تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

التوريث الدعوي

المبحث الثاني أنواع من التوريث ينبغي الاعتناء بها

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 37-60 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 21 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالتوريث الدعوي

المبحث الثاني

أنواع من التوريث ينبغي الاعتناء بها

١. لقاء الدعاة والعلماء والصالحين.

٢. كتب الذكريات أو المذكرات.

٣. اللوائح.

٤. الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل.

هناك أنواع من التوريث يحسن إظهارها والاعتناء بها حتى تتم الاستفادة منها، ولأجل أن تتناقلها الأجيال تناقلاً حسناً، وجيل اليوم - بل المسلمون منذ أجيال- مقصِّرون في الاعتناء بها وتوريثها لمن بعدهم توريثاً حسناً، وهذه مشكلة من المشكلات الكبيرة في مجتمعاتنا الإسلامية عامة، وفي البيئات الدعوية الشرعية خاصة، وفي تقديري أنه إذا أُحسن التعامل معها ووضعت الحلول الناجحة لها فإن مردود ذلك سيكون ضخماً رائعاً جليلاً، فمن هذه الأنواع:

37

النوع الأول

لقاء الدعاة والعلماء والصالحين

إن من أعظم طرق التوريث المخالطةَ المباشرة مع الدعاة والعلماء العاملين والصالحين، فإن أكثر هؤلاء لم يترك مذكرات، ولم يورث كتباً ولا رسائل ولا تجارب مكتوبة، فإن ماتوا ماتت معهم تجاربهم وعلومهم إلا من شاء الله تعالى أن يبقي له ميراثاً تتناقله الأجيال.

وسبيل تعويض ذلك هو الاستفادة من أولئك العظماء في حياتهم، والمكوث معهم والأخذ منهم، فهذه وراثتهم، ولقد حرص السلف على ذلك حرصاً عظيماً فضربوا بذلك أحسن الأمثلة في اعتنائهم بعلمائهم الأحياء وأخذ ما عندهم من العلم؛ فهذا الإمام مالك بن أنس (١) - إمام دار الهجرة- يقول:

(١) مالك بن أنس بن مالك، شيخ الإسلام، الحميريّ ثم الأصبحيّ المدني. أحد الأئمة الأربعة الفقهاء. توفي سنة ١٧٩ عن ٨٩ سنة رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )): ٨/ ٤٨ - ١٣٥.

39

(( كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه )) (١)، فلتتصور هذا أيها القارئ ولتعجب طويلاً من أولئك العظماء.

وهذا مهدي بن حسان (٢) يقول:

(( كان عبد الرحمن بن مهدي (٣) يكون عند سفيان (٤) عشرة أيام وخمسة عشر يوماً بالليل والنهار، فإذا جاءنا ساعة جاء رسول سفيان في أثره يطلبه، فيدعنا ويذهب إليه )) (٥) فهذا حرص عظيم من الطالب والأستاذ معاً رحمهما الله تعالى.

وكان العلماء يعرفون أهمية هذا الأمر، فربما خصُّوا بعض طلبتهم بوراثة علمهم أو أن الطالب قد نبغ بين طلاب شيخه فعرف وخُصّ به؛ وهذا كان حال جماعة من السلف والخلف رحمهم الله تعالى، أذكر منهم:

(١) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٧٣٦.

(٢) هذا والد عبد الرحمن بن مهدي، الآتية ترجمته.

(٣) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري الأزدي بالولاء البصري اللؤلؤي. ولد سنة ١٣٥، وكان إماما حجة قدوة في العلم والعمل. توفي بالبصرة سنة ١٩٨ رحمة الله تعالى انظر ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )): ٩/ ١٩٢ - ٢٠٩.

(٤) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، إمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين في زمانه. توفي سنة١٦١ رحمه الله تعالى عن أربع وستين سنة. انظر ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )): ٧/ ٢٢٩ - ٢٧٩.

(٥) (( نزهة الفضلاء )) ٢/ ٨١٧ - ٨١٨.

40

١ - حبر الأمة عبد الله بن عباس وبعض طلبته الذين اصطفاهم:

وكانوا جماعة اشتهروا بالأخذ عنه والاختصاص به، فمنهم: مجاهد بن جََبْر المكي (١)، وقتادة بن دِعامة السَّدوسيّ (٢)، وقد ورّث أولئك الطلبة عمله حتى أن مجاهداً قرأ عليه القرآن ثلاث مرات من فاتحته إلى خاتمته يسأله عنه، فقد قال رحمه الله تعالى:

(( قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت )) (٣).

