الهمة طريق إلى القمة
وسائل ترقية الهمة
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
وسائل ترقية الهمّة
إذا عرفنا معنى الهمّة، ومراتبها، وأهميتها، فكيف السبيل لتنميتها والرقي بها؟
إن تطوير الإنسان لهمته والرقي بها أمر مطلوب، ويتأكد هذا المطلوب عند عقلاء الناس ومفكريهم ودعاتهم ومصلحيهم، وهذه جملة أمور تساعد - في ظني - على تطوير الهمم:
١ - المجاهدة
فبدونها لا يتحقق شيء ولا تُخطى خطى، قال تعالى:
(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (١)
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
(( أعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غُلب وضعه، فدخل عليه الطبيب يوماً وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحل ... لك، فإنك تعين على نفسك، وتكون سبباً لفوات مطلوبك )) (٢).
(١) العنكبوت: ٦٩.
(٢) (( روضة المحبين )): ٧٠.
43
فهذا رغم مرضه - يجاهد ليقرأ ويزداد علماً.
وقال الإمام عيسى بن موسى:
(( مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك، لأجل البكور إلى سماع الحديث )) (١).
وقال الإمام عبد القادر الجيلانيّ رحمه الله تعالى:
(( كنت أقتات بخرنوب الشوك، وقمامة البقل، وورق الخس من جانب النهر والشط، وبلغت الضائقة في غلاء نزل بغداد إلى أن بقيت أياماً لم آكل فيها طعاماً، بل كنت أتبع المنبوذات أطعمها )) (٢).
وهذا جنديّ من الجنود الغربيين يحدث عن مجاهدته في تعلم بعض الفنون، فيقول:
(( تعلمت وأنا جندي بسيط بمرتب ستة بنسات في اليوم ... ولم يكن لدي مال أشتري به مصباحاً أو زيتاً، وكان من النادر في ليالي الشتاء أن أحصل على نور ما عدا نور النار، وذلك أثناء نوبتي في
(١) (( ذيل طبقات الحنابلة )): ١/ ٢٩٨.
(٢) (( الدلائل النورانية لطالب الربانية )): ١٥٤ - ١٥٥.
44
الخدمة فقط، وكنت أضطر أن أتخلى عن مُشترى قسم من القوت الضروري لي، لأشتري قلم رصاص أو ورقاً ولو بقيت متحملاً آلام الجوع الشديد، ولم يكن لي دقيقة من الوقت أستقلُّ بها لنفسي، فكان علي أن أقرأ وأكتب بين حديث وقهقهة وغناء وجَلَبة عدد لا يقل عن عشرين جندياً ممن لا يفكرون بشيء ...
وكان مجموع ما يوفره كل منا بعد نفقاته بنسين في الأسبوع، وأذكر أني احتلت مرة لتوفير نصف بنس بعد نفقاتي الضرورية اليومية، وصممت على أن أشتري به سمكة في الصباح، وكان الجوع قد بلغ مني مبلغه ولكنني لما خلعت ثيابي في الليل وجدت أن نصف البنس قد ضاع، فغطيت رأسي بملاءتي الحقيرة وجعلت أبكي كالطفل )).
ثم قال:
(( إذا كنت في وسط هذه الأحوال الصعبة أتمكن من تحصيل العلم، فهل يبقى في العالم كله شاب يجد لنفسه عذراً في القعود عن الدرس والتحصيل )) (١).
٢ - الدعاء الصادق والالتجاء إلى الله تعالى
فهو المسؤول سبحانه أن يقوي إرادتنا، ويعلي همتنا، ويرفع درجاتنا.
(١) (( سبيلك إلى الشهرة والنجاح )): ٣٥ - ٣٦.
45
٣ - اعتراف الشخص بقصور همته وأنه لا بد له أن يطورها ويعلو بها
وهذا أمر أوليّ نفسيّ لا مناص منه في هذا الباب، ومن ثَمّ لا بد أن يعتقد أنه قادر على أن يكون من أهل الهمّة العالية، فهذان الأمران - الاعتراف بقصور الهمّة، واعتقاد إمكانية تطويرها - عاملان مهمان لابد منهما في محاولة تطوير الهمّة، وبدونهما لا يكون الشخص قد خطا خطوات صحيحة.
