تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٥٤ أبو ذر (ع) (٢)

الصفحات 104–109 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 8 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٥٤ أبو ذر (ع) (٢)

[٦] جندب بن جنادة الغفاري.

قلت: أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب محمد ﷺ.

104

[١] قيل: كان خامس خمسة في الإسلام، ثم إنه رُدَّ إلى بلاد قومه، فأقام بها بأمر

النبي ﷺ له بذلك، فلما هاجر النبي ﷺ، هاجر إليه أبو ذر رضي الله عنه،

ولازمه، وجاهد معه.

[٢] وكان يُفتي في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان.

[٣] وكان رأساً في الزهد، والصدق، والعلم والعمل، قوالاً بالحق، لا تأخذه في

الله لومة لائم، على حدة فيه.

[٤] وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر.

[٥] عن عبد الله بن الصامت، قال: قال أبو ذر: خرجنا مع قومنا غفار، وكانوا

يُحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمتنا، فنزلنا على خال لنا،

فأكرمنا وأحسن. فحسدنا قومه، فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك يخالفك إليهم

أنيس، فجاء خالنا، فذكر لنا ما قيل له: فقلت: أما ما مضى من معروفك، فقد

كدّرته، ولا جماع لك فيما بعد. فقدّمنا صرمتنا (١) فاحتملنا عليها، وجعل خالنا

يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر (٢) أنيس عن صرمتنا وعن مثلها،

فأتيا الكاهن فخير أنيساً، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها.

قال: وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين قلت:

لمن؟ قال الله. قلت: أين توجه؟ قال: حيث وجهني الله، أصلي عشاء حتى إذا

كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء (٣) حتى تعلوني الشمس.

فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث

علي (٤) ثم جاء. فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعم أنه

مُرسل. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. قال:

(١) في صحيح مسلم، فقربنا صرمتنا، والصرمة: القطعة من الإبل.

(٢) نافر: حاكم: يقال: نافرت الرجل منافرة إذا قاضيته، والمنافرة، المحاكمة تكون في تفضيل أحد الشيئين على

الآخر.

(٣) الخفاء: كساء يطرح على السقاء.

(٤) يقال: راث فلان علينا إذا أبطأ.

105

وكان أنيس أحد الشعراء: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقوال الشعراء، فما يلتئم على لسان أحد أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون! قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر.

فأتيت مكة، فتضعفت (١) رجلاً منهم، فقلت: من هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي فقال: الصابئ. قال: فمال علي أهل الوادي بكل مدرة، وعظم، حتى خررت مغشياً علي. فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر (٢)، فأتيت زمزم، فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها.

ولقد لبثت - يا ابن أخي - ثلاثين، بين ليلة ويوم، مالي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكني، وما وجدت على كبدي سخفة (٣) جوع. فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان (٤)، جاءت امرأتان تطوفان، وتدعوان إسافاً ونائلة (٥)، فأتنا علي في طوافهما. فقلت: أنكحا أحدهما الآخر. فما تناهتا عن قولهما، فأتنا علي. فقلت: هن (٦) مثل الخشبة، غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان، تقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا! فاستقبلهما رسول الله، وأبو بكر، وهما هابطتان، فقال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: فما قال لكما؟ قالتا: إنه قال كلمة تملأ الفم.

قال: وجاء رسول الله حتى استلم الحجر، ثم طاف بالبيت، هو وصاحبه، ثم صلى. وكنت أول من حياه بتحية الإسلام. قال: عليك ورحمة الله! من أين أنت؟ قلت: من غفار. فأهوى بيده، ووضع أصابعه على جبهته. فقلت في نفسي: كره أني انتميت إلى غفار. فذهبت أخذ بيده: فدفعني

(١) أي نظرت إلى أضعفهم.

(٢) النصب: الحجر أو الصنم الذي كانوا ينصبونه في الجاهلية ويذبحون عليه، فيحمر من كثرة دم القربان

والذبائح، أراد أنهم ضربوه حتى أدموه.

(٣) سخفة الجوع: رفته وهزاله.

(٤) يقال: ليلة إضحيان وإضحيانة أي: مضبئة لا غيم فيها. فقمرها ظاهر يضيئها.

(٥) إساف ونائلة: صنمان تزعم العرب أنهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة فمسحا.

(٦) عني به الذكر، وقوله: لا أكني، أراد أنه أفصح باسمه ولم يكن عنه.