٢ - شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) وتلميذه الحافظ ابن القيم (٥):

(١) أبو الحجاج المخزومي بالولاء، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، مات سنة مائة ونيف وله ٨٣ سنة. انظر (( التقريب )): ٥٢٠.

(٢) أبو الخطاب البصري. ثقة ثبت. مات سنة بضع عشرة ومائة. انظر المصدر السابق: ٤٥٣.

(٣) انظر (( تهذيب التهذيب )): ١٠/ ٤٠.

(٤) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، يُدعى لجدته تيميّة. أحد أئمة المسلمين المجتهدين. توفي - رحمة الله تعالى- سنة ٧٢٨ بدمشق مسجوناً بعد أن خلف علماً كثيراً ومصنفات عديدة. انظر (( الدرر الكامنة )): ١/ ١٥٤ - ١٧٠.

(٥) محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي الدمشقي، شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبليّ. ولد سنة ٦٩١، وكان جريء الجنان، واسع العلم، غلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك. توفي سنة ٧٥١ بدمشق رحمة الله تعالى. انظر المصدر السابق: ٤/ ٢١ - ٢٣.

41

هذا وقد عرف القاصي والداني شدة تعلق ابن القيم بابن تيمية رحمهما الله تعالى، وشدة اختصاصه به وانتصاره له، رحمهما الله تعالى، وكان ذلك ناتجاً عن المعاشرة الطويلة والقرب من الأستاذ.

٣ - شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني (١) وتلميذه الحافظ السخاوي (٢):

وتعلق السخاوي بشيخه معلوم، حتى أنه وضع له

(١) أحمد بن علي بن محمد، الأستاذ، أبو الفضل الكناني العسقلاني المصري الشافعيّ. ويعرف بـ (ابن حجر) وهو لقب لبعض أبائه. ولد سنة ٧٧٣ بمصر العتيقة، ونشأ بها يتيماً. وحفظ بعض المنظومات، وأخذ على كثير من المشايخ، وجَدّ في الفنون حتى بلغ الغاية. وولي بعض وظائف الدولة من حسبة وقضاء وإمامة. وله العديد من المصنفات النافعة المشهورة. توفي - رحمة الله تعالى- سنة ٨٥٢. انظر (( الضوء اللامع )): ٢/ ٣٦ - ٤٠.

(٢) الشيخ الإمام الحافظ الرُّحلة أبو عبد الله شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاويّ القاهري الشافعي، ولد سنة ٨٣١. حفظ القرآن وهو صغير وحفظ عدة متون وعرضها على مشايخ عصره. اختص بشيخ الإسلام ابن حجر، وكان يحبه ويثنى عليه. توفي رحمة الله تعالى بالمدينة مجاوراً سنة ٩٠٢ وقد خلف مصنفات كثيرة. انظر (( النور السافر )): ١٦ - ٢١.

42

ترجمة حافة سماها (( الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر )) (١)، وكان ابن حجر يتفرّس في تلميذه السخاوي خيراً ويخصه بأشياء، وكان السخاوي من أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قرب منزله منه، فكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر (٢) وكان الحافظ ابن حجر يعلم شدة حرص تلميذه فيقابل حرصه بحرص أيضاً على تعليمه، (( فكان يرسل خلفه أحياناً بعض خدمه لمنزله يأمره بالمجيء للقراءة )) (٣).

هذا فيما يتعلَّق بالعلماء مع طلبتهم، أما الدعاة فقد حرص كثير منهم على توريث دعوته لغيره من الناس باللقاء معهم، وإفادتهم من تجاربه، وتوريثهم من علمه وفنِّه، وكان منهم من يخص بعض طلبته بمزيد من الاعتناء والتوجيه، وذلك متضح في سير بعض الدعاة، منهم:

١ - جمال الدين الأفغاني (٤) وتلميذه الأستاذ محمد

(١) وهي مطبوعة متداولة.

(٢) (( الضوء اللامع )): ٤/ ٦.

(٣) المصدر السابق.