٤ - قراءة سير سلف الأمة
أهل الجد والاجتهاد والهمّة العالية، الذين صان الله تعالى بهم الدين، فكم من إنسان قرأ سيرة صالح مجاهد فتغيرت حياته إثر ذلك تغيراً كلياً، وصلح أمره وحسن حاله.
يقول الإمام ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى:
(( أعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي بها المبتدىء، ولا صاحب ورع فيستفيد منه المتزهد (١)، فالله الله، وعليكم بملاحظة سير القوم، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم ... ولقد نظرت في ثَبَت الكتب (٢) الموقوفة في المدرسة
(١) يقول هذا عن أهل زمانه، فماذا نقول عن أهل زماننا؟ إلى الله المشتكى.
(٢) أي فهرست الكتب.
46
النظامية (١) فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد، وفي ثَبت كتب أبي حنيفة، وكتب الحميديّ (٢)، وكتب شيخنا عبد الوهاب (٣)، وابن ناصر (٤)، وكتب أبي محمد الخشاب (٥)
، وكانت أحمالاً، وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه، ولو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب (٦).
فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه مَن لم يطالع، فصرت أستزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب، ولله الحمد )) (٧).
وقال علي بن الحسن بن شقيق (٨):
(( قمت لأخرج مع ابن المبارك (٩) في ليلة باردة من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث، أو ذاكرته، فما زلنا نتذاكر حتى جاء المؤذن للصبح )) (١٠).
وقال محمد بن علي السلميّ (١١):
(( قمت ليلة سحراً لأخذ النوبة على ابن الأَخْرم (١٢)، فوجدت قد
(١) وهي المدرسة المنسوبة إلى نظام الملك الوزير المشهور.
(٢) الإمام الكبير شيخ الإمام البخاريّ، عبد الله بن الزبير القرشيّ الأسديّ الحُميديّ المكيّ، أبو بكر، توفي بمكة سنة ٢١٩ رحمه الله تعالى. انظر (( التقريب )): ٣٠٣.
(٣) الشيخ الإمام، الحافظ المفيد، الثقة المسند، أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد البغداديّ الأنماطيّ، ولد سنة ٤٦٢، وجمع فأوعى، وكان حسن المعاشرة، سريع الدمعة، على طريقة السلف، توفي سنة ٥٣٨ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٢٠/ ١٣٤ - ١٣٧.
(٤) الإمام المحدث الحافظ، مفيد العراق، أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد السَلاميّ البغداديّ، ولد سنة ٤٦٧، وقرأ ما لا يوصف كثرة، وحصل الأصول، وجمع وألّف، وبَعُد صيته، وكان فصيحاً مليح القراءة، قوي العربية، جم الفضائل، توفي سنة ٥٥٠ رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ٢٠/ ٢٦٥ - ٢٧١.
(٥) الشيخ الإمام، العلامة المحدِّث، إمام النحو، أبو محمد عبد الله بن أحمد البغداديّ، ابن الخشاب، يُضرب به المثل في العربية، ولد سنة ٤٩٢، وقرأ كثيراً، وفاق أهل زمانه في علم اللسان، وكان له أحوال عجيبة في التبذل وقلة النظافة، توفي رحمه الله تعالى سنة ٥٦٧. انظر المصدر السابق: ٥٢٣ - ٥٢٨ ..
(٦) انظر إلى همة هذا الإمام القعساء، رحمه الله
(٧) (( قيمة الزمن عند العلماء )): ٣١.
(٨) المروزيّ، له ترجمة مختصرة في (( الجرح والتعديل )): ٦/ ١٨٠.
(٩) عبد الله بن المبارك المروزيّ الحنظليّ - بالولاء -. ثقة ثبت، فقيه عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير. توفي سنة ١٨١ وله ثلاث وستون سنة. انظر (( التقريب )): ٣٢٠.
(١٠) (( نزهة الفضلاء )): ٢/ ٦٥٧.
(١١) لم أقف له على ترجمة.
(١٢) مقرىء دمشق، العلامة أبو الحسن محمد بن النضر بن مُرّ الربَعيّ الدمشقيّ، ابن الأخرَم، كان يحفظ كثيراً من التفسير ومعانيه، وكانت له حلقة عظيمة بجامع دمشق، توفي رحمه الله تعالى سنة ٣٤١ وعاش ٨١ سنة. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٥/ ٥٦٤ - ٥٦٦.
47
سبقني ثلاثون قارئاً، ولم تدركني النوبة إلى العصر )) (١).
