تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

من مآسي الافتراق

المبحث الثاني: المآسي المترتبة على الخلاف العقدي

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 17-42 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 24 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابمن مآسي الافتراق

المبحث الثاني

المآسي المترتبة على الخلاف العقدي

وهذا الافتراق هو الأقسى والأقوى أثراً، وهو الأنكى في الأمة، وينقسم إلى افتراق عقدي بين أهل السنة أنفسهم، وافتراق بين أهل السنة وغيرهم من طوائف وفرق المسلمين، والافتراق في القسم الأول أصعب على النفس وأشد وأقسى؛ وذلك أن أهل السنة كان ينبغي لهم أن يكونوا يداً واحدة على من سواهم، فلما حصلت هذه الفرقة أدت إلى تمزق في الصف، وانقسام في الجبهة الواحدة، وتجرأ عليهم غيرهم من أعدائهم وخصومهم وضعفت الأمة تبعاً لذلك.

ومن أمثلة القسم الأول - أي الفرقة بين أهل السنة أنفسهم - مايلي:

1- الخلاف بين الحنابلة والأشاعرة(١):

(١) لا يرضى بعض الناس بإدراج الأشاعرة في أهل السنة بدعوى مخالفتهم في بعض أصول العقائد، وأقول: إن هذه المخالفة لا تخرجهم أبداً من كونهم من أهل السنة، وأنا لا أرتضي ما ذهبوا إليه من تأويل بعض الصفات لكنني لا أرى أنهم فارقوا بسبب خطئهم هذا أهل السنة، وليت شعري كيف نخرج هذا العدد الضخم من علماء الأمة ومشايخها وفضلائها وكبرائها من أهل السنة بسبب مخالفة؟ هذا ولهم أيد بيضاء عظيمة على العلم وأهله، وكم =

وهذا أدى إلى تصدع مريع، وخلاف طويل، بل أدى إلى فرقة خطيرة تركت أسوأ الآثار في المجتمع المسلم، ومن أمثلة ذلك:

ما حصل للإمام الكبير أبي نعيم الأصبهاني؛ أحمد بن عبدالله، الثقة، شيخ الإسلام المتوفى سنة ٤٣٠ والذي كان من حفاظ الدنيا، فقد هجر بسبب المذهب، وقام إنسان مرة في مجلس تحديث يعلن عن مجلس أبي نعيم الأصبهاني فقام إليه أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد الرجل يقتل!! (١).

وصدق الذهبي حين علق على الحادثة قائلاً:

«ما هؤلاء بأصحاب الحديث، بل فجرة جهلة، أبعد الله شرهم» (٢).

وقال الذهبي:

«كان بين الأشعرية والحنابلة تعصب زائد يؤدي إلى فتنة، وقيل وقال، وصداع طويل» (٣).

= ذبوا عن الإسلام ورفعوا رايته، وواجهوا أهل البدع والضلال فإخراجهم من أهل السنة ليس عليه دليل قوي ولا استدلال عقلي مُرضٍ، والله أعلم.

(١) «نزهة الفضلاء»: ١٣٤٩/٣.

(٢) المصدر السابق.

(٣) المصدر السابق.

وهذا العالم العلامة الأصولي شيخ القراء أبو عبد الله محمد بن عتيق التميمي القيرواني المعروف بابن كُليّة الذي كان متعصباً لمذهب الأشعري، جرت بينه وبين الحنابلة فتن وأوذي غاية الإيذاء»(١).

وهذا العالم الواعظ أبو بكر عتيق البكري المغربي الأشعري، المتوفى سنة ٤٧٦ كان قد قدم بغداد، فجلس الناس إليه وامتلأ المجلس، فذكر الحنابلة وحط عليهم، وبالغ، ونبزهم بالتجسيم، فهاجت الفتنة، وكفر هؤلاء هؤلاء، والطريف أنه لما عزم البكري على التحديث بجامع المنصور قال نقيب النقباء: قفوا حتى أنقل أهلي فلا بد من قتل ونهب!! ثم أغلقت أبواب الجامع، وصعد البكري وحوله الأتراك بالقسي!! إلى آخر القصة المحزنة(٢).

ومن الأمثلة أيضاً على الخلاف بين أهل السنة ما وقع بين أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الأشعري - وهو ابن الإمام أبي القاسم القشيري، المتوفى سنة ٥١٤ رحمه الله تعالى - وبين الحنابلة، فقد ورد بغداد سنة ٤٦٩، وجلس في المدرسة النظامية، وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، ومال لنصرته الإمام أبو إسحاق الشيرازي وجماعة، فوقعت الفتنة، وقتل أناس

(١) المصدر السابق: ١٤٩٥/٤.