106

صاحبه، وكان أعلم به مني. قال: ثم رفع رأسه، فقال: متى كنت ها هنا؟ قلت: منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم. قال: فمن كان يُطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمّنت، وما أجد على بطني سخفة جوع. قال: «إنها مباركة إنها طعام طعم».

فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة، فانطلقنا، ففتح أبو بكر باباً، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. فكان أول طعام أكلته بها. وأتيت رسول الله ﷺ. فقال: «إنه قد وُجّهت لي أرض ذات نخل، لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك، لعل الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ قال: فانطلقت، فلقيت أنيساً، فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت. فأسلمت أمنا، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفار، فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيماء بن رخصة، وكان سيدهم. وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي.

وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله، إخواننا، نسلم على الذي أسلموا عليه فأسلموا فقال رسول الله ﷺ: «غفار غفر الله لها! وأسلم سالمها الله». [١] قال الواقدي: كان حامل راية غفار يوم حنين أبو ذر. [٢] وكان يقول: أبطأت في غزوة تبوك، من عجف (١) بعيري. [٣] عن أبي سيرين: سألت ابن أخت لأبي ذر: ما ترك أبو ذر؟ قال: ترك أتانين، وحماراً، وأعنزاً، وركائب.

[٤] عن أبي حرب بن الأسود: سمعت عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر». عن أبي اليمان، وأبي المثنى، أن أبا ذر قال: بايعني رسول الله ﷺ خمساً، وواثقني سبعاً، وأشهد الله علي سبعاً: ألا أخاف في الله لومة لائم.

(١) العجف: الهزال.

107

[١] عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي ﷺ بسبع «أمرني بحب المساكين والذنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني وأن لا أسأل أحداً شيئاً، وأن أصل الرحم وإن أدبرت، وأن أقول الحق وإن كان مراً، وألا أخاف في الله لومة لائم، وأن أكثر من قول: لا حول ولا قول إلا بالله، فانهن من كنز تحت العرش».

[٢] عن زيد بن خالد الجهني، قال: كنت عند عثمان، إذ جاءه أبو ذر، فلما رآه عثمان قال: مرحباً وأهلاً بأخي. فقال أبو ذر: مرحباً وأهلاً بأخي، لقد أغلظت علينا في العزيمة، والله لو عزمت علي أن أحبو لحبوت ما استطعت. إني خرجت مع النبي ﷺ نحو حائط بني فلان، فقال لي: «ويحك بعدي»! فبكيت، فقلت: يا رسول الله، وإني لباق بعدك؟ قال: «نعم، فإذا رأيت البناء على سلع، فالحق بالمغرب، أرض قضاعة».

قال عثمان: أحببت أن أجعلك مع أصحابك وخفت عليك جهال الناس. [٣] قال المعرور بن سويد: نزلنا الربذة، فإذا برجل عليه برد، وعلى غلامه مثله، فقلنا: لو عملتهما حلة لك، واشتريت لغلامك غيره! فقال: سأحدثكم: كان بيني وبين صاحب لي كلام، وكانت أمه أعجمية، فبثت منها، فقال لي رسول الله ﷺ «ساببت فلاناً»؟ قلت: نعم. قال: «ذكرت أمه» قلت: من ساب الرجال ذكر أبوه وأمه. فقال: «إنك امروه فيه جاهلية». - وذكر الحديث - إلى أن قال: «إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه».

[٤] عن ابن بريدة، قال: لما قدم أبو موسى لقي أبا ذر، فجعل أبو موسى يكرمه - وكان أبو موسى قصيراً خفيف اللحم. وكان أبو ذر رجلاً أسود كث الشعر - فيقول أبو ذر: إليك عني! ويقول أبو موسى: مرحباً بأخي! فيقول: لست بأخيك! إنما كنت أخاك قبل أن تلي. مات سنة اثنتين وثلاثين.

108

[١] وقد قال النبي ﷺ لأبي ذر - مع قوة أبي ذر وشجاعته - «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم».

فهذا محمول على ضعف الرأي، فإنه لو ولي مال يتيم، لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيراً. فقد كان لا يستجيز ادخار النقدين. والذي يتأمر على الناس، يريد أن يكون فيه حلم ومُداراة، وأبو ذر رضي الله عنه كانت فيه حدة - كما ذكرناه - فنصحه النبي ﷺ.

[٢] عن أبي عثمان النهدي، قال: رأيت أبا ذر يميد على راحلته، وهو مستقبل مطلع الشمس، فظنته نائماً، فدنوت وقلت: أنائم أنت يا أبا ذر؟ قال: لا، بل كنت أصلي.

109

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080