نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
١٠٩ أبو هريرة (ع)(١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
١٠٩ أبو هريرة (ع)(١)
[١] الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ، أبو هريرة الدوسي اليماني. سيد الحفاظ الأثبات.
اختلف في اسمه على أقوال جمة، أرجحها: عبدالرحمن بن صخر. والمشهور عنه أنه كُني بأولاد هرة برية. قال: وجدتها، فأخذتها في كمي، فكنيت بذلك.
[٢] حمل عن النبي ﷺ علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه - لم يلحق في كثرته -. قال البخاري: روى عنه، ثمان مئة أو أكثر.
وقال غيره: كان مقدمه وإسلامه في أول سنة سبع، عام خيبر. [٣] عن أبي هريرة: قال لي النبي ﷺ: «ممن أنت؟» قلت: من دوس. قال «ما كنت أرى أن في دوس أحداً فيه خير».
[٤] عن أبي هريرة، قال: خرج النبي ﷺ إلى خيبر، وقدمت المدينة مهاجراً، فصلت الصبح خلف سباع بن عرقطة - كان استخلفه - فقرأ في السجدة الأولى بسورة مريم وفي الآخرة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
فقلت: ويل لأبي! قل رجل كان بأرض الأزد، إلا وكان له مكيالان: مكيال لنفسه، وآخر يبخس به الناس. صحب أربع سنين.
[٥] عن محمد، قال: كنا عند أبي هريرة، فتمخط، فمسح بردائه، وقال: الحمد لله الذي تمخط أبو هريرة في الكتان! لقد رأيتني، وإني لآخر فيما بين منزل عائشة والمنبر مغشياً علي من الجوع، فيمر الرجل، فيجلس على صدري، فأرفع رأسي فأقول: ليس الذي ترى، إنما هو الجوع.
قلت: كان يظنه من يراه مصروعاً، فيجلس فوقه ليرقيه، أو نحو ذلك. [٦] عن أبي هريرة، قال: والله، إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع، وإن كنت
(١) انظر السير: ٢/٥٧٨-٦٣٢.
195
لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ عَلَى طَرِيقِهِمْ، فَمَرَّ بِي أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ - مَا أَسْأَلُهُ إِلَّا لِيَسْتَبْعِنِي - فَمَرَّ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَمَرَّ عُمَرُ، فَكَذَلِكَ، حَتَّى مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي مِنَ الْجُوعِ، فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْبَيْتَ، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدْحٍ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟» قِيلَ أَرْسَلَ بِهِ إِلَيْكَ فُلَانٌ.
فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، انْطَلِقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ (١)، فَادْعِمْ - وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافَ الْإِسْلَامِ، لَا أَهْلَ وَلَا مَالَ إِذَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةً، أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا جَاءَتْهُ هَدِيَّةٌ، أَصَابَ مِنْهَا، وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا - فَسَاءَنِي إِرْسَالُهُ إِيَّايَ، فَقُلْتُ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرِبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ.
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ بَدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُجِيبِينَ، فَلَمَّا جَلَسُوا، قَالَ: «خُذْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَأَعْطِهِمْ». فَجَعَلْتُ أُعْطِيَ الرَّجُلَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوِيَ، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَنَاوَلْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ مُتَبَسِّمًا، وَقَالَ: «بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ». قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَاشْرَبْ». فَشَرِبْتُ. فَقَالَ: «اشْرَبْ»، فَشَرِبْتُ. فَمَا رَأَى يَقُولُهُ: اشْرَبْ، فَاشْرَبْ، حَتَّى قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسَاغًا، فَأَخَذَ، فَشَرِبَ مِنَ الْفَضْلَةِ.
