نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٣٠٠ أبو مسلم الخراساني(٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٣٠٠ أبو مسلم الخراساني(٢)
[٦] اسمه عبد الرحمن بن مسلم الخراساني، الأمير، صاحب الدعوة، وهازم جيوش الدولة الأموية، والقائم بإنشاء الدولة العباسية.
(٢) انظر السير: ٦/٤٨-٧٣
515
[١] كان من أكبر الملوك في الإسلام، وكان ذا شأن ونبأ غريب من رجل يذهب على
حمار بإكافٍ من الشام حتى يدخل خراسان، ثم يملك خراسان بعد تسعة أعوام،
ويعود بكتائب أمثال الجبال، ويقلب دولة، ويقيم دولة أخرى!
تأتيه الفتوحات العظام، فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الفادحة الشديدة،
فلا يرى مكتئباً. وكان إذا غضب لم يستفزه الغضب.
قيل: مولده في سنة مئة، وأول ظهوره كان بمرو في شهر رمضان يوم الجمعة من
سنة تسع وعشرين ومئة، ومتولى خراسان إذ ذاك الأمير نصر بن سيار الليثي، نائب
مروان بن محمد، الحمار، خاتمة خلفاء بني مروان، فكان ظهوره
يومئذ في خمسين رجلاً، وآل أمره إلى أن هرب منه نصر بن سيار قاصداً العراق فنزل
به الموت بناحية ساوة، وصفا إقليم خراسان لأبي مسلم، صاحب الدعوة، في
ثمانية وعشرين شهراً.
[٢] مصعب بن بشر، سمعت أبي يقول: قام رجل إلى أبي مسلم وهو يخطب،
فقال: ما هذا السواد عليك؟ فقال: حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبدالله، «أن
النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء». وهذه ثياب الهيبة، وثياب
الدولة يا غلام اضرب عنقه!
قلت: كان أبو مسلم سفاكاً للدماء، يزيد على الحجاج في ذلك. وهو أول من
سن للدولة لباس السواد، وكان بلاءً عظيماً على عرب خراسان، فإنه أبادهم بحد
السيف.
[٣] وفي سنة اثنين وثلاثين في ثالث يوم من ربيع الأول، بويع السفاح بالخلافة
بالكوفة في دار مولاه الوليد بن سعد. وسار الخليفة مروان في مئة ألف فارس حتى
نزل الزابين (١) دون الموصل، يقصد العراق. فجهز السفاح له عمه عبدالله بن
علي، فكانت الوقعة على كشاف، في جمادى الآخرة فانكسر مروان وتقهقر،
وعدى الفرات، وقطع وراءه الجسر وقصد الشام ليتقوى، ويلتقي ثانياً.
(١) الزابان: الزاب الأعلى، والزاب الأسفل، وهما نهران بين بغداد والموصل، ونزول مروان بن محمد كان على
الزاب الصغير.
516
فجَدَّ في طلبه عبد الله بن علي حتى طرده عن دمشق، ونازلها وأخذها بعد أيام، وبذل السيف، وقتل بها في ثلاث ساعات نحواً من خمسين ألفاً، غالبهم من جند بني أمية.
وانقضت أيامهم، وهرب مروان إلى مصر في عسكر قليل، فجَدُّوا في طلبه إلى أن يَبْتَوَه بقرية بُوْصِير، فقاتل حتى قُتِلَ، وطيف برأسه في البلدان، وهرب ابناه إلى بلاد النوبة.
[١] قال محمد بن جرير في «تاريخه» كان بُدُو أمر بني العباس أن رسول الله ﷺ فيما قيل، أعلم العباس أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك. قلت: لم يصح هذا الخبر، ولكن آل العباس، كان الناس يُحبونهم، ويُحبون آل علي، ويودون أن الأمر يؤول إليهم، حباً لآل رسول الله ﷺ، وبغضاً في آل مروان بن الحكم فبقوا يعملون على ذلك زماناً حتى تهيأت لهم الأسباب، وأقبلت دولتهم وظهرت من خراسان.
[٢] قلت: فرحنا بمصير الأمر إليهم. لكن والله ساءنا ما جرى من سيول الدماء، والسبي، والنهب، فإننا لله، وإنا إليه راجعون، فالدولة الظالمة مع الأمن وحقن الدماء، ولا دولة عادلة تُنْهَكُ دونها المحارم، وأنى لها العدل؟ بل أتت دولة أعجمية، خراسانية، جبارة، ما أشبه الليلة بالبارحة.
[٣] وفي سنة ثلاث وثلاثين ومئة سار أبو جعفر المنصور إلى خراسان إلى أبي مسلم، ليأخذ رأيه في قتل أبي سلمة، حفص بن سليمان الخلال وزيرهم. وذلك أنه لما نزل به السفاح وأقاربه، حدثته نفسه بأن يُبايع علوياً، ويدع هؤلاء وشرع يُعَمِّي أمرهم، على قواد شيعتهم، فبادر كبارهم، وبايعوا السفاح وأخرجوه، فخطب الناس فما وسعه - أعني أبا سلمة - إلا المبايعة، فاتهموه.