وهذا الخبر كلما قرأته تعجبت من همة أولئك الأطهار، جعلنا الله منهم.
٥ - مصاحبة صاحب الهمّة العالية:
إذ كل قرين بالمقارن يقتدي، والنظر في أحواله وما هو عليه، وكيف يُختصر له الزمان اختصاراً نافع مفيد.
وهذا من أعظم البواعث على علو الهمّة، لأن البشر قد جُبلوا على الغيرة والتنافس ومزاحمة بعضهم بعضاً، وحُب المجاراة في طبائع البشر أمر لا ينكر.
٦ - مراجعة جدول الأعمال اليومي، ومراعاة الأولويات، والأهم فالمهم
وهذا أمر مفيد في باب تطوير الهمّة، إذ كلما كان ذلك الجدول بعيداً عن الرتابة
والملل كان أجدى في معالجة الهمّة، ومثال ذلك شخص اعتاد أن يزور أقاربه أو صحبه كل يوم، ويقضي الساعات الطوال معهم بغير فائدة تذكر، فمراجعة مثل هذا الشخص لجدول عمله تفيده أيما فائدة بحيث يقلل من تلك الزيارات لصالح أعمال أخرى تعود على همته بالفائدة.
(١) المرجع السابق: ٢/ ١٢٤٥.
48
٧ - التنافس والتنازع بين الشخص وهمته
أعني بهذا أن على مريد تطوير همته أن يضيف أعباءً وأعمالاً يومية لنفسه لم تكن موجودة في برنامج حياته السابق، بحيث يحدث نوع من التحدي داخل الإنسان لإنجاز ما تحمله من أعباء جديدة، ويجب أن تكون هذه الإضافة مدروسة بعناية وإحكام حتى لا يصاب الشخص بالإحباط واليأس.
ويجب عليه كذلك أن يحسن اختيار هذه الأعمال والأعباء الجديدة بحيث تكون مبلغة له إلى الكمال، (( فمن كانت همته حفظ جميع كتب محمد بن الحسن (١) فالظاهر أنه يحفظ أكثرها أو نصفها )) (٢).
فالتحدي الذي نشأ في نفسه بسبب رغيته في حفظ كتب معينة سيوصله إلى حفظ أكثرها، والله أعلم.
٨ - الدأب في تحصيل الكمالات والتشوق إلى المعرفة
فمن استوى عنده العلم والجهل، أو كان قانعاً بحاله وما هو عليه فكيف تكون له همة أصلاً، قال ابن حجر (٣) رحمه الله يصف حال الإمام جلال الدين البُلْقِينيّ (٤):
(١) محمد بن الحسن بن فَرْقد، العلامة فقيه العراق، أبو عبد الله الشيبانيّ الكوفيّ، صاحب أبي حنيفة، ولد بواسط ونشأ بالكوفة، وأخذ عنه الشافعيّ فأكثر جداً، وولي القضاء للرشيد بعد أبي يوسف، وكان فصيحاً إلى الغاية. توفي سنة ١٨٩ بالري رحمه الله تعالى. انظر (( سير أعلام النبلاء )) :٩/ ١٣٤ - ١٣٦.
(٢) (( تعليم المتعلم )): ٦٠
(٣) أحمد بن علي بن محمد، الأستاذ إمام الأئمة، أبو الفضل الكنانيّ العسقلانيّ المصريّ الشافعيّ، ويُعرف بابن حجر، وهو لقب لبعض آبائه، ولد سنة ٧٧٣ بمصر القديمة، ونشأ بها يتيماً وجد في العلوم حتى بلغ الغاية، وله المصنفات الحسنة، ولي بعض المناصب كالقضاء والحسبة والإمامة، توفي بالقاهرة سنة ٨٥٢ رحمه الله تعالى. انظر (( الضوء اللامع )) :٢/ ٣٦ - ٤٠.
(٤) عبد الرحمن بن عمر بن سلامة العسقلانيّ الأصل، ثم البُلْقِينيّ المصريّ، أبو الفضل جلال الدين، من علماء الحديث بمصر، ولي القضاء مراراً وانتهت إليه رئاسة الفتوى بعد أبيه، وله مصنفات، توفي بالقاهرة سنة ٨٢٤. انظر (( الأعلام )): ٣/ ٣٢٠.
