نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
المقدمة والتمهيد
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله موفّق من شاء إلى ما شاء، هدى عباده إلى طريق الرّشاد واستعملهم كيف شاء، سبحانه من ربّ حكيم عليم قادر على كل ما يشاء. الحمد لله الذي جعل في التاريخ عبراً للمعتبزين، وفي أحداثه وقصصه وعظاته مناراً للسالكين، وفي تقلّباته بأهل الدنيا علماً على فناء العالمين؛ ودليلاً على هوان الدنيا وخسران العاملين إلا الصالحين. وصلّى الله على سيدنا محمد الأمين؛ الذي أرشدنا إلى ما فيه خير الدنيا والدّين، وعلى أصحابه الأمجاد الطيّبين؛ الذين عبّروا التاريخ وأدهشوا المؤرّخين، وعلى أتباعهم الكرام ومن تبعهم إلى يوم الدّين، وبعد: فالتاريخ علم عظيم نافع، أحداثه ثورت العبرة، ومآسيه تُوجب العبرة، فحقّ على أهل هذه الصّحوة الإسلامية المباركة أن ينتفعوا به ويولوه اهتمامهم، ويستخرجوا منه ما يصحّح حاضرهم ويقوّم مسيرتهم ويصقل آراءهم.
نبذة عن كتاب «السّير» وسبب اهتمامي به
كتاب «السّير» كتاب حافل، جامع لفنون شتّى وأخبار كثيرة؛ لا تقتصر على عصر دون عصر، ولا مصر دون مصر، بل تشمل صدر الإسلام حتّى نهاية القرن السابع تقريباً، وقد أتت هذه الأخبار على غالب الأمصار الإسلامية. المؤرّخ يرى فيه بُغيتُه، والتّاظر في أخبار الرجال جرحاً وتعديلاً يجد فيه مطلبه، والباحث عن همم الرجال في الدّعوة والعبادة يرى فيه من بلغوا في هذا المضمار ذروته.
فيه أخبار من تاريخنا المشرق وضيّئات، وعلامات على الطّريق هاديات، وعبر كثيرات. وفيه أخبار عن رجال هذه الأمّة العظام، وشذرات من أحوالهم وعباداتهم يحتاجها من يريد رسم صورة يعيش عليها رجال الإسلام في عصرنا الحاضر
1
ومستقبلنا المشرق، إن شاء الله.
وفيه تذكير بعاقبة من ظلم وبغي وطغى، وبمن ابتدع وفسق وعصى، لعل أبناء زماننا يحذرون هذا المسلك الرديء. وفيه قصص جميلة ونوادر لطيفة يكون فيها بعض العوض عن غناء الأسواق، وقذارات الفساق الذين شغلوا الناشئة بالمجلات والقصص الماجنة. وفيه جملة عظيمة من قواعد الدين من توحيد وسلوك ومعاملات تقر بها أعين المؤمنين، وقد أورد الذهبي كل هذا في ثنايا أخبار المترجم لهم.
وكتاب «السير» - والحال ما وصفت - كتاب ضخم كبير، لا يستطيع جل أبناء هذا الزمان قراءته واستيعاب ما فيه من النفائس، كما أن فيه قدراً ضخماً من مادة الجرح والتعديل، وفيه عدد ضخم من الأحاديث والآثار، ويكاد يحصر مشايخ المترجم له وتلاميذه، وفيه آلاف التراجم التي يقتصر نفعها على فئة من المتخصصين في العلوم الشرعية، وفي الكتاب أسانيد طويلة، وقصص وأخبار بعضها ضعيف أو مكرر، وغير ذلك من الصوارف عن هذا الكنز الثمين والعقد الفريد، فقمت بتهذيب الكتاب بعد قراءته حتى يتيسر لكثير من الناس الوقوف على ما فيه من الفوائد التي هي مراد المصلحين، ووسيلة المربين، وأرجو من الله العلي القدير أن أكون قد وفقت في هذا العمل وسددت.
سبب اختياري هذا الكتاب
قد بينت مما سبق أسباباً لاختياري هذا السفر الماجد، ولكن هناك أسباب أخرى مهمة، منها:
(1) الإنصاف العظيم الذي يتمتع به مؤلف الكتاب - رحمه الله - فهو لا يكتفي بسرد تاريخ المترجم له دون التعليق - غالباً - على ما يراه ضرورياً لإنصافه؛ وذلك نحو الحكم على حكاية ألصقت به وهي غاضة من شأنه أو ذكر مبرر لعمل ظنه الناس سيئاً وهو يحتمل أوجهاً أخرى، أو نقد لتصرفاته نقداً شرعياً، ثم يحاول أن يخرج بحكم عام على المترجم له مقرون بالإنصاف.