[١] يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَاللَّهِ، مَا خَلَقَ اللَّهُ مُؤْمِنًا يَسْمَعُ بِي إِلَّا أَحِبَّنِي. قُلْتُ: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّ أُمِّي كَانَتْ مُشْرِكَةً، وَكُنْتُ أَدْعُوهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ تَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أَبْكِي، فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهَا. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ». فَخَرَجْتُ أَعْدُوَ أَبْشَرِهَا، فَأَتَيْتُ، فَإِذَا الْبَابُ مُجَافٍ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، وَسَمِعْتُ حِسِّي، فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
(١) الصُّفَّةُ: كَانَتْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ يَكُونُ فِيهَا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، وَمَنْ لَا مَنْزِلَ لَهُ مِنْهُمْ، وَأَهْلُهَا مَنْسُوبُونَ إِلَيْهَا.
196
قال: فرجعتُ إلى رسول الله أبكي من الفرح كما بكيتُ من الحزن، فأخبرته، وقلت: ادعُ الله أن يحبني وأمي إلى عباده المؤمنين. فقال: «اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما» اسناده حسن. وكان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة.
[١] عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟» قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى النمل يدب عليها، فحدثني، حتى إذا استوعبت حديثه، قال: «اجمعها فصرها إليك» فأصبحت لا أسقط حرفاً مما حدثني.
عن أبي هريرة، قال: تزعمون أني أكثر الرواية عن رسول الله ﷺ: والله الموعد - إني كنت امرأ مسكيناً، أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، وإنه حدثنا يوماً، وقال: «من يبسط ثوبه حتى أقضي مقالتي، ثم قبضه إليه، لم ينس شيئاً سمع مني أبداً». ففعلت. فوالذي بعثه بالحق، ما نسيت شيئاً سمعته منه.
[٢] عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعائين: فأما أحدهما، فبثثته في الناس، وأما الآخر، فلو بثثته، لقطع هذا البلعوم».
عن مكحول، قال: كان أبو هريرة يقول: رب كيس عند أبي هريرة لم يفتحه. يعني - من العلم.
قلت: هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول، أو الفروع، أو المدح والذم.
أما حديث يتعلق بحل أو حرام، فلا يحل كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى. وفي (صحيح البخاري): قول الإمام علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتجبون أن يكذب الله ورسوله! وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء، لأوذي، بل لقتل، ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياءً للسنة، فله ما نوى وله أجر - وإن غلط - في اجتهاده. [٣] عمرو بن عبيد الأنصاري: حدثني أبو الزعيزعة - كاتب مروان - أن مروان أرسل
197
إلى أبي هريرة، فجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير، وأنا أكتب، حتى إذا كان رأس الخول، دعا به، فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا آخر.
قلت: هكذا فليكن الحفظ.
[١] عن وهب بن منبه، عن أخيه همام: سمعت أبا هريرة يقول: ما أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني عنه إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب (١).
[٢] عن ابن عجلان: أن أبا هريرة كان يقول: إني لأحدث أحاديث، لو تكلمت بها في زمن عمر لشج رأسي.
قلت: هكذا هو كان عمر رضي الله عنه يقول: ألقوا الحديث عن رسول الله ﷺ. وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره. فبالله عليك، إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر، كانوا يمنعون فيه، مع صدقهم وعدالتهم وعدم الأسانيد، بل هو غض لم يشب، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط، فبالحري أن نزجر القوم عنه، فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون - والله - الموضوعات والأباطيل، والمستحيل في الأصول والفروع والملاحم والزهد، نسأل الله العافية.
(١) هذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان يجزم بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثاً عن النبي ﷺ منه إلا عبدالله، مع أن الموجود المروي عن عبدالله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة. وقد قال العلماء: أن السبب فيه من جهات أحدها: أن عبدالله كان مشغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلت الرواية عنه.
ثانيها: أنه كان مقامه بعد فتح الأمصار بمصر أو الطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصدياً فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمان مئة نفس من التابعين. ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ له بأن لا ينسى ما يحدثه به.
رابعها: أن عبدالله كان قد ظفر في الشام بحمل حمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين.