49
(( ما رأيت أحداً ممن لقيته أحرص على تحصيل الفائدة منه، بحيث إنه كان إذا طرق سمعَه شيء لم يكن يعرفه لا يقر ولا يهدأ ولا ينام حتى يقف عليه ويحفظه، وهو على هذا مكب على الاشتغال، محب في العلم حق المحبة )) (١).
وقال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز:
(( إن نفسي تواقة، وإنها لم تُعط من الدنيا شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما أُعطيَت ما لا أفضل منه في الدنيا تاقت إلى ما هو أفضل منه - يعني الجنة - )) (٢).
٩ - الابتعاد عن كل ما من شأنه الهبوط بالهمّة وتضييعها:
كثير من الصالحين تضيع طاقاتُهم في أمور لا تعود عليهم بالنفع بل قد يكون فيها كثير من الضرر، فمن صور هذا التضييع:
أ- كثرة الزيارة للأقارب بدون هدف شرعيّ صحيح، ولا غرض دنيويّ فيه منفعة
وفائدة معتبرة.
ب- كثرة الزيارة للأصحاب والإخوان بدعوى الأخوة والتناصح، فيكثر في المجلس اللغو والمزاح وتقل الفائدة.
(١) (( الضوء اللامع لأهل القرن التاسع )): ٤/ ١٠٩.
(٢) (( عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين )): ٣٤.
50
يقول الإمام ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى:
(( أعوذ بالله من صحبة البطّالين، لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما اعتاد الناس من كثرة الزيارة ويسمون ذلك التردد: خدمة، ويطيلون الجلوس، ويُجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني ويتخلله غيبة، وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور وتشوق إليه واستوحش الوحدة، وخصوصاً في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان.
فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء والواجب انتهابُه بفعل الخير كرهتُ ذلك وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غُلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق )) (١).
وكلام الإمام هذا ينطبق - في الجملة - على حال كثير من اللقاءات والاجتماعات التي يقوم بها الناس اليوم.
(١) (( قيمة الزمن عند العلماء )): ٢٨.
51
ج- الانهماك في تحصيل المال بدعوى التجارة وحيازة المال النافع للإسلام وأهله، ثم لا يلبث هذا الأمر أن ينقلب إلى تحصيل محض، وحب للدنيا والانغماس فيها، ومن ثَمّ يقسو قلب الشخص وتنحط همته.
د- تكليف الموظف نفسه بعملين: صباحيّ ومسائيّ بدون حاجة أو ضرورة ملجئة، وإنما دفعه لهذا حُب هذه الدنيا والتمتع فيها.
هـ- كثرة التمتع بالمباح، والترف الزائد، والترفل في النعيم، وكل هذه الأمور من العوامل الفتاكة القاضية على الهمّة مهما قيل في تبريرها وتعليلها.
ذكر ابن حجر رحمه الله أن تاج الدين المراكشيّ- أحد فقهاء الشافعية (١) - كان قد (( انقطع بالمدرسة الأشرفية ملازماً للقراءة والاشتغال، صبوراً على ذلك جداً، بحيث يمتنع عن الآكل والشرب (٢) والملاذ بسبب ذلك )) (٣).
وهذه الأمور من المباحات قطعاً، ولكن ذلك الفقيه علم أن الإكثار منها والولع فيها سبب لسقوط الهمّة وضعف العمل.
(١) محمد بن إبراهيم بن يوسف، تاج الدين المراكشي، الفقيه الشافعيّ، ولد بالقاهرة، بعد السبعمائة، وتقدم في الفنون، وكان طويل النفَس، كان مطموس العينين يبصر بإحداهما قليلاً، وكان يعطي الأجرة لمن يطالع له، توفي سنة ٧٥٢ رحمه الله تعالى. انظر (( الدرر الكامنة )) :٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
(٢) أي عن فضولهما.
(٣) (( الدرر الكامنة )): ٣/ ٣٨٧.
52
وذكر السبكيّ (١) أن أباه الإمام تقيّ الدين (٢) (( كان من الاشتغال على جانب عظيم بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره ... كان يخرج من البيت صلاة الصبح فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجد أهل البيت قد عملوا له فرّوجاً فيأكله ويعود إلى الاشتغال إلى المغرب فيأكل شيئاً حُلواً لطيفاً، ثم يشتغل بالليل، وهكذا لا يعرف غير ذلك، حتى ذكر لي أن والده قال لأمه: هذا الشاب ما يطلب قط درهماً ولا شيئاً فلعله يرى شيئاً يريد أن يأكله فضعي في منديله درهماً أو درهمين، فوضعت نصف درهم، قالت الجدة: فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديل معه والنصف فيه إلى أن رمى به إليّ وقال: أيش أعمل بهذا؟ خذوه عني )) (٣).