(٤) محمد بن صَفْدر - أو صَفْتر- الحسيني، جمال الدين، الفيلسوف. ولد في أسعد آباد بأفغانستان سنة ١٢٥٤، ونشأ بكابل، وتلقى العلوم العقلية والنقلية، وبرع في الرياضيات. وارتحل مراراً، وساءت علاقته بالدولة العثمانية، وقصد مصر فتتلمذ له كثيرون، وصار لدعوته ضجة فيها، فنفته الحكومة المصرية، ثم عاود الارتحال الطويل. وكان عارفاً بعدة لغات، وله بعض المصنفات القليلة، وهو ممن اختلفت فيه الأنظار توثيقاً وتضعيفاً. توفي سنة ١٣١٥ رحمة الله تعالى، وانظر (( الأعلام )): ٦/ ١٦٨ - ١٦٩.

43

عبده (١).

٢ - الأستاذ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا (٢).

(١) محمد عبده بن حسن خير الله، من آل التركماني، مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال التجديد في الإسلام. ولد في إحدى قرى الغربية بمصر سنة ١٢٦٦، وتعلم بالجامع الأحمدي بطنطا ثم بالأزهر، ثم تصوَّف وتفلسف، وعمل في التعليم وكتب في الصحف، وتولى تحرير جريدة الوقائع المصرية، وأجاد اللغة الفرنسية بعد الأربعين. ولما احتل الإنكليز مصر ناوأهم فسجن ثم نفي سنة ١٢٩٩، وسافر إلى باريس فأنشأ مع أستاذه جمال الدين الأفغاني جريدة (( العروة الوثقى )) وعاد إلى بيروت فمصر سنة ١٣٠٦، فتولى منصب القضاء، ثم جعل مستشاراً في محكمة الاستئناف ثم مفتياً للديار المصرية سنة ١٣١٧ فاستمر إلى أن توفي بالإسكندرية سنة ١٣٢٣ رحمة الله تعالى، له عدة مصنفات. انظر المصدر السابق: ٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣.

(٢) القلموني البغدادي الأصل الحسيني النسب، أحد رجال الإصلاح. ولد سنة ١٢٨٢ في القَلَمون من أعمال طرابلس الشام، وتعلم فيها وفي طرابلس. رحل إلى مصر سنة ١٣١٥ فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له ثم أصدر مجلة المنار لبثَّ آرائه الإصلاحية، وأصبح مرجع الفتيا. ارتحل إلى الشام والهند والحجاز وأوروبا ثم عاد فاستقر في مصر التي توفي بها سنة ١٣٥٤ رحمة الله تعالى. له عدد من المصنفات النافعة. انظر المصدر السابق: ٦/ ١٢٦.

44

٣ - الشيخ محمد محمود الصواف (١) وأستاذه أمجد الزهاوي (٢).

(١) داعية إسلامي مناضل. ولد بالموصل سنة ١٣٣٣ وتعلم بها وبالأزهر، وعمل بالتدريس في كلية الشريعة بجامعة بغداد، وشارك في الجهاد ضد الإنكليز. وأسس جمعية إنقاذ فلسطين بالعراق، وجمعية الأخوة الإسلامية، وكان المراقب العام للإخوان المسلمين بالعراق. هرب من العراق إلى الشام بعد ثورة الشيوعيين الذين هاجموا مقر مجلة لواء الأخوة الإسلامية التي أنشأها، وحطموا المطبعة وبدَّدوا المكتبة، ومن الشام خرج إلى السعودية التي عمل فيها في مناصب كان أرفعها ما كان مع الملك فيصل رحمة الله تعالى. له عدد من المصنفات. توفي سنة ١٤١٣ رحمة الله تعالى. انظر (( ذيل الأعلام )): ٢٠٠ - ٢٠١.

(٢) أحد كبار علماء العراق. ولد في العراق وتعلم فيه، وكان رجلاً ربانياً ورعاً، ذكياً، فقيهاً مجتهداً بارزاً، عمل بدأب طيلة حياته لمصلحة الإسلام والمسلمين، وأسس جمعية إنقاذ فلسطين وعدة جمعيات أخرى للتربية ونشر الثقافة الإسلامية. ارتحل من أجل ما حدث في فلسطين مراراً على شيخوخته، وكان لسانه لا يفتر عن ذكر الله تعالى. توفي سنة ١٣٨٧ رحمة الله تعالى. انظر (( الموسوعة الحركية )): ١/ ١٣٧ - ١٣٨.