198
[١] فمن روى ذلك مع علمه بطلانه، وغَرَّ المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه، جانٍ على السُّنَن والآثار، يُستتابُ من ذلك، فإن أنابَ وأقصر، وإلا فهو فاسق، كفى به إثماً أن يُحدِّث بكل ما سمع. وإن هو لم يعلم، فليتورَّع، وليستعن بمن يعينه على تنقية مروياته. نسأل الله العافية، فلقد عَمَّ البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عتبي على الفقهاء وأهل الكلام. [٢] عن أبي أنس مالك بن أبي عامر، قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله، فقال: يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني - يعني: أبا هريرة - أهو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم؟ نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم هو يقول على رسول الله ما لم يقل؟ قال: أما أن يكون سمع ما لم نسمع، فلا أشك، سأحدثك عن ذلك: إنا كنا أهل بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار، وكان مسكيناً، ضيفاً على باب رسول الله، يده مع يده، فلا تشك أنه سمع ما لم نسمع، ولا تجد أحداً فيه خير يقول على رسول الله ما لم يقل.
[٣] عن إبراهيم، قال: ما كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان حديث جنة أو نار.
قلت: هذا، لا شيء، بل احتج المسلمون قديماً وحديثاً بحديثه، لحفظه وجلالته واتقانه وفقهه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة.
وأصح الأحاديث ما جاء عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وما جاء عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وما جاء عن ابن عون، وأيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وأين مثل أبي هريرة في حفظه وسعة علمه. [٤] عن عباس الجبريري: سمعت أبا عثمان النهدي، قال: تضيفت أبا هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أتلاناً: يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا.
199
[١] عن عكرمة: أن أبا هريرة كان يُسَبِّحُ كُلَّ يوم اثني عشر أنف تسبيحة، يقول: أُسَبِّحُ بقدر ديتي. عن حُميد بن مالك بن خُثَيْم، قال: كُنت جالساً عند أبي هريرة في أرضه بالعقيق، فأتاه قوم، فنزلوا عنده. قال حُميد: فقال: اذهب إلى أُمِّي، فقل: إن ابنك يُقْرِئُك السلام، ويقول: أطعمينا شيئاً. قال: فوضعت ثلاثة أقراص في الصحفة، وشيئاً من زيت وملح ووضعتها على رأسي، فحملتها إليهم.
فلما وضعته بين أيديهم، كَبَّر أبو هريرة، قال: الحمد الله الذي أشبعنا من الخبز، بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين: التمر والماء.
فلم يُصِب القوم من الطعام شيئاً، فلما انصرفوا قال: يا ابن أخي، أُحْسِنُ إلى غنمك، وامسح عنها الرعام، وأطب مراحها، وصل في ناحيتها، فإنها من دواب الجنة. والذي نفسي بيده، يُوشِكُ أن يأتي على الناس زمان تكون الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان (١).
(١)
[٢] عن ميمون بن ميسرة، قال: كانت لأبي هريرة صيحتان في كل يوم: أول النهار وآخره يقول: ذهب الليل، وجاء النهار، وعرض آل فرعون على النار. فلا يسمعه أحد إلا استعاذ بالله من النار.
(٢)
[٣] عن أبي هريرة: أنه صلى بالناس يوماً، فلما سلم، رفع صوته، فقال: الحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً، بعد أن كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه، وحمولة رجله.
(٣)
[٤] عن مضارب بن حزن، قال: بينا أنا أسير تحت الليل، إذا رجل يكبر، فالحقه بعيري. فقلت: من هذا؟ قال أبو هريرة. قلت: وما التكبير؟ قال: شكر. قلت: على مه؟ قال: كنت أجير البسرة بنت غزوان بعقبة رجلي (٢)، وطعام بطني، وكانوا إذا ركبوا، سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، فزوجنيها الله! فهي امرأتي.