(٢) المصدر السابق: ١٤٤٢/٣٠.

وجرح آخرون!! وحصلت مأساة انتهت بتسكين الفريقين وإخراج القشيري من بغداد إلى نيسابور (١).

ومن المآسي الكبيرة ما وقع لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي الأنصاري الحنبلي عبدالله بن محمد بن علي حيث قدم السلطان الكبير السلجوقي ألب أرسلان إلى هراة -بأفغانستان الآن- فاجتمع عنده مشايخ البلد ورؤساؤه، وحدثوه أن الأنصاري مجسم وأنه يعبد صنماً يزعم أن الله تعالى على صورته -وكانوا قد تمالأوا على وضع صنم في قبلة محراب أبي إسماعيل في داره!!- فبعث السلطان جماعة إلى دار أبي إسماعيل استخرجوا الصنم من قبلة محرابه، وكان صنماً صغيراً من نحاس دسوه تحت سجادته، فغضب السلطان غضباً عظيماً وأحضر أبا إسماعيل وواجهه قائلاً: ما هذا؟! قال: هذا صنم يعمل من الصفر شبه اللعبة. فقال: لست عن هذا أسألك. فقال: عن ماذا يسأل السلطان؟! قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا الصنم، وإنك تقول إن الله على صورته، فقال الأنصاري: سبحانك هذا بهتان عظيم، بصوت جهوري وصولة، فوقع في قلب السلطان أنهم كذبوا عليه، فأمر به فأخرج إلى داره مكرماً، وقال لهم: اصدقوني القصة أو أفعل بكم وأفعل، وذكر

(١) «تحاسد العلماء»: ٢٧٣ وما بعدها، نقلاً عن «ذيل طبقات الحنابلة»: ١٩-٢٣.

تهديداً عظيماً، فقالوا: نحن في يد هذا الرجل في بليّة من استيلائه علينا بالعامة وأردنا أن نقطع شره عنا، فصرفهم السلطان إلى منازلهم بعد إهانتهم وأخذ غرامة منهم مبلغاً عظيماً من المال يؤدي إلى خزانة السلطان عقاباً لهم على جنايتهم (١).

وفي ذلك الخلاف وتلك الفرقة يقول الإمام الذهبي رحمه الله:

«ينبغي للمسلم أن يستعيذ من الفتن، ولا يشغب بذكر غريب المذاهب لا في الأصول ولا في الفروع، فما رأيت الحركة في ذلك تحصل خيراً، بل تثير شراً وعداوة ومقتاً للصلحاء والعباد من الفريقين، فتمسك بالسنة، والزم الصمت، ولا تخض فيما لا يعينك، وما أشكل عليك فرده إلى الله ورسوله، وقف وقل: الله ورسوله أعلم (٢).

وهذا نص ثمين يلخص فيه الذهبي الآثار السيئة للخلاف والافتراق، ويذكر العلاج الناجح.

٢- الخلاف بين أهل الحديث:

ومن أمثلة ذلك أيضاً ما جرى بين الإمام البخاري رحمه الله تعالى وبعض علماء عصره وعلى رأسهم الإمام محمد بن يحيى الذهلي

(١) «تحاسد العلماء»: ٤٨٩-٤٩٠.

(٢) «نزهة الفضلاء»: ٤/١٥٣٨.

الذي حسد الإمام البخاري على اجتماع الناس عليه، واتهمه بالقول بمسألة: لفظي بالقرآن مخلوق -وهي مسألة دقيقة، أخذ بها البخاري بغير وجه حق- وهذا أحد تلاميذ البخاري يقول له: يا أبا عبد الله أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى؟! كل من يختلف إليك يطرد، فقال البخاري رحمه الله تعالى: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء. فقال له التلميذ: هذه المسألة التي تحكي عنك؟ قال: يا بني هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبل، وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي ألا أتكلم فيها.

ثم انتهى بالبخاري الأمر إلى أن أخرج من نيسابور ولم يشيعه إلا واحد فقط!!! (١) ومات غريباً وحيداً رحمه الله تعالى، ألا قبح الله الفرقة والاختلاف.

وما أحسن الذهبي عندما قال:

«السكوت عن توسع العبارات أسلم للإنسان» (٢).

٣- الخلاف في العصر الحديث:

وهو بلاء وأي بلاء؛ إذ في الوقت الذي يجتمع فيه أعداء الإسلام على حربه وتحطيمه نجد بين صفوفنا من يساهم في تلك

(١) المصدر السابق: ١٠١٧/٣.

(٢) المصدر السابق: ١٢٥٣/٣.