45

وعلاقة هؤلاء الثلاثة بمشايخهم وثيقة إلى حد كبير جداً، ولقد ورثوا منهجهم وطريقتهم في الدعوة، وكان للمشايخ أثر كبير في حياة التلاميذ الأعلام، وهذه العلاقة ينبغي أن تكون منهجاً يُسار عليه ويُصار إليه، ونبرات يضيء لنا الطريق إلى الاستفادة من كبار العلماء والدعاة الأحياء حتى لا يأتيهم الأجل إلا وقد وُرِثوا وراثة حقيقية نافعة (١).

(١) هناك عدد من التلامذة اختصوا بمشايخهم وعرفوا بهم إضافة إلى هؤلاء، ومنهم: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وتلميذه الشيخ عطية محمد سالم رحمهما الله تعالى وغفر لهما، وكذلك الشيخ حافظ الحكمي مع شيخه الشيخ عبد الله القرعاويّ، وغيرهم كثر رحمهم الله تعالى جميعاً.

46

النوع الثاني

كتب الذكريات أو المذكرات

من المصادر الثرية بالتجارب التي تستحق الاعتناء بالتوريث وتوقيف الأجيال عليها كتب الذكريات أو المذكرات، وذلك لأن أصحابها سطَّروا فيها عصارة تجربتهم وخلاصة حياتهم، بعد أن خبروا الحياة وخبرتهم، وعاركوها وعركتهم، وواجهوا مواقف كثيرة خرجوا منها بنجاح أو فشل، وبلوا الناس وعرفوهم، فجاءت تلك الكتب على ما يشتهي القارئ ويحب غالباً (١).

والمذكرات في كل المجتمعات والبيئات ثروة طائلة يعتنى بها وتبرز وتدرس، بل إنها تكون محطَّ أنظار الباحثين الاجتماعيين والناظرين المتدبرين في أحوال وسنن الحياة، والمؤرخين الذين يربطون بتأريخهم الماضي

(١) إنما مرادي من كتب الذكريات ما كان منها لعظماء علماء ودعاة الإسلام، أما غيرهم ممن تخبط طويلاً وضل وأضل كثيراً فيُتخير منها بحذر ودقة ما كان نافعاً ويُنبذ ما سوى ذلك، والله أعلم.

47

بالحاضر والذاهب بالآتي، وبعض عظماء الرجال والنساء في الغرب يراودون لكتابة مذكراتهم بالملايين الطائلة، وما ذلك إلا لمعرفة دور النشر بالأهمية البالغة التي تمثلها هذه المذكرات، وإقبال الناس عليها إقبالاً منقطع النظير.

هذا وإنه في ديارنا العربية قصور كبير في التعامل مع المذكرات كتابة وقراءة، أما القراءة فلانصراف أكثر الناس عن قراءة كل نافع مفيد في المجالات الأدبية والاجتماعية والتاريخية والدعوية وغيرها، وأما كتابة الذكريات والمذكرات فإن أكثر العظماء عندنا - وما أكثرهم مقارنة بغيرنا من الأمم والشعوب- منصرفون عن هذه الكتابة لسبب أو لآخر، فيموت الواحد منهم عندما يموت وقد خلَّف حسرة في النفوس من ضياع تجارب كثيرة تناقلتها الألسن والأذهان ثم أصبحت في طيِّ النسيان كلها أو أكثرها، نعم إن بعض العظماء لا يتمكن من كتابة مذكراته لأنه غير آمن أن يؤاخذ بسببها، لكن ما لا يدرك جُلُّه لا يترك كله، ويمكن لكاتب الذكريات أن يكتب قدراً كبيراً من تجاربه من غير حرج ولا قلق (١).

والذي ينبغي على كل من يظن أن عنده تجارب تستحق الكتابة والنظر فيها ألا يتردد في كتابتها ولا يحقرنّها

(١) انظر المبحث الثالث، العقبة الثالثة؛ ففيها شيء من التفصيل.

