بقوة على العودة إلى تلك الحلقة فسيرته من عيون السِيَر، وهو شرف للعلماء العاملين ومجدهم وعزّهم، فاللهم أرنا مثله يا رب العالمين.

35

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080