(٤)
[٥] عن أيوب، عن محمد أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف. فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله، وعدو كتابه؟
(٥)
(١) الرعام: مخاط رقيق يجري من أنوف الغنم، وأطب مراحها: نظفه، والثلة: جماعة الغنم، قليلة كانت أو كثيرة، وقيل الثلة: الكثير منها.
(٢) أي: نوبة ركوبه.
200
فقال أبو هريرة. فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما. قال: فمن أين هي لك؟ قلت: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت.
فنظروا، فوجدوا كما قال.
[١] فلما كان بعد ذلك، دعاه عمر ليوليه، فأبى. فقال: تكره العمل، وقد طلب العمل من كان خيراً منك: يوسف عليه السلام! فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثاً واثنين. قال: فهلا قلت: خمساً؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويُشتم عرضي.
قلت: كان أبو هريرة طيب الأخلاق. ربما ناب في المدينة عن مروان أيضاً. [٢] عن أبي رافع، قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حماراً ببرذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير، فيلقى الرجل، فيقول: الطريق! قد جاء الأمير.
[٣] وربما أتى الصبيان، وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب. فلا يشعرون، حتى يلقي نفسه بينهم، ويضرب برجليه، فيفرغ الصبيان، فيفرون. وربما دعاني إلى عشائه، فيقول: دع العراق للأمير. فأنظر، فإذا هو ثريدة بزيت (١). [٤] وقال حزم القطعي: سمعت الحسن يقول: كان أبو هريرة إذا مرت به جنازة، قال: اغدوا فإن رائحون، وروحوا فإن غادون.
[٥] يوسف بن علي الزنجاني الفقيه: سمعت الفقيه أبا إسحاق الفيروزآبادي: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة (٢)، فطالب بالدليل،
(١) الخلية: واحد الخلب: الحبل الرقيق الصلب من الليف والقطن وغيرهما. والعراق: العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم، أو الغدرة من اللحم.
(٢) المصراة: الناقة أو البقرة أو الشاة بصرى اللبن في ضرعها، أي: يجمع ويحبس، ثم تباع، فيظنها المشتري كثيرة اللبن، فيزيد في ثمنها، فإذا حلبها مرتين أو ثلاثاً، وقف على التصرية والغرور. وحديث أبي هريرة الوارد فيها: هو في (الموطأ) ٢/٦٨٣، ٦٨٤ في البيوع: باب ما ينهي عنه من المساومة والمبايعة. أخرجه البخاري ٤/٣٠٩ عن عبدالله بن يوسف، ومسلم (١٥١٥)، (١١) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك، عن أبي الزناد عبدالله بن
201
حتى استدلَّ بحديث أبي هريرة الوارد فيها.
فقال - وكان حنفياً -: أبو هريرة غير مقبول الحديث
فما استتم كلامه، حتى سقط عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس
من أجلها، وهرب الشاب منها، وهي تتبعه.
فقيل له: تب، تب. فقال: ثبت. فغابت الحية، فلم ير لها أثر.
إسنادها أئمة.
(١) وأبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول عليه السلام، وأدائه
بحروفه. وقد أدى حديث المصراة بألفاظه، فوجب علينا العمل به، وهو أصل
برأسه.
وقد ولي أبو هريرة البحرين لعمر، وأفتى بها في مسألة المطلقة طلقة ثم يتزوج
بها آخر، ثم بعد الدخول فارقها، فتزوجها الأول. هل تبقى عنده على طلقتين - كما
هو قول عمر وغيره من الصحابة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه - أو تلغى
تلك التطلقة. وتكون عنده على الثلاث، كما هو قول ابن عباس وابن عمر وأبي حنيفة،
ورواية عن عمر، بناء على أن إصابة الزوج تهدم ما دون الثلاث، كما هدمت إصابته لها
الثلاث. فالأول مبني على أن إصابة الزوج الثاني، إنما هي غاية التحريم الثابت
بالطلاق الثلاث، فهو الذي يرتفع، والمطلقة دون الثلاث لم تحرم، فلا ترفع
الإصابة منها شيئاً. وبهذا أفتى أبو هريرة. فقال له عمر: لو افتيت بغيره، لأوجعتك
ضرباً.