48

فتذهب أدراج الرياح، وما أحسن ما قاله الأديب الدكتور إحسان عباس (١) عندما قال:

(( فاتحني عدد غير قليل من الأصدقاء في أن أكتب سيرتي الذاتية، فأخذ اقتراحهم يمثل هاجساً يدور في نفسي ويستثير ذاكرتي، ولذا توجهت إلى أخي بكر عباس أسأله رأيه في الأمر، فكان جوابه المباشر أن قال: لا أنصحك بذلك؛ لأن حياتك تخلو أو تكاد من أحداث بارزة تثير اهتمام القارئ وتطلعاته، كان ما قاله أخي وصديقي بكر صحيحاً، فأنا أعرف أنني لم أشارك في أحداث سياسية، ولم أتولّ مناصب إدارية، ولم أكن عضواً في حزب، ولم أكن مسؤولاً عن مشروعات اقتصادية، إلى آخر ما هنالك من نشاطات تعرِّض الفرد للمسؤوليات الاجتماعية والوظيفية، وعلى الرغم من ذلك كله وجدتني أميل إلى كتابة سيرتي - ومنهجي فيها التزام الصدق فيما أسرده- لا لأن ما أكتبه تاريخ مهم، بل لأنه يمثل تجربة إنسان حاول في كل خطواته أن يخلص للعلم بصدق ومحبة ... )) (٢).

هذا وهناك بعضٌ من الناس لا ترقى ذكرياتهم إلى أن تنشر على الناس لخصوصيتها المطلقة أو لضعفها النسبي أو

(١) أحد المحققين الكبار للتراث، وهو مشهور في الأوساط الأدبية، معاصر، باق.

(٢) (( غربة الراعي )): ٥ - ٦.

49

لغير ذلك، فمثل هؤلاء يصح لهم أن يكتبوا ذكرياتهم لأنفسهم أو لأولادهم وأحفادهم، قال الأستاذ علي الطنطاوي- رحمه الله تعالى- في ذكرياته:

(( أوصي كل قارئ لهذه الفصول أن يتَّخذ له دفتراً يدوِّن فيه كل عشية ما رأى في يومه، لا أن يكتب ماذا طبخ وماذا أكل، ولا كم ربح وكم أنفق، فما أريد قائمة مطعم ولا حساب مصرف، بل أريد أن يسجل ما خطر على باله من أفكار وما اعتلج في نفسه من عواطف، وأثر ما رأى أو سمع في نفسه، لا ليطبعها وينشرها فما كلُّ الناس من أهل الأدب والكتابة والنشر ولكن ليجد فيها يوماً نفسه التي فقدها )) (١).

لكن قد تساوي ذكريات بعض الدعاة ممن ليست له دُربة أدبية ولا لغة راقية ذكريات جماعة كبيرة من الأدباء من حيث قيمتها وأهميتها، فيمكن للأخ الداعية أن يسطرها للنشر بلغة مقبولة على الأقل مرتفعة عن الخطاب السوقي العامي، وسيعوض غزارة ما فيها من ذكريات مهمة النقص في الأسلوب أو الركاكة في بعض الجُمل، والله أعلم (٢).

والذي ينبغي على كل من انصرفت همته لكتابة ذكرياته ونشرها الآتي:

١ - التعجيل بكتابتها قبل الهرم والشيخوخة، فإن المرء

(١) (( ذكريات )): ٩.

(٢) انظر رقم ٤ الآتي.

50

الهرم يملُّ ويكلُّ، وينسى كثيراً من الأمور المهمة التي مرّت عليه في حياته، وقد تسقط من ذاكرته للأبد، فالقيد هنا بالتبكير بالكتابة مهم، وما أصدق ما قاله الأستاذ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى- عندما كتب ذكرياته في حال شيخوخته:

(( لم أجد عندي شيئاً مكتوباً أرجع عند تدوين الذكريات إليه وأعتمد عليه، وما استودعتُ الذاكرة ضعفت الذاكرة عن حفظه، وعجزت عن تذكُّره، لذلك أجّلت وما طلت، وحاولت الهرب من غير إبداء السبب )) (١).

وقال أيضاً:

(( وليس لدي أوراق مكتوبة أدوِّن فيها الحادثة عند حدوثها وأصف أثرها في نفسي، وهذا تفريط كان مني لم يعد إلى تداركه من سبيل )) (٢).