الحروب ويؤجج نارها ويعظم شررها، ولعلي أقتصر في ذكر الطعن العقدي في العصر الحديث على مثال واحد وهو الأستاذ حسن البنا -رحمه الله تعالى- حيث إن بعض من زعم أنه يريد الحق ويرد الباطل قام بالتشنيع على هذا الأستاذ الذي ما سمح الزمان بمثله في مجموع خصاله وآثاره في العصر الحديث فصار ينال منه ويتهم عقيدته اتهاماً عجيباً باطلاً، والناظر إلى تلك الأقوال يعلم بطلانها لكنني أردت بالوقوف عليها بيان حجم المأساة التي أوصلنا أنفسنا بأيدينا إليها:

هذا الرجل قد وجهت إليه سهام مغرضة واتهم في عقيدته بغير حق، كيف لا وهو القائل: «العقيدة أساس العمل»(١).

وهو القائل أيضاً: «ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني»(٢) إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالاتباع حسماً لمادة التأويل والتعطيل فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان وأثلج صدره برد اليقين فلا تعدل به بديلاً...»(٣) فماذا بعد هذا يا عباد الله.

(١) «رسائل الإمام البنا»: ٢٧٠.

(٢) أي العلم بكيفيتها وليس بمعانيها كما ذهب إليه بعض المغرضين في اتهاماتهم.

(٣) «رسائل الإمام البنا»: ٣٣٠.

وقد قال أيضاً: «وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يليق بذلك من المتشابه نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل»(1).

وقال أيضاً وكل بدعة في دين الله لا أصل لها - استحسنها الناس بأهوائهم سواء بالزيادة فيه أو النقص منه - ضلالة تجب محاربتها...»(2).

وقال أيضاً لكن الاستعانة بالمقبورين أياً كانوا، ونداءهم لذلك وطلب الحاجات منهم عن قرب أو بعد، والنذر لهم، وتشيد القبور، وإضاءتها، والتمسح بها، والحلف بغير الله، وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سداً للذريعة»(3).

وهذا اتهام آخر عجيب لا أدري وجهه، يقول فيه صاحبه ناعياً على البنا دعوته للجهاد:

«قلنا: أي جهاد الذي دعا إليه البنا إذا كان قد أقر الشرك الأكبر المخرج من الملة»(4).

كيف لعاقل أن يصدق أن البنا أقر الشرك الأكبر؟ إن هذا لشيء عجيب!

(1) المصدر السابق: 269.

(2) المصدر السابق: 270.

(3) المصدر السابق.

(4) «المورد العذب الزلال»: 143.

ثم يتهم البنا بأنه صوفي وأنه بهذا قد تلم توحيده، وأتى ببعض ما ظنه شواهد على هذا!!

هذا ولقد انبرى شيخ فاضل (1) للدفاع عن البنا فقال لهذا المتهم: «فأنا أنصحك أيها الشيخ أن تصون لسانك وقلمك عن الوقعة في هذا الداعية الذي نفع الله به».

فما كان منه إلا أن شن عليه غارة عظيمة، وعده صاداً عن سبيل الله بهذه النصيحة، وعده خاذلاً للحق، متظاهراً مع أهل الباطل، ثم اتهمه بأنه بدفاعه عن البنا قد خدش توحيده!!! وقدح فيه، وأمره بالتوبة، ثم أفحش القول في البنا باتهامه أنه فعل الشرك الأكبر وأقر فاعليه عليه (2).

وكل تلك الغارة الهائلة بسبب أمور في التصوف ابتدأ بها البنا حياته مثل الكثرة الكاثرة من صالحي العالم الإسلامي الذين يحيط بهم التصوف من كل جوانبهم (3)، لكن هذا المتهم لم ينظر في أقوال

(1) هو الشيخ عبدالله بن جبرين حفظه الله تعالى.

(2) المصدر السابق.

(3) انظر لفهم هذه المسألة بالتفصيل وإعذار من نشأ في العالم الإسلامي محاطاً به التصوف = = من كل جانب سبيلاً أوحد في كثير من الأحيان خاصة في زمن البنا وقبله، انظر كتاب «العاطفة الإيمانية وأهميتها في الأعمال الإسلامية» لواضع هذه الرسالة ص 76-95.

البنا في الصوفية حيث قال بعد كلام عن الصوفية الأولى مادحاً لها - كما مدحها شيخا الإسلام من قبل: ابن تيمية وابن القيم -:

«لكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حدود علم السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيراً لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف... وأصبح كل ما يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين على صفائه ونقائه...».

فهل بعد هذا الإيضاح والبيان مزيد؟!

