تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٤٦ - عبدالله بن مسعود (ع)(١)

الصفحات 80–86 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 9 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٤٦ - عبدالله بن مسعود (ع)(١)

[٥] الإمام الحبر، فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن الهذلي، المكي، المهاجري، البدري، حليف بني زهرة.

كان من السابقين الأولين، ومن النجباء العالمين، شهد بدرًا، وهاجر الهجرتين، وكان يوم اليرموك على النفل، ومناقبه غزيرة، روى علماً كثيراً.

[٦] وروى الأعمش، عن إبراهيم قال: كان عبدالله لطيفاً، فطناً.

قلت: كان معدوداً في أذكياء العلماء.

[٧] وعن ابن المسيب: قال رأيت ابن مسعود عظيم البطن، أحمش الساقين.

[٨] عن نويفع مولى ابن مسعود، قال كان عبدالله من أجود الناس ثوباً أبيض، وأطيب الناس ريحاً.

[٩] قال عبدالله: لقد رأيتني سادس سنة وما على ظهر الأرض مسلمٌ غيرنا.

(١) انظر السير: ١/ ٤٦١-٥٠٠

80

[١] عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمرّ بي رسول الله،

ﷺ، وأبو بكر، فقال: يا غلام! هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال:

فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلب

في إناء، فشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: أقلص، فقلص. زاد أحمد قال:

ثم أتيته بعد هذا، ثم اتفقا - فقلت: يا رسول الله! علمني من هذا القول، فمسح

رأسي، وقال: يرحمك الله إنك عليم معلم.

هذا حديث صحيح الإسناد، ورواه أبو عوانة عن عاصم بن بهدلة، وفيه زيادة

منها: فلقد أخذت من فيه ﷺ، سبعين سورة ما نازعني فيها بشر.

[٢] يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه قال: أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول

الله ﷺ، عبد الله بن مسعود.

[٣] عن أنس: أن النبي ﷺ، آخى بين الزبير وابن مسعود.

[٤] عن أبي الأحوص سمعت أبا مسعود وأبا موسى حين مات عبد الله بن مسعود،

وأحدهما يقول لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله؟

قال: لئن قلت ذلك، لقد كان يؤذن له إذا حجبنا ويشهد إذا غبنا.

[٥] وأخرج البخاري والنسائي من حديث أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من

اليمن، فمكثنا حيناً، وما نحسب ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي ﷺ، لكثرة

دخولهم وخروجهم عليه.

[٦] عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ، «يا عبد الله إذنك علي أن ترفع الحجاب،

وتسمع سوادي حتى أنهاك». عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾. الآية، قال رسول الله ﷺ، «قيل لي: أنت منهم».

[٧] عن أبي وائل قال: كنت مع حذيفة، فجاء ابن مسعود، فقال حذيفة: إن أشبه

الناس هدياً ودلاً وقضاء وخطبة برسول الله ﷺ، من حين يخرج من بيته، إلى أن

يرجع، لا أدري ما يصنع في أهله لعبد الله بن مسعود، ولقد علم المتهجدون من

81

أصحاب محمد ﷺ، أن عبدالله من أقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة. [١] عن علقمة قال: كنا عند عبدالله، فجاء خباب بن الأرت حتى قام علينا، في يده خاتم من ذهب، فقال: أكل هؤلاء يقرؤون كما تقرأ؟ فقال عبدالله: إن شئت أمرت بعضهم يقرأ، قال: أجل، فقال: اقرأ يا علقمة! فقال فلان: أتأمره أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ قال عبدالله: إن شئت حدثتك بما قال رسول الله ﷺ، في قومه وقومك. قال علقمة: فقرأت خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد الله: ما قرأ إلا كما أقرأ. ثم قال عبدالله: ألم يأن لهذا الخاتم أن يطرح؟ فنزعه، ورمى به، وقال: والله لا تراه علي أبداً.

[٢] عن أبي الأحوص قال: أتيت أبا موسى وعنده عبدالله وأبو مسعود الأنصاري وهم ينظرون إلى مصحف، فتحدثنا ساعة، ثم خرج عبدالله، وذهب، فقال أبو مسعود: والله ما أعلم النبي ﷺ، ترك أحداً أعلم بكتاب الله من هذا القائم.

[٣] عن مسروق قال عبدالله: والذي لا إله غيره لقد قرأت من في رسول الله ﷺ، بضعاً وسبعين سورة، ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لأتيته.

[٤] عن عبدالله أن رسول الله ﷺ، مر بين أبي بكر وعمر، وعبدالله قائم يصلي فافتتح سورة النساء يسجلها (١)، فقال ﷺ، «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد» فأخذ عبدالله في الدعاء. فجعل رسول الله ﷺ يقول: «سل تعط». فكان فيما سأل: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ، في أعلى جنان الخلد، فأتى عمر عبدالله يبشره، فوجد أبا بكر خارجاً قد سبقه، فقال: إنك لسباق بالخير.

[٥] عن أم موسى: سمعت علياً يقول: أمر رسول الله ﷺ، ابن مسعود، فصعد شجرة يأتيه منها بشيء فنظر أصحابه إلى ساق عبدالله فضحكوا من حموشة ساقيه،

(١) أي يقرؤها قراءة مفصلة.

82

فقال رسول الله، ﷺ، «ما تضحكون؟ لرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد».