وقال أيضاً: (( كنت أغرف من بحر وأنا اليوم أنحت في الصخر، كان الفكر شاباً فشاخ ... كان قلمي يجري على القرطاس كفرس السباق لا أستطيع أن أجاريه فأمسى كالحصان العجوز أجرُّه فلا يكاد يُجَر، كانت المعاني حاضرة والقلم مستعداً ... )) (٣).

وقال الأستاذ إحسان عباس:

(١) (( ذكريات )): ١/ ٥.

(٢) المصدر السابق: ١/ ٩.

(٣) المصدر السابق: ١/ ١٦.

51

(( إن كان هناك من عيب في الإقدام على كتابة مثل هذه السيرة فذلك هو أنها تأخرت في الزمن، وكان من الحق أن أكتبها قبل حلول الشيخوخة وامتلاء النفس بألوان من المرارة والخيبة )) (١).

وهناك علاج ناجح لتذكر عدد من الوقائع التي أصبحت طيّ النسيان ألا وهو أن يجتمع مدون ذكرياته بمجموعة تذكره ما نسيه، وتطرح عليه أسئلة مناسبة لتجعله يتذكر ما أغلفه وأهمله، فتسأله عن أشخاص محددين أو قضايا محددة، وهذا مفيد مجرب.

٢ - تسطير الوقائع كما وقعت مع التعليق عليها بما هو مناسب للمقام حتى تكتمل الفائدة المرجوّة من إيرادها، فإن بعض الوقائع لا يكاد القارئ يفقه المراد من تسطيرها أو يجهل سبب وقوعها، أو لا يدرك خلفيات الأحداث ومجرياتها، لذلك لا بد من كتابة الوقائع مع التعليق المناسب، واستخلاص العبر والعظات مما جرى، فإن ذكريات الدعاة ليست كغيرها من الذكريات.

٣ - التدرج في كتابة الذكريات:

إذا أن أكثر ما يصد الناس عن كتابة ذكرياتهم ضخامة ما فيها من معلومات وتفاصيل، فإذا نظر إلى شريط حياته وتدبَّره فإنه سيوقن بعظم ماهو مقبل عليه، ومثل هذا قد

(١) (( غربة الراعي )): ٧.

52

ينصرف كلياً عن كتابة أي شيء، خاصة إن كان في زمان الشيخوخة أو حولها، وبعضهم قد يكتفي بكتابة شيء يسير يضيع على الناس معه كنوز عظيمة، فعلاج مثل هذا أن يشجع على الكتابة ولو نصف ساعة كل يوم، أو أن يجمع له بعض الطلبة النابهين يسجلون له ما يقول في جلسات متعددة طويلة، ويحفزون ذاكرته بما يلقونه عليه من أسئلة، وهذا مجرَّب نافع لا شك، وكم من ممتنع عن كتابة ذكرياته سَلُس قياده بمثل هذه الأفكار، وليُعلم أن هؤلاء كنز للأجيال اللاحقة، فليحرص عليهم وليُتخير منهم من عظمت قيمة ذكرياته بعظيم ما ورد فيها من أحداث.

٤ - كتابتها بالأسلوب الأدبي المناسب، فإن بعض الأشخاص المتعرضين لكتابة الذكريات لا يرقى أسلوبهم إلى أن يكون جذاباً مشوِّقاً، وقد ينصرف القارئ تماماً عن الكتاب بسبب هذا، لذلك ينبغي الاعتناء بطريقة الكتابة اعتناء مناسباً، وحبذا لو سُوعِد من كان لا يستطيع تسطير ذكرياته على وجه مناسب بشخص يصوغ له الأحداث بأسلوب جيد مناسب.

٥ - عدم إيراد ما يؤذي الآخرين، فإن الأحداث ليست ملكاً لصاحب الذكريات فقط بل هي له ولغيره، فلا يورد شيئاُ يرى أنه يضرُّ الآخرين بوجه أو بآخر، وإن فعل فليغفل الأسماء، وليبتعد بالسياق عما يمكن أن يعرف منه أسماء الأشخاص مما يجرُّ إليهم الأذى أو الحرج، فإن

53

ذلك لا يجوز، وهو من خوارم المروءة.

٦ - عدم الاستطراد إلا بقدر، والإيجاز في إيراد الأحداث، فإن أهل هذا العصر لا يحتملون التطويل، ولا يقبلون على القراءة إقبال القدامى عليها، فالإطناب يحرم القراء من الثروات التي في الذكريات، كما أن الإيجاز يرغّبهم في قراءة الذكريات والإقبال عليها.