وفي النهاية أقرر أن البنا ليس بمعصوم، وأنه قد أخطأ في أقوال وأعمال، لكن ذلك الخطأ لا يخرجه عن كونه قدوة يُقتدى بها وعلماً من أعلام الإسلام في العصر الحديث، والله تعالى أعلم (1).

(1) قد زكى الشيخ عدد من أئمة السلفيين في العصر الحديث مثل الشيخ ابن جبرين كما مر سابقاً، ومثل الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي الذي أهدى إليه كتابين له: «تنزيه =

وأظن - والله تعالى أعلم - أنه لو جمعت جهود الإخوان والسلفيين وصُبت في بوتقة واحدة لتغير وجه التاريخ في العصر الحديث، ولما استطاع أعداؤنا أن يتجرأوا علينا كما هو حاصل اليوم، لكن كان الذي خاف الصالحون أن يكون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

= الدين وحملته مما افتراه القصيمي في أغلاله» و «القواعد الحسان لتفسير القرآن» وكتب عليه: إهداء إلى فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا، وغيرهما من الرجال المنصفين.

القسم الثاني: الفرقة بين أهل السنة ومن سواهم.

ومن أمثلة ذلك الخلاف:

١- الخلاف بين أهل السنة والخوارج:

وهو خلاف حاد وصعب، أدى إلى نتائج وخيمة أوجزها في الآتي:

أ- سفك الدماء:

كان الخوارج يقدمون على سفك الدماء على وجه عجيب لا يراعون فيه حرمة ولا سابقة لأحد، ونتج عن صنيعهم هذا مقتل عشرات الآلاف من المسلمين على مدار تاريخهم منهم سادة كرام نجباء مثل الخليفة الراشد عثمان بن عفان والخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وتاريخهم معروف في هذا لكن سأذكر حادثة واحدة يتبين منها إقدامهم على الدماء بلا مبرر، فقد التقى الخوارج في طريقهم إلى النهروان برجل رأوه يهرب منهم، فأحاطوا به وقالوا له: من أنت؟ قال أنا عبدالله بن خباب بن الأرت -ابن الصحابي المشهور- فقالوا له حدثنا حديثاً سمعته عن أبيك عن رسول الله ﷺ، فقال سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من

الساعي، فمن استطاع أن يكون فيها مقتولاً فلا يكونن قاتلاً». فشد عليه رجل من الخوارج بسيفه فقتله، فجرى دمه فوق ماء النهر، ثم إنهم دخلوا منزله -وكان في القرية التي قتلوه فيها على بابها- فقتلوا ولده وجاريته أم ولده (١)، والعياذ بالله من قسوة القلوب.

ب- تكفير المسلمين:

وهو أمر عظيم أقدم عليه الخوارج، وهم أول من ابتدأ القول به في هذه الأمة، فكفروا سادات المسلمين وعلماءهم بل كفروا جملة من الصحابة رضي الله عنهم:

«كان دينهم إكفار علي وعثمان، وأصحاب الجمل، ومعاوية وأصحابه، والحكمين ومن رضي بالتحكيم، وإكفار كل ذي ذنب ومعصية».

واشتد غلوّ فرقة الأزارقة من الخوارج حتى قالت باستباحة قتل نساء مخالفيهم وقتل أطفالهم، وزعموا أن الأطفال مشركون، وقطعوا بأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار» (٢).

(١) «الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية» للشيخ عبدالقاهر البغدادي: ٥٧، والحديث في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) المصدر السابق: ٦١.

ج - إثارة الفتن:

إذ كم من فتنة كان لهم قصب السبق في إشعالها، وكم انقاد خلفهم من علماء لقوا حتفهم بسبب متابعتهم إياهم، ومثال ذلك فتنة عبدالرحمن بن الأشعث فقد قال الذهبي الإمام رحمه الله تعالى:

«الأمير، متولي سجستان ... بعثه الحجاج على سجستان فثار هناك، وأقبل في جمع كبير، وقام معه علماء وصلحاء لله تعالى لما انتهك الحجاج من إماتة وقت الصلاة ولجوره وجبروته، فقاتله الحجاج، وجرى بينهما عدة مصافات وينتصر ابن الأشعث، ودامت الحرب أشهراً، وقتل خلق من الفريقين، وفي آخر الأمر انهزم جمع ابن الأشعث وفر...» (1) وكان من حصيلة تلك الحروب فتن طويلة ومقتل عدد من العلماء منهم سعيد بن جبير رحمه الله.

  • وكم ضل بهم أقوام، وفسدت بهم عقائد، وثارت بهم حروب وفتن عظيمة.