وكذلك أفتى أبو هريرة في دقائق المسائل مع مثل ابن عباس، وقد عمل
الصحابة فمن بعدهم بحديث أبي هريرة في مسائل كثيرة تخالف القياس، كما
ذكرنا، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو
بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمره أي: يردها بعيب التصرية،
ويرد معها صاعاً من تمر مكان ما حلب من اللبن، وهو قول مالك والشافعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وأبي
عبيد وأبي ثور.
202
عملوا كُلهم بحديثه عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُنكح المرأة على عَمَّتها، ولا
خالتها».
وعمل أبو حنيفة والشافعي وغيرهما بحديثه: «أن من أكل ناسياً، فليتم صومه».
مع أن القياس عند أبي حنيفة: أنه يُفطر، فترك القياس لخبر أبي هريرة.
وهذا مالك عمل بحديث أبي هريرة في غسل الإناء سبعاً من ولوغ الكلب. مع
أن القياس عنده: أنه لا يُغسل لطهارته عنده.
بل قد ترك أبو حنيفة القياس لما هو دون حديث أبي هريرة في مسألة الفقهية،
لذلك الخبر المُرسل.
[١] وقد كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث.
[٢] عن سالم: سمع أبا هريرة يقول: سألتني قوم محرمون عن محلين أهدوا لهم
صيداً. فأمرتهم بأكله. ثم لقيت عمر بن الخطاب، فأخبرته، فقال: لو أفتيتهم بغير
هذا، لأوجعتك.
[٣] عاصم بن محمد، عن أبيه: رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض على
رُمانتي المنبر قائماً، ويقول: حدثنا أبو القاسم ﷺ الصادق المصدوق. فلا يزال
يُحدث حتى يسمع فتح باب المقصورة لخروج الإمامة، فيجلس.
[٤] عن سلم بن بشير أن أبا هريرة بكى في مرضه: فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي
على دنياكم هذه، ولكن على بُعد سفري، وقلة زادي، وأني أمسيت في صعود،
ومهبطه على جنة أو نار، فلا أدري أيهما يؤخذ بي.
عن هشام بن عروة: أن عائشة، وأبا هريرة، ماتا سنة سبع وخمسين، قبل معاوية
بستين.
وذكرته في (تذكرة الحفاظ). فهو رأس في القرآن، وفي السنة، وفي الفقه.
وفي (سنن النسائي): أن أبا هريرة، دعا لنفسه: اللهم، إني أسألك علماً لا
يُنسى. فقال النبي ﷺ: «آمين».
203
مِزْوَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِتَمَرَاتٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ لِي فِيهِنَّ يَا
رَسُولَ اللَّهِ بِالْبَرَكَةِ فَقَبَضَهُنَّ، ثُمَّ دَعَا فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي
مِزْوَدَ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُنَّ، فَأَدْخِلْ يَدَكَ، فَخُذْ، وَلَا تَنْثُرْهُنَّ نَثْرًا».
فَقَالَ: فَحَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا وَسْقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُنَّا نَأْكُلُ وَنُطْعِمُ،
وَكَانَ الْمِزْوَدُ مُعَلَّقًا بِحَقْوِي، لَا يُفَارِقُ حَقْوِي، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، انْقَطَعَ (١).
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
مُسْنَدُهُ: خَمْسَةُ آلَافٍ وَثَلَاثُ مِئَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا.
(١) الْوَسَقُ: مَكِيلَةُ مَعْلُومَةِ عِنْدَهُمْ، يُقَالُ: هُوَ حَمْلُ بَعِيرٍ، وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ. وَالْحَقْوُ، مُعَقَّدُ الْإِزَارِ.
204
الجزء الثالث
205
206