٧ - وينبغي أن يُعلم أنه بقدر ما تسطر في الذكريات من مهمات الوقائع سيكون الإقبال عليها والاستفادة منها، فليحرص كل كاتب لذكرياته أن يجتهد في كتابة ما ينفع العامة، لا أن يجعلها ميداناً للحديث عن نفسه والفخر بما صنع، ولا بأس في الحديث عن نفسه بقدر لكن لا يجعلها كأنها كانت محوراً للأحداث، والصانعة لها، فإن الحديث عن النفس ثقيل، فليخفف منه كل من كتب ذكرياته ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، والله أعلم (١).

(١) ومن كتب المذكرات المهمة المتعلقة بالدعوة إلى الله تعالى كتاب (( مذكرات الدعوة والداعية )) للإمام حسن البنا، وكتاب (( من سجل ذكرياتي )) للشيخ محمد محمود الصواف، وأجزاء من كلام الشيخ علي الطنطاوي في (( ذكرياتي ))، وبعض أجزاء من كلام الشيخ الندوي في كتابه (( في مسيرة الحياة )) وكتاب (( مذكرات سائح في الشرق العربي )) له أيضاً، وكتاب (( ذكريات لا مذكرات )) للأستاذ عمر التلمساني، وغير ذلك من الكتب.

54

النوع الثالث

اللوائح (١)

اللوائح تضبط قضية التوريث أيما ضبط، وتنقل للأجيال الخبرة على وجه ليس فيه إفراط ولا تفريط، وقضية اللوائح والاعتناء بها قضية مهملة في المؤسسات الدعوية إلا قليلاً منها، وذلك في المؤسسات الحكومية والشعبية وإن كانت الحكومية أحسن حالاً من أختها قليلاً، فتجد تلك المؤسسات والهيئات إذا تغير موظَّفوها أو مسؤولوها فإن مَن يأتي بعدهم يبدأ من المكان الذي ابتدأ من سلفه، ويقع في الأخطاء نفسها التي وقع فيها مَن قبله، وذلك في مجالات التوظيف، وإدارة الأعمال، والتعامل مع الآخرين، ووضع الخطط، إلخ ....

(١) اللوائح هي ما تضعه الإدارات المختلفة من ضوابط وقرارات لإدارة العمل على وجه يضمن حسن السير وكمال النتائج، وجاء في (( المعجم الوسيط )): لوح: اللائحة: مجموعة من المواد توضع لتنظيم العمل في هيئة، أو مؤسسة.

55

فينبغي إذاً على كل من كان على رأس هذه المؤسسات أن يعتني كل الاعتناء بأن يستفيد من جهود من قبله ولو لم تكن على هيئة لوائح مكتوبة منضبطة، ثم يجتهد في وضع اللوائح التي تضبط عمل مؤسسته في جميع المجالات، وليورث ذلك لمن يجيء بعده؛ فإن العمل الدعوي لن يرتقي إلا على أمثال هذا الصنيع أو ما يقاربه.

ولأضرب المثل على ما قلت فإني أذكر الواقعة التالية:

طلب أحد المسؤولين عن إحدى المؤسسات التعليمية في دولة آسيوية خطة متكاملة عن قضية التعامل مع مؤسسة أخرى، فلما وضعت هذه الخطة بعد جهد جهيد تذكر أحد أفراد المؤسسة أن هناك خطة وضعت في عهد المدير السابق، فبحثوا عنها طويلاً فلم يجدوها، وهذا التفريط من قبل المسؤولين في الاحتفاظ بالخطة السابقة أدّى إلى تضييع جهود الفريقين اللذين وضعا الخطة: السابق واللاحق، وأدّى أيضاً إلى عدم معرفة الحال الذي كتبت فيه الخطة السابقة لبناء الخطة الحالية عليها، وإذا أريد معرفة مكمن الخلل فسيتضح في أنه ليست لتلك المؤسسة اللوائح اللازمة للتوريث، فلم يدر المسؤول اللاحق مجالات عمل الإدارة السابقة ولا ما

56

اعتنت به أو أهملته؛ إذ ليس هناك مرجع على الإطلاق يمكنه من الإحاطة بأعمال من سبقه.