د- إيقاف مد الفتوحات:

أزعم - والله تعالى أعلم - أن الخوارج قد أوقفوا مد الفتوحات الذي كان زاحفاً بقوة أيام الخلفاء الثلاثة الأوائل، ولولا الفتن التي

(1) «نزهة الفضلاء»: 1/472.

أثاروها لوصل الإسلام إلى كل الأجزاء المعمورة في الأرض، لكن علياً رضي الله عنه وخلفاء بني أمية شغلوا بتوجيه مئات الآلاف من الجنود إلى الخوارج، وحسبك هذا النص عن واحد من السلف:

«لما قتل عثمان ووقع الاختلاف لم يكن للناس غزو حتى اجتمعوا على معاوية فأغزاهم مرات»(١).

وبعد معاوية رضي الله عنه انشغل بنو أمية بحرب الخوارج زمناً طويلاً، وفي عهد بني العباس كان للخوارج نفوذ ببعض المغرب.

ولا زال للخوارج ذيول إلى اليوم من قوم يتبنون بعض أفكارهم وفعالهم، أو يأخذون ببعض ذلك، وقد جر ذلك على المسلمين فتناً صعبة وآثاراً وخيمة في العصر الحديث في مصر والجزائر والسعودية، أوجزها في الآتي:

١- تدخل الدول الصليبية ودولة المسخ اليهودية في شؤون المسلمين، وهذا ظاهر معلوم.

٢- مساواة الكافرين والضالين بين المقاومة الجهادية المشروعة والإرهاب المذموم، والحكم عليها بحكم واحد لتحقيق مآرب في نفوس هؤلاء.

(١) المصدر السابق: ٣٥٤/١.

٣- بروز طابور خامس في البلاد الإسلامية ينادي بوجوب تجفيف منابع الغلو والتطرف، وهي كلمة حق أريد بها باطل؛ حيث يريدون من وراء ذلك أموراً منها: وأد الصحوة الإسلامية المباركة، والحيلولة بين الدعاة الصالحين العاملين وبين قيادة الشباب.

٤- إزهاق أرواح وإتلاف أنفس كان من المنتظر أن تقدم لدينها وأمتها شيئاً ما.

٥- إتلاف أموال ضخمة من جراء المواجهات المستمرة بين الأمن وبين ذيول هؤلاء.

٦- والطامة الكبرى هي بروز بعض الاتجاهات التكفيرية بين بعض أولئك المناوئين، وهذه مصيبة عظيمة تخلف آثاراً تستعصي على علاج المعالجين ومحاولات إصلاح الدعاة والمصلحين.

٧- تشويه صورة الإسلام عند غير المسلمين وأصناف الكافرين، وقيام موانع أمام الدعوة الإسلامية في بلوغ فئام من الناس كان من المأمول أن يستجيبوا للدعوة.

٨- خوف كثير من العامة من الدعاة والصالحين لظنهم أنهم من جملة هؤلاء المفتونين، وهذا أدى بهم إلى الانصراف عن كثير من الأنشطة الإسلامية العامة، وصد أولادهم وأهليهم عنها.

٢ - الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة:

وللمعتزلة أصول عقدية لا يسعني إيرادها في هذا البحث الموجز لكني سأذكر قضية خلق القرآن التي أثارها المعتزلة بمساعدة الخليفة العباسي المأمون، وثارت على إثرها فتن طويلة استمرت زمان المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل الذي أمر برفع هذه الفتنة عن الناس، وقتل بسببها الشهيد العالم أحمد بن نصر الخزاعي مظلوماً، ومات علماء في السجون وهم مقيدون(١)، وامتحن الإمام أحمد على جلالته وضرب وسجن وألقي في القيود، وتشدد المعتزلة في هذه القضية حيث إنهم في زمان الواثق بالله العباسي تنمروا للناس، وامتحنوا الأئمة والمؤذنين، وامتحنوا العوام، ومن العجائب أن الواثق بالله العباسي افتدى أربعة آلاف وستمائة أسير مسلم من الروم فقال وزيره المعتزلي المشهور أحمد بن أبي دواد: من لم يقل القرآن مخلوق فلا تفتكوه!!(٢).

ومن أمثلة ما حصل بينهما أيضاً:

لما وصل شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري الحنبلي إلى بلخ - وهي في أفغانستان اليوم - وصل محمولاً على

(١) منهم الإمام البوطي الذي مات مسجوناً مقيداً سنة ٢٣١، انظر «نزهة الفضلاء»: ٢/ ٩٨٢.

(٢) «نزهة الفضلاء»: ٢/ ٨٨١.

