من مآسي الافتراق
المبحث الأول: المآسي المترتبة على الخلاف المذهبي الفقهي
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
المبحث الأول
المآسي المترتبة على الخلاف
المذهبي الفقهي
من رحمة الله تعالى بالأمة أن نوع أفهام علمائها، وفاوت بين مداركهم، فهم هذا من النص ما لم يفهم ذلك، وصحح هذا شيئاً لم يصححه ذلك، وكان خلافهم في الجملة رحمة، ودلالة على سعة هذه الشريعة، وكمال هذه الطريقة، وأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه الدين الحق بين الأديان، فمهما اختلف العلماء فهم يرجعون إلى أصل واحد ويستمسكون بعروة وثيقة، وعلى هذا مضى الصدر الأول رضي الله عنهم في المسائل الفقهية والخلافات الفرعية المذهبية، فقد اختلفوا ولكن لم يتركوا الوئام، وتنوعت أفهامهم وفتاواهم وما تفرقت منهم القلوب وما مسهم من الخلاف سقام، وكان كل من كبارهم يمثل اتجاهاً في الاستنباط والتفكير تحول فيما بعد إلى مدرسة لها أتباع وتنظير، فابن عباس له اتجاه، وابن عمر له مسلك آخر، وابن مسعود له طريق ثالثة، وغيرهم رضي الله عنهم سلك مسالك أخرى، ولم يعب واحد منهم الآخر، ورضي كل بما قسم له من الفهم والاستنباط، وهذا هو المسلك الحميد والرأي السديد، وكان خلافهم لنا توسعة وبنا
رحمة، وعلينا بركة كما قال القاسم بن محمد بن أبي بكر رحمه الله وهو أحد فقهاء المدينة السبعة: «اختلاف الصحابة رحمة»(١)، ثم ما برح الخلاف يفقد آدابه، ويتنكب الطرق السليمة حتى صار علينا عيباً، وبنا شيئاً، وأصبح مؤدياً للافتراق، جالباً للبغضاء، محركاً لإحن الصدور، ذاهباً بألباب ذوي العقول، ولا أدري والله ماذا أقول.
وللتاريخ البعيد والقريب شواهد على ما تردى إليه أمر الخلاف المذهبي ومآسٍ كثيرة مسطورة، وأفعال مكتوبة منكورة، لم نراع فيها الخلاف، ولم نرتق فيها إلى مرتبة الأخوة التي عبر عنها الشافعي الإمام بقوله رائعة، فعن يونس الصديقي — وهو أحد أئمة المصريين وعقلائهم — قال:
«ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال يا أبا موسى: ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة»(٢).
وقال الإمام الذهبي تعليقاً على هذا الكلام النفيس: هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون.
(١) «نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء»: ٥٧٩/٢، والسير من تأليف الحافظ الذهبي، رحمه الله تعالى. والنزهة لواضع هذا البحث، نشر دار الأندلس الخضراء، جدة.
(٢) المصدر السابق: ٨٤٦/٢..
ومن الأمثلة على الخلاف الذي لم يراع فيه الأدب، وجانب الصواب ولازمه الغضب ما يلي:
- لما دخل الشافعي مصر أتاه أصحاب مالك مقبلين هاشين، لأنه كان تلميذ مالك ولم يظنوا أنه يخالف مالكاً في شيء!! فلما رأوه مستقل الفكر، واسع العلم، يخالف مالكاً في أشياء جفوه!! وتنكروا له!! بل أن العالم الكبير أشهب بن عبدالعزيز المالكي المصري كان يقول في سجوده:
اللهم أمت الشافعي؛ لا يذهب علم مالك!! (1).
وهذه إحدى العجائب والغرائب الدالة على ضيق الصدر بالخلاف وعدم تقبل الرأي الآخر.
- وهذا بقي بن مخلد العالم الأندلسي الكبير المتوفى سنة ٢٧٦ رحمه الله تعالى كان قد أخذ الحديث من المشرق ودخل به الأندلس ونشره نشراً عظيماً وهاجم به شيوخ الأندلس، فثاروا عليه، لأن علمهم إنما كان بمسائل مالك، وكان بقي يفتي بالأثر فخالفهم في الفتيا مخالفة عظيمة، فعقدوا له المجالس، وبدعوه، ونسبوه إلى الزندقة، وإلى أشياء أخرى (2)، وكان ذلك في حقه
(1) «نزهة الفضلاء»: ٢/٨٥١.
(2) «نزهة الفضلاء»: ٢/١٠٨٦.
مخالفة تامة لآداب الخلاف، وبعداً كاملاً عن الوئام والوفاق الذي ينبغي أن يكون في مثل هذه الأحوال، ومن قرأ سيرته عرف عظم أحواله وبراءته مما نُسب إليه.
- وهذا الخلاف بين الحنفية والشافعية، الذي كان له صور كثيرة من أشدها على النفوس وأمرها ما ذكره ياقوت الحموي صاحب كتاب «معجم البلدان» الشهير حيث تكلم فيه عن مدينة أصفهان وذكر مجدها القديم ثم قال:
«وقد فشا فيها الخراب في نواحيها لكثرة الفتن، والتعصب بين الشافعية والحنفية والحروب المتصلة بين الحزبين، فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى، وأحرقتها وخربتها لا يأخذهم في ذلك إلا ولاذمة، وكذلك الأمر في رسائقتها وقراها»(1) وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقال عن الري بعد مروره بها سنة ٦١٧ ومشاهدته خرابها:
«وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت الحروب بينهم، كان الظفر في جميعها للشافعية؛ هذا مع قلة عدد الشافعية، وكان أهل الرستاق - وهم الحنفية - يجيئون إلى البلد
(1) «تحاسد العلماء» لعبدالله بن حسين الوجان: ٢٥٠-٢٥١ نقلاً عن معجم البلدان ١/٢٧٣ طبعة الخانجي. والرستاق.
بالسلاح الشاكي (١) ويساعدون أهل نخلتهم فلم يغنهم ذلك شيئاً حتى أفنوهم...» (٢)!!!
ولا أريد أن أذكر أكثر من هذا، فحسبك به دلالة على شؤم الافتراق، وأثره البالغ في إضعاف الأمة وإذهاب ريحها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وما أحسن كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال:
«وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه، لتفاوت إرادتهم وإفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغى بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين كان قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية» (٣).
ولو راعى من ذكرتهم آنفاً وغيرهم ما ذكره الإمام لما اختلفوا هذا الاختلاف المهلك، ولما وصل بهم شؤم الخلاف إلى قتل بعضهم بعضاً.
(١) أي تامي السلاح..
(٢) المصدر السابق: نقلاً عن «معجم البلدان»: ٤/٣٥٥.
(٣) «الصواعق المرسلة»: ٢/٥١٩.