وينبغي أن يُعلَم أن قضية التوريث مرتبطة ارتباطاً عظيماً بقضية مهمة ألا وهي قضية الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل.

57

النوع الرابع

الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل

الدعاة عندما يكتبون إنما يضعون عصارة تجاربهم في مؤلفاتهم، ويقصُّون على الأجيال قصة كفاحهم، وعملهم في دعوتهم، أو يبينون لهم كيف يخطون الخطى الواثقة لاستعادة المجد لأمتهم، والملاحظ أن كثيراً من شباب الدعاة قد انصرف كلياً أو جزئياً عن مؤلفات أولئك الأئمة، وأن عدداً كبيراً من هؤلاء يجهل حتى أسماء تلك الكتب، أو أنه قد اطلع عليها منذ سنوات طويلة خلت فلم يعد يتذكر ما سطَّروه فيها، صحيحٌ أن هنالك كتباً كتبت في ظروف معينه ولم تعد ملائمة لهذا العصر إلا من باب التأريخ للدعوة، كالكتب التي ردَّت على المذاهب الشيوعية والاشتراكية والوجودية والقومية العربية، وغيرها من الكتب التي كانت نافعة في زمنها لدعاة ذلك العصر الغابر الذي أنقذنا الله تعالى منه، لكن أكثر الكتب التي كتبت ما زالت تمثِّل ضياء

58

على طريق الدعاة، ورشاداً يسترشدون به في زمانهم هذا، وإنه لمن العجيب أن يقبل الدعاة على رسائل وكتب تعد فرعاً من تلك الدوحة السامقة، ولو رجعوا إلى الأصل لاستفادوا فائدة عظيمة.

إن تضييع تلك الكتب لهو إهمال لقضية التوريث الدعوي برمتها، ودليل على هوان أولئك الأعلام على دعاة هذا العصر، الذين لو عقلوا لوضعوا تلك المؤلفات في الموضع اللائق بها، ولأسَّسوا لها اللجان والمراكز التي تستخلص أهمَّ مافيها وتنشره ليطَّلع عليه أهل هذا الزمان وليورِّثوه لمن بعدهم التوريث اللائق المطلوب (١).

(١) من تلك الكتب: (( هذا الدين )) و (( المستقبل لهذا الدين )) للأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، وكتاب (( معالم على الطريق ))، وكتاب (( في ظلال القرآن )) وكلاهما للأستاذ سيد أيضاً، وبعض كتب أخيه الأستاذ محمد حفظه الله تعالى، وبعض كتب الأستاذ الندوي وبعض كتب الأستاذ المودودي خاصة كتاب (( تذكرة دعاة الإسلام ))، وغير ذلك من الكتب النافعة التي كادت تنسى اليوم.

59

- التوريث مع التقويم والتحسين والإضافة:

إن التوريث لا تتم فائدته، ولا يظهر أثره إلا بالإضافة عليه وتحسينه، والارتقاء به، وهذا فيه كلام تقدم قبل ذلك ذِكْرُ أهميته (١)، وقال الدكتور محمد أبو فارس موضحاً ومبيناً:

(( إن مما لا شك فيه أن هذه الأمة خرّجت من الدعاة والعلماء والفقهاء والمحدِّثين والمصلحين والوعَّاظ الزاهدين وغيرهم مما لا يحصرهم كتاب، وهؤلاء عاشوا في ظروف مختلفة وأماكن متباعدة، ومع شعوب مختلفة وأجناس متعددة، فعلّموها ودعوها إلى الخير والإصلاح، وأمروها بالمعروف ونهوها عن المنكر، وواجهوا في سبيل ذلك مشاكل ومصاعب، وابتكروا من الأساليب ما عالجوا ما كان يَجِدّ من المشاكل، فأصبح عند كل قوم أو بلد أو جيل تجربة لعلمائه وفقهائه ومصلحيه ووعاظه، وكانت هذه التجارب ينقلها التلاميذ عن الشيوخ فيزيدون عليها ويحسنون فيها.

إن تجارب هؤلاء الدعاة على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم وتخصصاتهم معين ثَرُّ لا ينضب، على الدعاة أن يبحثوا عن هذه الأساليب ويستفيدوا منها ويُحسِّنوها )) (٢).

(١) انظر المقدمة والتمهيد.

(٢) (( أسس في الدعوة )): ٨٣ - ٨٤.

60

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080