أعناق الرجال، فلما أراد أن يدخل إلى بلخ خرج أهلها إليه، وهموا برجمه، لولا أن الله قيض له من دافع عنه ورد عنه كيدهم، وإنما هموا به لأنهم كانوا معتزلة شديدي الاعتزال، وكان شيخ الإسلام مشهوراً في الآفاق بالحنبلة والشدّة في السنة(١).

٣- الخلاف بين أهل السنة والشيعة:

وهذا أيضاً أدى إلى نتائج صعبة وخيمة وحروب كثيرة، فمن ذلك:

أ- ما وقع في بغداد مراراً بين الفريقين. فمن ذلك ما نقله ابن الأثير في كامله في حوادث سنة ٤٤٣ حيث ذكر أن الفتنة وقعت بين السنة والشيعة، وعظمت أضعاف ما كانت قديماً، وسببها أن أهل الكرخ - محلة ببغداد فيها الشيعة - عملوا أبراجاً كتبوا عليها بالذهب: محمد وعلي خير البشر، وأنكر أهل السنة هذا، ثم حصلت أمور أدت إلى قتال ونهب بسبب مقتل هاشمي من أهل السنة، فقصد الناس المشهد ونهبوا ما فيه، وأضرموا حريقاً أتى على كثير من قبور الأئمة، فقصد الشيعة إلى خان الفقهاء الحنفيين فنهبوه، وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد السرخسي، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء(٢).

(١) «تحاسد العلماء»: ٤٩٠-٤٩١.

(٢) «تحاسد العلماء»: ٢٥١-٢٥٢ نقلاً عن نقل عن الكامل: ٩/٢٥١.

ب- وما لا ينبغي أن ينسى ما اقترفه الوزير الرافضي ابن العلقمي في بغداد سنة ٦٥٨ حين سَوَّل لهولاكو اقتحام بغداد وكاتبه وأطمعه في العراق، وهذا بسبب نقمته على أهل السنة حين وقعت الفتنة المهولة ببغداد بين السنة والرافضة، فقتل بسبب صنيعه هذا من الناس ببغداد فوق المليون شخص!! (١) وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ج- ولا ينسى ما فعلته الدولة الصفوية الشيعية في إيران من طعن الدولة العثمانية من الخلف في أشد الأوقات وأصعبها؛ حال اشتغال الدولة العثمانية بفتوح أوروبا، وذكر الحروب التي جرت بينهما أمر صعب مؤلم لا يحتمله هذا البحث، ولا تطيقه النفوس المتطلعة إلى الوئام والاجتماع (٢).

د- الفتن بين السنة والزيدية:

وهي فتن كثيرة متعددة كانت تجري في اليمن، لكنني سأجتزئ منها واحدة فقط ذكرها الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- متحدثاً عنها، وقد ذكر فتنًا كثيرة كانت تجري في صنعاء بسبب التعصب

(١) «نزهة الفضلاء»: ١٧٢٤/٤.

(٢) انظر في المسألة السابقة رسالة: «الصفويون والدولة العثمانية» للأستاذ علوي عطرجي نشر دار الأندلس الخضراء بجدة.

الشيعي، وقد بين الشوكاني ذلك أثناء ترجمته لأحد علماء الفرائض والرياضيات في صنعاء:

السيد يحيى بن محمد الحوثي ثم الصنعاني، ولد تقريباً سنة ١١٦٠، ونشأ بصنعاء فاشتغل بعلم الفرائض والحساب والضرب والمساحة ففاق في ذلك أهل عصره وتفرد به ولم يشاركه فيه أحد وصار الناس عيالاً عليه في ذلك، ولم يكن له بغير هذا العلم إلمام مع أنه قد توجه إلى الطلب ولكن كان كل حظه في هذا العلم، وهو رجل خاشع متواضع كثير الأذكار سليم الصدر إلى غاية يعتريه في بعض الأحوال حدة مفرطة، وقد كان حصل معه جنون في أيام شبابه ثم عافاه الله من ذلك، وما زال مواظباً على الخير لكنه قليل ذات اليد بما يضيق صدره لذلك مع كثرة عائلته ويسر الله له ما يقوم به بعد مزيد امتحان، وهو شيخي أخذت عنه علم الفرائض والوصايا والضرب والمساحة.