فعن أبي جعفر قال: انتدبني أخي السفاح للذهاب إلى أبي مسلم، فسرت على وَجَلٍ، فقدمت الري ثم شرفت عنها فرسخين، فلما صار بيني وبين مرو فرسخين، تلقاني أبو مسلم في الجنود، فلما دنا مني ترجل ماشياً، فقبل يدي، ثم نزلت، فمكثت ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء. ثم سألني فأخبرته، فقال: فعلها أبو سلمة؟
517
أنا أكفيكموه. فدعا مرّار بن أنس الضبيّ، فقال: انطلق إلى الكوفة، فاقتل أبا سلمة
حيث لقيته، قال: فقتله بعد العشاء، وكان يقال له: وزير آل محمد.
ولما رأى أبو جعفر عظمة أبي مسلم، وسفكه للدماء، رجع من عنده وقال
للسفاح: لست بخليفة إن أبقيت أبا مسلم. قال: وكيف قال: ما يصنع إلا ما يريد.
قال: فاسكت واكتمها.
وكان أبو جعفر يقول للسفاح: يا أمير المؤمنين، أطعني واقتل أبا مسلم فوالله إن
في رأسه لغدرة، فقال: يا أخي قد عرفت بلاءه، وما كان منه، وأبو جعفر يراجعه.
ثم حج أبو جعفر وأبو مسلم، فلما قفلا تلقاهما موت السفاح بالجدري، فولي
الخلافة أبو جعفر.
وخرج عليه عمه عبدالله بن علي بالشام، ودعا إلى نفسه وأقام شهوداً بأنه ولي
عهد السفاح، وأنه على ذلك سار لحرب مروان وهزمه، واستأصله.
فخلا المنصور بأبي مسلم وقال: إنما هو أنا وأنت، فسرّ إلى عبدالله عمي،
فسار بجيوشه من الأنبار، وسار لحربه عبدالله فانهزموا وتركوا الذخائر والخزائن،
والمعسكر، فاحتوى أبو مسلم على الكل وكتب بالنصر إلى المنصور.
واختفى عبدالله، وأرسل المنصور مولاه ليحصي ما حواه أبو مسلم، فغضب
من ذلك أبو مسلم، وهم بقتل ذلك المولى. وقال: إنما للخليفة من هذا الخمس.
ولما علم المنصور أن أبا مسلم قد تغير كتب إليه يلاطفه: وأني قد وليتك مصر
والشام، فانزل بالشام واستنب عنك بمصر، فلما جاءه الكتاب، أظهر الغضب
وقال: يوليني هذا وخراسان كلها لي؟! وشرع في المضي إلى خراسان.
فأمر المنصور من حضره من بني هاشم يكتبون إلى أبي مسلم يعظمون شأنه،
وأن يتم على الطاعة، ويحسنون له القدوم على المنصور.
ثم إن المنصور سير أمراء لتلقي أبي مسلم، ولا يظهرون أنه بعثهم ليطمئنه،
ويذكرون حسن نية المنصور له، فلما سمع ذلك، انخدع المغرور وفرح، فلما
دخل عليه، سلم عليه قائماً، فقال: انصرف يا أبا مسلم فاسترح، وادخل الحمام
ثم اغد. فانصرف، وكان من نية المنصور أن يقتله تلك الليلة، فمنعه وزيره أبو
518
أيوب المورياني.
قال أبو أيوب: فقال لي المنصور: دخل عليّ أبو مسلم فعاتبته ثم شتمته، وضربه عثمان بن نهيك فلم يصنع شيئاً، وخرج شبيب بن واج، فضربوه، فسقط، فقال وهم يضربونه: العفو، قلت: يا ابن اللخناء، العفو؟ والسيوف تعتورك؟ وقلت: اذبحوه. فذبحوه.
ثم همّ المنصور بقتل الأمير أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم وبقتل نصر بن مالك الخزاعي، فكلمه فيهما أبو الجهم، وقال: يا أمير المؤمنين إنما جُندّه جندك، أمرتهم بطاعته فأطاعوه.
ثم إنه أعطاهما مالاً جزيلاً، وفرق عساكر أبي مسلم. وكتب بعهد للأمير أبي داود خالد بن إبراهيم على خراسان، ثم بعث إلى عيسى بن موسى ولي العهد، فأعلمه، وأعطاه الرأس والمال فخرج به، فألقاه إليهم ونثر الذهب، فتشاغلوا بأخذه.
قُتل في سنة سبع وثلاثين ومئة. قلت: وعمره سبعة وثلاثون عاماً.
ولما قُتل، خرج بخراسان سُنباذ للطلب بثأر أبي مسلم، وكان سُنباذ مجوسياً، فغلب على نيسابور والري، وظفر بخزائن أبي مسلم واستفحل أمره، فجهز المنصور لحربه جمهور بن مرّار العجلي في عشرة آلاف فارس، وكان المصاف بين الري وهمدان، فانهزم سُنباذ وقُتل من عسكره نحو من ستين ألفاً، وعامتهم كانوا من أهل الجبال فسُيِّت ذراريهم، ثم قُتل سُنباذ بأرض طَبَرستان.
519