وهذا مثال على أن الفتيان إذا أحسن توجيههم وتربيتهم ارتفعوا عن الترف والتنعم، وأخذوا بأسباب المعالي والرفعة.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
(( قال لي يوماً شيخ الإسلام (٤) قدس الله روحه في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطاً في
(١) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكيّ، أبو نصر تاج الدين الشافعيّ، ولد سنة ٧٢٧، وأمعن في طلب الحديث حتى مهر وهو شاب مع ملازمة الاشتغال بالفقه والأصول والعربية، انتهت إليه رئاسة القضاء والمناصب بالشام، وحصل له محن شديدة وهو ثابت، وكان كريماً مهيباً، توفي سنة ٧٧١ رحمه الله تعالى. انظر (( الدرر الكامنة )): ٣/ ٣٩ - ٤٢.
(٢) علي بن عبد الكافي بن علي السبكيّ، تقي الدين، أبوالحسن الشافعيّ، ولد ب (( سبك العبيد )) بمصر سنة ٦٨٣، وتفقه وطلب الحديث وارتحل، ثم تولى قضاء دمشق سنة ٧٣٩، وكان ينظم كثيراً، وشعره وسط، وله مصنفات كثيرة. توفي بالقاهرة سنة ٧٥٦ رحمه الله تعالى. انظر (( الدرر الكامنة )): ٣/ ١٣٤ - ١٤٢.
(٣) (( طبقات الشافعية )): ١٠/ ١٤٤.
(٤) شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية، سيرته مشهورة، توفي سنة ٨٢٨ رحمه الله تعالى. انظر (( الدرر الكامنة )): ١/ ١٥٤ - ١٧٠.
53
النجاة، فالعارف يترك كثيراً من المباح برزخاً بين الحلال والحرام )) (١).
هذا والذي لام عليه الإمام ابن تيمية تلميذه (( شيء من المباح ))، فما بالكم بما نراه اليوم من تمتع الدعاة بمباحات ونعيم لا يعرفه الملوك السالفون.
والاستجابة للصوارف الأسرية استجابة كلية أو شبه كلية:
فنجد الشخص منهمكاً في تلبية مطالب زوجه وعياله وقد لا تكون مهمة في أحيان كثيرة، وقد يعترض معترض ويورد أحاديث لا تدل على ما ذهب إليه مثل (( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي )) (٢)، ومثل (( كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت )) (٣),
وغير ذلك، وإنما هذه الأحاديث في الحث على إحسان الخُلق مع الأهل وعدم تركهم وتضييعهم بالكلية كما لا يخفى، وقد دخلت علينا في حياتنا الأسرية كثير من التقاليد الغربية في أمر الاحتفاء الزائد بالأهل والأولاد، ودعوى ضرورة بناء مستقبلهم، وغير ذلك مما حاصله نسيان الكفالة الإلهية والضمان الربانيّ.
(١) (( مدارج السالكين )): ٢/ ٢٦.
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء، وأخرجه كذلك الترمذيّ وابن حبان.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم.
54
ز- التسويف
وهو داء عضال ومرض قتال، إذ أن (( سوف )) جند من جنود إبليس، قال الشاعر:
ولا أدخّر شغل اليوم عن كسل ... إلى غدٍ إنّ يوم العاجزين غدُ
ح- الكسل والفتور
(( لابد للمرء من البعد عن الكسل لأنه قاتل للهمّة مُذهب لها، وخاصة عند تقدم العمر وعجز الجسم، فهذا شيخ الإسلام زكريا الأنصاريّ (١) رحمه الله تعالى (( كان يصلي النوافل من قيام مع كبر سنه وبلوغه مائة سنة أو أكثر، وهو يميل يميناً وشمالاً لا يتمالك أن يقف بغير ميل للكبر والمرض، فقيل له في ذلك فقال: يا ولدي، النفس من شأنها الكسل وأخاف أن تغلبني وأختم عمري بذلك )) (٢).