وفي شهر رمضان سنة ١٢١٦ ثارت بسببه فتنة عظيمة بصنعاء وذلك أن بعض أهل الدولة ممن يتظهر بالتشيع مع الجهل المفرط والرفض باطناً أقعد صاحب الترجمة على الكرسي الذي يقعد عليه أكابر العلماء المتصدرون للوعظ وأمره أن يملئ على العامة كتاب «تفريج الكروب» للسيد إسحاق بن يوسف المتوكل وهو في مناقب

علي كرم الله وجهه، ولكن لم يتوقف صاحب الترجمة على ما فيه بل جاوز ذلك إلى سب بعض السلف مطابقة لغرض من حمله على ذلك لقصد الإغاظة لبعض أهل الدولة المنتسبين إلى بني أمية، كل ذلك لما بين الرجلين من المنافسة على الدنيا والمهافنة على القرب من الدولة وعلى جمع الحطام، فكان صاحب الترجمة يصرخ باللعن على الكرسي فيصرخ معه من يحضر لديه من العامة وهم جمع جم وسبب حضورهم هو النظر إلى ما كان يسرج من الشمع وإلى الكرسي لبعد عهدهم به وليسوا ممن يرغب في العلم، فكان يرتج الجامع ويرتفع الصراخ ومع هذا فصاحب الترجمة لا يفهم ما في الكتاب لفظاً ولا معنى بل يصحف تصحيفاً كثيراً ويلحن لحناً فاحشاً، ويعبر بالعبارات التي يعتادها العامة ويتحاورون بها في الأسواق، وقد كان في سائر الأيام يجتمع معهم ويملي عليهم في مسجد الإمام صلاح الدين فأراد أن يكون ذلك في جامع صنعاء الذي هو مجمع الناس ومحل العلماء والتعليم لقصد نشر اللعن والثلب والتظاهر به، فلما بلغ ذلك مولانا خليفة العصر حفظه الله جعل إشارة منه إلى عامل الأوقاف السيد إسماعيل بن الحسن الشامي أن يأمر صاحب الترجمة أن يرجع إلى مسجد صلاح الدين فأمر السيد المذكور الفقيه أحمد بن محسن حاتم رئيس المآذنة أن يبلغ ذلك إلى صاحب الترجمة فأبلغه.

فحضر العامة تلك الليلة على العادة ومعهم جماعة من الفقهاء الذين وقع الظلم بهذا الاسم بإطلاقه عليهم فإنهم أجهل من العامة، فلما لم يحضر صاحب الترجمة في الوقت المعتاد لذلك وهو قبل صلاة العشاء ثاروا في الجامع ورفعوا أصواتهم باللعن ومنعوا من إقامة صلاة العشاء، ثم انضم إليهم من في نفسه دُغَلٌ للدولة أو متستر بالرفض، ثم اقتدى بهم سائر العامة فخرجوا من الجامع يصرخون في الشوارع بلعن الأموات والأحياء وقد صاروا ألوفاً مؤلفة، ثم قصدوا بيت الفقيه أحمد حاتم فرجموه، ثم بيت السيد إسماعيل بن الحسن الشامي فرجموه، وأفرطوا في ذلك حتى كسروا كثيراً من الطاقات ونحوها، وقصدوه إلى مدرسة الإمام شرف الدين يريدون قتله فنجاه الله وهرب من حيث لا يشعرون، وقد كانوا أيضاً قصدوا قتل الفقيه أحمد حاتم فهرب من الجامع إلى بيتي، ونحن إذ ذاك نملي في شرحي للمنتقى مع حضور جماعة من العلماء، ثم بعد ذلك عزم هؤلاء العامة وقد تكاثف عددهم إلى بيت السيد علي بن إبراهيم الأمين ورجموه وأفزعوا في هذه البيوت أطفالاً ونساءً وهتكوا حرماً، وكان السبب في رجمهم بيت السيد المذكور أنه كان في تلك الأيام يتصدر للوعظ في الجامع ولم يكن رافضياً لعاناً، ثم عزموا جميعاً وهم يصرخون إلى بيت الوزير الحسن بن عثمان العلفي وإلى بيت الوزير الحسن بن علي حنش، والبيتان متجاوران فرجموهما، وسبب رجم بيت الأول كونه أموي النسب

ورجم بيت الآخر كونه متظهراً بالسنة متبرياً من الرفض، فأما بيت الفقيه حسن حنش فصعد جماعة من قرابته على سطحه ورجموهم حتى تفرقوا عنه وأصابوا جماعة منهم، أما بيت الفقيه حسن عثمان فرجموه رجماً شديداً واستمروا على ذلك نحو أربع ساعات حتى كادوا يهدمونه وشرعوا في فتح أبوابه ووقع الرمي لهم بالبنادق فلم ينكفوا لكونه لم يظهر لذلك فيهم أثر إذ المقصود بالرمي ليس إلا مجرد الإفزاع لهم، ثم بعد ذلك غار بعض أولاد الخليفة حفظه الله وبعض أصحابه فكفوهم فانكفوا وقد فعلوا ما لا يفعله مؤمن ولا كافر.