[١] عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ، «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد». [٢] عن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ، «اقرأ علي القرآن. قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١] فغمزني برجله، فإذا عيناه تذرفان.

[٣] قال عمرو بن العاص في مرضه، وقد جزع، فقيل له: قد كان رسول الله ﷺ، يُدنيك ويستعملك، قال: والله ما أدري ما كان ذلك منه، أحب أو كان يتألفني، ولكن أشهد على رجلين أنه مات وهو يحبهما: ابن أم عبد، وابن سمية.

[٤] عن علقمة قال: كان عبد الله يشبه النبي ﷺ، في هديه وذله وسمته، وكان علقمة يشبه بعبد الله.

[٥] عن حارثة بن مضرب قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: إني قد بعثت إليكم عماراً أميراً، وابن مسعود معلماً ووزيراً، وهما من النجباء، من أصحاب محمد ﷺ، من أهل بدر، فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي.

[٦] عن خمير بن مالك، قال: أمر بالمصاحف أن تغير، فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغله فإنه من غل شيئاً جاء به يوم القيامة. ثم قال: لقد قرأت من فم رسول الله ﷺ، سبعين سورة أترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ، ؟!

قال الزهري: فبلغني أن ذلك كره من مقالة ابن مسعود، كرهه رجال من الصحابة.

83

قلت: إنما شق على ابن مسعود، لكون عثمان ما قدمه على كتابة المصحف، وقدم في ذلك من يصلح أن يكون ولده، وإنما عدل عنه عثمان لغيبته عنه بالكوفة، ولأن زيدا كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فهو إمام في الرسم، وابن مسعود فإمام في الأداء، ثم إن زيدا هو الذي ندبه الصديق لكتابة المصحف وجمع القرآن، فهلا عتب على أبي بكر؟ وقد ورد أن ابن مسعود رضي وتابع عثمان والله الحمد. وفي مصحف ابن مسعود أشياء أظنها نسخت، وأما زيد فكان أحدث

القوم بالعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ، عام توفي، على جبريل. [١] عن زيد بن وهب قال: لما بعث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالمجيء إلى المدينة، اجتمع إليه الناس، فقالوا: أقم فلا تخرج، ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه. فقال: إن له علي طاعة، وإنها ستكون أمور وفتن لا أحب أن أكون أول من فتحها. فرد الناس وخرج إليه.

[٢] عن عبدالله قال: كنا إذا تعلمنا من النبي ﷺ، عشر آيات لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها، يعني من العلم.

[٣] عن أبي البختري قال: سُئل علي عن ابن مسعود، فقال: قرأ القرآن، ثم وقف عنده، وكفي به، وروي نحوه من وجه آخر عن علي، وزاد: وعلم السنة. عن زيد بن وهب قال: إني لجالس مع عمر بن الخطاب، إذ جاء ابن مسعود، فكاد الجلوس يوازونه من قصره، فضحك عمر حين رآه، فجعل عمر يكلمه، ويتهلل وجهه، ويضاحكه، وهو قائم عليه، ثم ولّى فأتبعه عمر بصره حتى توارى، فقال: كُنيف مليء علماً (١).

[٤] عن أبي وائل أن ابن مسعود رأى رجلاً قد أسبل، فقال: ارفع إزارك، فقال: وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك، قال: إن بساقي حموشة وأنا أؤم الناس. فبلغ ذلك

(١) كُنيف: تصغير كنف، وهو الوعاء، وهو تصغير تعظيم.

84

عمر، فجعل يضرب الرجل، ويقول: أتردُّ على ابن مسعود؟ [١] عن أبي عمرو الشيباني: إنَّ أباموسى استُفتي في شيء من الفرائض، فغلط، وخالفه ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم.

[٢] عن مسروق قال: شاممت أصحاب محمد ﷺ، فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: علي، وعمر، وعبدالله، وزيد، وأبي الدرداء، وأبي. ثم شاممت الستة، فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله.

[٣] عن مسروق قال: حدثنا عبد الله يوماً فقال: قال رسول الله ﷺ، فرعد حتى رعدت ثيابه، ثم قال نحو ذا أو شبيهاً بذا.

[٤] عن عون بن عبد الله، عن أخيه عبيد الله قال: كان عبد الله إذا هدأت العيون، قام فسمعت له دويّاً كدويّ النحل.

[٥] عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود كان يقول في دعائه: خائف مستجير، تائب، مستغفر، راغب، راهب.

[٦] قال عبد الله بن مسعود: لو سخرت من كلب، لخشيت أن أكون كلباً، وإني لأكره أن أرى الرجل فارغاً ليس في عمل آخرة ولا دنيا.

[٧] عن عبد الله قال: من أراد الآخرة أضر بالدنيا، ومن أراد الدنيا، أضر بالآخرة، يا قوم فأضروا بالفاني للباقي.

[٨] قلت: كان قد قدم على عثمان وشهد في طريقه بالربذة (١) أبا ذر، وصلّى عليه. [٩] عن أبي ظبية قال: مرض عبد الله، فعاده عثمان، وقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه.

(١) الربذة: قرية من قرى المدينة، على ثلاثة أيام، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز، وبها قبر الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري.

85

[١] مات ابن مسعود بالمدينة، ودُفِنَ بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين.

عاش ثلاثاً وستين سنة.

86

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080