(١) زكريا بن محمد الأنصاريّ المصريّ، عُمِّر طويلاً ورزق بتلامذة نجباء، وبارك الله له في مصنفاته، توفي بالقاهرة عن مائة سنة، وذلك سنة ٩٢٦ رحمه الله تعالى. انظر (( الكواكب السائرة )): ١/ ١٩٦ - ٢٠٧.
(٢) المصدر السابق: ١/ ٢٠٢.
55
وهذه أقوال تبين ما في العجز والكسل والفتور من آفات:
- (( ما لزم أحد الدَّعَة إلا ذَلّ، وحب الهوينا يُكسب الذلّ، وحب الكفاية (١) مفتاح العجز )) (٢).
- وقال الصاحب (٣):
(( إن الراحة حيث تعب الكرام أودع لكنها أوضع، والقعود حيث قام الكرام أسهل لكنه أسفل )) (٤).
- وقال الشاعر:
كأن التواني أنكح العجزَ ابنتَه ... وساق إليها حين أنكحها مهراً فراشاً وطيئاً ثم قال له: اتكىء ... فقُصرا كما لا شك أن تلدا فقراً
- وقد قيل:
(( زُوِّج العجز التواني فنتج بينهما الحرمان )) (٥).
(١) أي حب الاكتفاء بما عليه الإنسان وعدم الرغبة في الارتقاء.
(٢) (( محاضرات الأدباء )): ١/ ٤٤٨.
(٣) الوزير الكبير العلامة الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن عباس الطالقانيّ، الأديب الكاتب، وزير الملك مؤيد الدولة بويه بن ركن الدولة. صحب الوزير أبا الفضل بن العميد ومن ثم شهر بالصاحب. كان شيعياً معتزلياً، تياهاً جباراً، فصيحاً متقعراً. مات بالري سنة ٣٨٥ عن تسع وخمسين سنة. انظر (( سير أعلام النبلاء )): ١٦/ ٥١١ - ٥١٤.
(٤) المرجع السابق.
(٥) المرجع السابق.
56
ط- ملاحظة الخلق
أكثر الخلق مفرّطون، وهم في الغفلة غارقون، فهم صوارف عن الهمّة العلية حيث يُغتر بهم ويقلدون في تفريطهم، فالحذار الحذار من غفلة الغافلين والاغترار بها.
وقال الشاعر:
ترجو غداً وغد كحاملة ... في الحيِّ لا يدرون ما تلد
(( والإسراع في القيام بعمل من الأعمال يُزيل ما فيه من العناء، أما التأجيل فمعناه الإهمال، والعزم على العمل يصير مع الوقت عزماً على عدم العمل، وما أشبه من يعمل عملاً بمن يُلقي بذاراً في الأرض فإذا هو لم يعمله في حينه فإنه يبقى إلى الأبد بدون ثمرة، وليس صيف الزمان من الطول بحيث إن الأعمال المؤجلة تنضج ثمارها فيه )) (١).
(١) (( سبيلك إلى الشهرة والنجاح )): ١٠٦.
57
(( وإن للتأخر عواقب مشؤومة، فتأخر يوليوس قيصر عن قراءة رسالة وردت إليه كلفته خسارة حياته حين بلوغه مجلس الأعيان الرومانيّ، والكولونيل راهل قائد موقع ترانتون لما جاءه رسول يحمل إليه كتاباً متضمنناً نبأ اجتياز واشنطن لنهر ديلاور كان يلعب بالورق فوضع الكتاب في جيبه ولم يفضّه إلا بعد انتهاء اللعبة، وللحال سار في مقدمة جنوده إلى ميدان القتال فقتل ثم أخذ رجاله أسرى، فتأخّر بضع دقائق جَرَّ عليه خسارة الشرف والحرية الحياة )) (١).
هذان مثالان على ما يمكن أن يجره التسويف، ولا تستهن أخي الداعية بعاقبته فإن التسويف في الدعوة وغزو القلوب قد يؤخر تَسنُّم الشرف بتمكين دعوة الله في الأرض، وقد لا تتاح الفرص المتوفرة الآن - على قلتها - في المستقبل القريب فتعضَّ حينذاك أصابعك ندماً على ما فرطت فيه، وتُحصر الدعوة بسبب
(١) المصدر السابق. ١٠٤
58
تسويفك أنت وأمثالك في مضايق لا عهد لها بها، والله الموفق.
59