وهذا العمل - أي الإنصاف في الحكم على الأشخاص - يعطي ضوءاً كاشفاً
2
تستطيع أن تستفيد منه الصَّحْوَةُ المباركة، فهي صحوة توشك أن تعطي ثمارها لولا ما يكدرها من تصرّفات بعض ذوي النظرات القاتمة الذين يرمون العلماء والدعاة بالفسق والابتداع والميل عن مذهب السلف لأيّ زلة، لا يعذرون أحداً، ولا يتقون الله في ظنّ مرجوح.
وهناك بعض آخر لا يستطيع العيش إلا بالطعن على المخالف، ونسيان محاسنه وكتمانها، فهؤلاء وأمثالهم تكفل الإمام الذهبي بالرد عليهم مما ستجده في ثنايا الكتاب واضحاً - إن شاء الله تعالى.
(٢) ثراء المادة النقدية في الكتاب؛ فالذهبي - رحمه الله - لا يدع أحداث التاريخ تمر دون نقد - غالباً - لما يحتاج النقد والتبيين فتراه يضعف حادثة منكورة، أو يصحّح وهماً أو مبالغة وقع فيها ناقل، أو يبين رأيه في أمر يحتاج إلى فصل وتبيين . . . إلخ، وهذه المادة النقدية تفقدها كثير من كتب التاريخ والتراجم، والنقد البناء يفيد في تصحيح أحداث التاريخ وإيرادها مورداً سليماً بعيداً عن المبالغة والغلو والضعف.
(٣) شمول هذا الكتاب واحتواؤه ما لم يحوه كثير من أمثاله؛ إذ أنه يجمع بين التاريخ والتراجم الموسعة، فكتاب «البداية والنهاية» - مثلاً - نجد فيه أخباراً تاريخية جمّة، ولكننا لا نجد فيه تراجم موسعة للعلماء والأخبار والأمراء والأشقياء وغيرهم، ومثله «كامل» ابن الأثير، و «تاريخ الأمم والملوك» للطبري، وهناك كتب تحوي تراجم موسعة - نوعاً ما - ولكننا لا نجد فيها أخباراً تاريخية مسلسلة على نهج متسق، وذلك نحو: «حلية الأولياء» و «الطبقات» لابن سعد، و «وفيات الأعيان» ونحو ذلك من كتب التراجم الكثيرة.
وأما هذا الكتاب ففيه قدر عظيم من التراجم الموسعة مع قدر طيب من التاريخ المنهجي المتسلسل المبتوث في ثنايا التراجم، وخاصة تراجم الخلفاء والملوك والأمراء.
(٤) كتاب «السير» يستوعب معظم من نبل في أعين الناس - غالبهم أو بعضهم وإن كان ساقطاً في الميزان الشرعي - فهو لا يختص بأهل مذهب فقهي معين، ولا
3
بالخلفاء والملوك والأمراء، ولا بالشعراء والنحويين وأهل الأدب، ولا بالأبطال والشجعان وقادة المعارك، ولا بالأطباء والحكماء والفلاسفة، ولا بأهل صنعة أو أهل نحلة، بل هو يشمل جميع الأصناف المذكورة، ويكاد يستوعب أخبار أمصار الإسلام.
صحيح أنه قد غلبت تراجم المحدثين على غيرهم، وهذا بسبب اعتناء الذهبي القوي بالحديث فهو الحافظ الماهر فيه، ولكن كثيراً من محدثي القرون الأولى الفاضلة ومن تلاهم كانوا فقهاء ومفسرين وغزاة في سبيل الله، وأدباء ونحويين، وغير ذلك مما اشتهروا به، رحمهم الله.
«منهج التهذيب»
(1) حذفت عدداً كبيراً جداً من التراجم التي يقتصر نفعها - في نظري - على فئة من المتخصصين، وما أبقيت - حسب اجتهادي القاصر - إلا التراجم التي فيها فائدة لعموم القراء. وقد بلغ عدد تراجم هذا التهذيب ثلاث وتسعون وتسعمائة ترجمة من أصل خمسة آلاف وتسعمائة وخمس وعشرين ترجمة.
(2) حذفت الأخبار المكررة واخترت أحسنها - كما أحسب - وحذفت الأخبار التي لا طائل من ذكرها، ويمكن الرجوع إليها في مظانها من الأصل.
(3) حذفت الأحاديث التي رواها الذهبي من طريق المترجم له بعلو.
(4) اخترت من الهوامش التي في الأصل ما يخدم غرض التهذيب الذي وضع لتقريب الكتاب إلى قارئه حتى يستمتع به دون صارف يصرفه أو قاطع يقطعه، وتصرفت فيما أثبته تصرفاً لا يُخل - إن شاء الله - ولم أثبت شيئاً من عندي إلا في مواضع معدودة تحتاج البيان.
