أيام في الأندلس (3/7)
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
أخبرني الأخ رضا الباروني التونسي، المدير السابق للمركز الإسلامي الثقافي في بلنسية الذي حدثتكم بحديثه في الحلقة السابقة، أخبرني بأنهم عقدوا منذ مدة مؤتمراً سموه بـ (أيام ابن الأبّار الثقافية) على مدار ثلاثة أيام، وابن الأبّار هو مؤرخ بلنسي مشهور، وعالم أندلسي مات وهو مقهور، فقد قتل في تونس في قصة محزنة، فأراد الأخوة أن يحيوا ذكراه فأقاموا له هذا المؤتمر، وأتوا فيه بمتحدثين كان منهم دانييل فينيتو، وهو دكتور محاضر في كلية تاريخ الفنون في جامعة بلنسية، فحاضر الجمع عن الفن الإسلامي، ووصل إلى حقيقة مهمة هي معروفة لكن غفل عنها فنانونا الذين أكثروا في الأرض الفساد، فقد ذكر أن كل الفنون في الإسلام على جلالتها وروعتها وسبقها قائمة على أمرين ومؤكدة لحقيقتين حقيقة التوحيد الخالص، وأن لهذا الكون إلهاً واحداً، وحقيقة أن كل ما على هذه الأرض من جمال وجلال، إنما هو زائل، ويبقى وجه الله تعالى الواحد القهار، هذا معنى كلامه، وهو قد أصاب كبد الحقيقة وسقط على المحز والمفصل.
وأيضاً تحدث في هذا المؤتمر د. خافيير مارتين مدير متحف التاريخ في بلنسية، تحدث عن حقيقة قال إنها سِر يفصح عنه لأول مرة ألا وهو أن المسلمين صنعوا المجاري في بلنسية على هيئة من الدقة والإتقان والإحسان إلى غاية لم يحتج الإسبان إلى تجديدها إلا في أوائل القرن العشرين، أي أنها بقت زيادة على سبعة قرون!!
وأن قنوات الري التي أنشأها المسلمون كانت من الدقة والإحاطة على وجه عجيب، وهذا اعتراف منهم ببعض جوانب حضارتنا لم يكونوا إلى عهد قريب يجرؤون على البوح والإشادة به.
وبلنسية حافظت على اسمها العربي حتى الآن مع تحوير خفيف جداً ليناسب النطق الإسباني، وأينما توجهت في الأندلس وجدت الألفاظ العربية حتى أن بعض الباحثين يقول: إن في اللغة الإسبانية سبع آلاف كلمة عربية، وإن أربعين بالمائة من الكلمات من أصول عربية، قال هذا د. دانييل السابق ذكره آنفاً، وتجد أسماء لقرى ومدن مثل بلد الوليد وبني محمد وبني كلاب وبنى جابر، والقصر والمعصرة وبني مسلم وبني قاسم، وقرطبة واشبيلية وغرناطة ومدريد وقلعة أيوب وشاطبة في مئات من الأسماء تنطق على وضعها العربي مع تحوير خفيف أو خفيف جداً، وهيئة القوم تدل على أن أصول بعضهم عربية، ولا جرم فقد بقي في الأندلس عشرات الآلاف من العرب المسلمين وربما وصل عدد من بقي إلى أكثر من مائة ألف فهؤلاء تركوا في هيئات من جاء بعدهم من ذرياتهم الملامح العربية.
وذهبت في زيارتي الأندلسية هذه إلى متحف التعذيب الذي تولى كبره وباء بإثمه محاكم التفتيش الباغية الطاغية المتجبرة الظالمة، وقد كانت مجلة المجتمع الغراء قد نشرت تحقيقاً مطولا عنها منذ مدة قريبة، وموقع هذا المتحف في بلدة سانتيانا دلمار، وقد كانت مجمعاً لقسيسين من كل إسبانيا بعد دخول المسلمين، وتقع على المحيط الأطلسي، شمال إسبانيا، ومناطق شمال إسبانيا تجمع فيها النصارى الفارون من أنحاء الأندلس، واستطاعوا أن يكونوا نواة دولتين: قشتالة ونافار، وهاتان الدولتان توسعتا بعد ذلك لتطردا المسلمين من كل الأندلس، وهذا الذي جرى كان بسبب تفريط المسلمين في متابعة فلول النصارى وطردهم إلى بلاد الغال (فرنسا) لكن (وكان أمر الله قدراً مقدوراً )، وعوض عن أن يصنع المسلمون ذلك شغلوا بثلاثة أمور: بالسرف والترف، وبالمعصية، وبالفرقة الهائلة التي بلغت بهم درجة الخيانة وبيع الأوطان فلا جرم أن يجري عليهم هذا الذي جرى، وما ربك بظلام للعبيد.
أما بلدة سانتيانا دلمار فهي ذات ديار عتيقة، وأزرقة ضيقة، وحجارة صلبة بنيت بها البيوت ورصفت بها الأزقة، والوالج إليها يخيل إليه من قدمها أنه قد ولج بوابات التاريخ، وعاد على الوراء، ولم أشعر بمثل هذا إلا في صنعاء القديمة وفاس القديمة، والبلدة كلها مصبوغة بالصبغة الصليبية، فذاك بيت للقسس، وهناك قلعة للراهبات، وكنائس وأديرة وهكذا، لكن الذي أثر في جداً وترك في ذهني وقلبي صوراً لا أظنها تمحى ولا تزول إنما هو المتحف الذي وضعوه لآلات التعذيب، وهو بيت واسع من طبقتين وفناء، ووزعوا في جنباته وطبقتيه آلات التعذيب الرهيبة التي يقشعر من هولها البدن.
ويقوم على هذا التعذيب الدوائر الكنسية وطبقة الاكليروس الذين أذاقوا الأوروبيين أصنافاً من العذاب وألواناً من الهول، وأذاقوا المسلمين أيضاً من هذا الهول جملة وافرة، واليهود كذلك عذبوا وأهينوا، وهذا العذاب كان موجهاً لكل من يخالف التعاليم الكنسية والآراء البابوية ومزاج الرهبان والقسس، وذاق هذا العذاب عدد كبير من كل طبقات الشعب من خاصة وعامة، ومن فلاحين ونبلاء وفرسان بل بعض الأمراء أيضاً.
ولهذا كفر الناس في أوروبا بالكنيسة وبكل ما يتعلق بها، ولما حانت ساعة الخلاص من الكنيسة بالثورة الفرنسية الكبرى وما بعدها لم يرحم الأوروبيون أحداً يمت للكنيسة بصلة، وقلصوا الصلاحيات المطلقة التي كانت للقساوسة والرهبان، وانتزعوا منهم غالب الامتيازات الذهبية التي كانت لهم على حساب الشعوب الأوروبية، وجعلوهم في أقماع السمسم وفي زاوية ضيقة في المجتمع، فاليوم ليست لهم قيمة، وكنائسهم في الأغلب خاوية على عروشها، وقد كفر أكثر الناس بهم وبدينهم المحرف الزائف، وصاروا يبيعون كنائسهم في أوروبا وأمريكا، ولمن يبيعونها؟ يبيعونها للمسلمين فيا للعجب العجيب، ويا لغرابة ما جرى، لكن هذا هو جزاء من كذب على الله وعلى الناس وقد خاب من افترى.
والحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، سأجعلها وصفاً كاملاً لما رأيته من هول، وسأورد فيها بعض الصور المعبرة عما جرى، وأرجو أن تتحمل نفوسكم ما سأكتبه لكم، وما ستشاهدونه من صور، والله المستعان.
بطاقة: حرفًا