وفي اليوم الآخر أرسل الخليفة حفظه الله للوزير والأمراء وقد حصل الخوف العظيم من ثورة العامة وطال التردد والمشاورة بينهم ومن بعد ذلك أرسل لي حفظه الله فوصلت إليه حفظه الله فاستشارني فأشرت عليه أن الصواب المبادرة بحبس جماعة من المتصدرين في الجامع للتشويش على العوام وإيهامهم أن الناس فيهم من هو منحرف عن العترة، وأن التظاهر بما يتظاهرون به من اللعن ليس المقصود به إلا إغاظة المنحرفين ونحو هذا من الخيالات التي لا حامل لهم عليها إلا طلب المعاش والرياسة والتحبب إلى العامة، وكان من أشدهم في ذلك السيد إسماعيل بن عز الدين النعيمي، فإنه كان رافضياً جلدًا مع كونه جاهلاً مركباً وفيه حدة تفضي به إلى نوع من الجنون، وصار يجمع مؤلفات من كتب الرافضة ويميلها في الجامع

على من هو أجهل منه ويسعى في تفريق المسلمين ويوهمهم أن أكابر العلماء وأعيانهم ناصبة يبغضون علياً كرم الله وجهه، بل جمع كتاباً يذكر فيه أعيان العلماء وينفر الناس عنهم، تارة يسميهم سنية وتارة يسميهم ناصبة، ومع هذا فهو لا يدري بنحو ولا صرف ولا أصول ولا فروع ولا تفسير ولا حديث بل هو كصاحب الترجمة في التعطل عن المعارف العلمية لكن صاحب الترجمة يعرف فناً من فنون العلم كما قدمنا وأما هذا فلا يعرف شيئاً إلا مجرد المطالعة لمؤلفات الرافضة الإمامية ونحوهم الذين هم أجهل منه، ويشبه الرجلين رجل آخر هو أحد عبيد مولانا الإمام حفظه الله اسمه ضرغام رأس ماله الاطلاع على بعض كتب الرافضة المشتملة على السب للخلفاء وغيرهم من أكابر الصحابة فصار هذا يقعد في الجامع ويملي سب الصحابة على من هو أجهل منه، هذه الأمور هي سبب ما قدمنا ذكره.

فلما أشرت على مولانا الإمام حفظه الله بحبس هؤلاء وجماعة ممن يماثلهم حصل الاختلاف الطويل العريض في مقامه الشريف بين من حضر من أولاده ووزرائه، ومنشأ الخلاف أن من كان منهم مائلاً إلى الرفض وأهله فهو لا يريد هذا، ومن كان على خلاف ذلك فهو يعلم أنه الصواب وأنها لا تندفع الفتنة إلا بذلك فصمم مولانا حفظه الله على حبس من ذكر، ثم أشرت عليه حفظه الله أن يتتبع من وقع منه الرجم ومن فعل تلك الأفاعيل فوقع البحث الكلي منه ومن

خواصه فمن تبين أنه منهم أودع الحبس والقيد وما زال البحث بقية شهر رمضان حتى حصل في الحبس جماعة كثيرة، فلما كان رابع شوال طلب الإمام حفظه الله الفقهاء المباشرين للرجم فبطحوا تحت طاقته وضربوا ضرباً مبرحاً ثم عادوا إلى الحبس، ثم طلب في اليوم الثاني سائر العامة من أهل صنعاء وغيرهم المباشرين للرجم ففعل بهم كما فعل بالأولين وضربت المدافع على ظهور جماعة منهم، ثم بعد أيام جعلوا في سلاسل حديد وأرسل بجماعة منهم إلى حبس زيلع وجماعة إلى حبس كرمان، وفيهم ممن لم يباشر الرجم السيد إسماعيل بن عز الدين النعمي المتقدم وسبب ذلك أنه جاوز الحد في التشديد في الغرض كما قدمنا، وأما صاحب الترجمة ومن شابهه في هذا المسلك فإنه حبس نحو شهرين ثم أطلق هو من معه، وبالجملة فهذه فتنة وقى الله شرها بالحزم الواقع بعد أن وجلت القلوب وخاف الناس واشتد الخطب وعظم الكرب وشرحها طويل، وبعد هذه الواقعة بنحو سنة عول صاحب الترجمة في أن يكون أحد أعوان الشرع ومن جملة من يحضر لدي فأذنت له وصار يعتاش بما حصل له من أجرة تحرير الورق وذلك خير له مما كان فيه إن شاء الله (١).

(١) «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع» للإمام الشوكاني: ٣٤٤ / ٢ - ٣٤٨.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080