(5) وضعت علامات للضبط والشكل تكملة لما وضعه المحققون حتى يستطيع القارئ المعاصر القراءة على وجه صحيح.
4
(٦) حذفت من الأسانيد كل ما يمكن حذفه، وما أبقيت إلا ما تدعو الحاجة إليه.
(٧) لم أذكر تخريج المحققين للأحاديث والآثار والأقوال إلا إماماً، وعند مواضع تدعو الحاجة فيها لذكر هذا التخريج، وهذا لسببين:
(١) المحققون الكرام توسعوا في التخريج توسعاً كبيراً يشكرون عليه، ولكن إيرادَه يخالف هدف هذا المختصر.
(٢) التخريج لا يهتم به كثير من العامة، ومن يريده يستطيع الرجوع إلى الأصل، فهو متوفر والحمد لله، ولا يستغني عنه طالب العلم. وقد استعصت عن ذكر التخريج بإبقاء الأحاديث والآثار والأخبار الداخلة في دائرة الاحتجاج، وأخرجت - كما أظن - من هذا التهذيب الموضوع والواهي وكل ما لا يحتج به، وذلك استناداً لتوهين الذهبي أو المحققين لها، واستثنيت ما يلي:
أ- ما تدعو الحاجة إليه لوروده في سياق خبر أو قصة، فأورده وأورد ما قاله الذهبي أو المحققون فيه.
ب - قد أبقي على ما صدره الذهبي بصيغة: قيل، ورُوي وغير ذلك من ألفاظ التضعيف.
وما سكت عنه الذهبي والمحققون ولم تظهر صحته - وهو جملة لا بأس بها - فإني أتخير منه وأورده.
(٨) وأما الترجمة نفسها فقد اقتصرت فيها على اسم المترجم له واسم أبيه وجده، وما يفيد في معرفة نسبه وبلده وصنعته، وأثبت سنتي ولادته ووفاته - إن وجدت - وحذفت الشهر واليوم. وأبقيت أقوى الأقوال في ذلك، وهذا حسب ترجيح المؤلف أو المحقق أو واضع هذا المختصر.
(٩) ذكرت عند كل ترجمة في الهامش مكان وجودها في الأصل؛ جزءاً وصفحة.
(١٠) وضعت أرقاماً تسلسلية للتراجم.
(١١) رجعت إلى عدد من المصادر والمراجع التي احتجتها لعمل هذا التهذيب - وهي قليلة نسبياً - ولم أذكرها.
(١٢) وإتماماً للفائدة فقد قمت بعمل فهرس للأعلام، وآخر للفوائد، وفهرس
5
الفوائد هذا سأشرح كيفية إيراده وطريقة استعماله آخر الكتاب - إن شاء الله - ويمكن اعتبار هذا الفهرس زبدة هذا التهذيب؛ فهو خلاصة ما في الكتاب من الفوائد مرتبة بطريقة معينة، يستطيع بها مبتغي فائدة ما الوصول إليها سريعاً، والحصول على حصر لمواضعها من الكتاب.
وبعد، فأرجو من قارئ هذا المختصر والمطلع عليه أن يتجاوز عن تقصيري أو إخلالي بشرط مما ذكرت، فهو جهد بشري عرضة للخلل والنقص، ومن وجد فيه شيئاً مخلاً فلينبهني مشكوراً، جزاه الله خيراً.
محمد حسين عقيل موسى
6
نبذة عن الإمام محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي
قال تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي: - «شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبدالله التركماني الذهبي محدث العصر. . بصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة. إمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنى ولفظاً، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها.
مولده في سنة ثلاث وسبعين وستمائة. . وطلب الحديث وله ثماني عشرة سنة فسمع بدمشق. . وبعلبك. . وبمصر. . والإسكندرية. . وبمكة. . وبحلب. . وبنابلس. . وفي شيوخه كثرة. . وسمع منه الجم الغفير، وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه. . وأقام بدمشق يرحل إليه من سائر البلاد. . صنف التاريخ الكبير. . والتاريخ الأوسط المسمى بالعبر وهو حسن جداً، والصغير المسمى: دول الإسلام، وكتاب النبلاء. . والميزان في الضعفاء وهو من أجل الكتب. . ومختصر سنن البيهقي وهو حسن. . وطبقات الحفاظ، وطبقات القراء. . ومختصرات كثيرة، وقرأ القرآن بالروايات وأقرأه. توفي سنة ٧٤٨ وكان قد أضر قبل وفاته بمدة يسيرة» (١).
(١) طبقات الشافعية الكبرى: ٩/١٠٠-١٢٣.
7