نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٤٠١ - البرمكي (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٤٠١ - البرمكي (١)
[١] الوزير الملك أبو الفضل جعفر، ابن الوزير الكبير أبي علي يحيى، ابن الوزير خالد بن برمك الفارسي:
[٢] كان خالد من رجال العلم، توصل إلى أعلى المراتب في دولة أبي جعفر، ثم كان ابنه يحيى كامل السؤدد، جليل المقدار، بحيث إن المهدي ضم إليه ولده الرشيد، فأحسن تربيته وأدبه، فلما أفضت الخلافة إلى الرشيد، رد إلى يحيى مقاليد الأمور، ورفع محله، وكان يخاطبه يا أبي، فكان من أعظم الوزراء، ونشأ له أولاد صاروا ملوكاً، ولا سيما جعفر، وما أدراك ما جعفر؟ له نبأ عجيب، وشأن غريب، بقي في الارتقاء في رتبة، شرك الخليفة في أمواله ولذاته وتصرفه في الممالك، ثم انقلب الدست في يوم. فقتل، وسجن أبوه وإخوته إلى الممات، فما أجهل من يغتر بالدنيا!
[٣] وقال الأصمعي: سمعت يحيى بن خالد يقول: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة. [٤] قيل: إن ولداً ليحيى قال له وهم في القيود: يا أبة بعد الأمر والنهي والأموال صرنا إلى هذا؟ قال: يا بني دعوة مظلوم غفلنا عنها، لم يغفل الله عنها.
(١) انظر السير: ٩/٥٩-٧١.
685
مات يحيى مسجونا بالرقّة سنة تسعين ومئة عن سبعين سنة.
[١] فأما جعفر، فكان من ملاح زمانه، كان وسيماً أبيض جميلاً فصيحاً مفوهاً، أديباً، عذب العبارة، حاتمي السخاء، وكان لعاباً غارقاً في لذات دنياه، ولي نيابة دمشق، فقدمها في سنة ثمانين ومئة، فكان يستخلف عليها، ويلازم هارون، وكان يقول: إذا أقلبت الدنيا عليك، فأعط، فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت، فأعط فإنها لا تبقى.
قد اختلف في سبب مصرع جعفر على أقوال.
[٢] وسئل سعيد بن سالم عن ذنب البرامكة، فقال: ما كان منهم بعض ما يوجب
ما فعل الرشيد، لكن طالت أيامهم، وكل طويل يمل.
[٣] وفي تاريخ ابن خلكان: أن الرشيد دعا ياسراً غلامه، فقال: قد انتخبتك لأمر لم أر له الأمين ولا المأمون، فحقق ظني. قال: لو أمرتني بقتل نفسي، لفعلت. قال: ائتني برأس جعفر، فوجم لها، قال: ويلك مالك؟ قال: الأمر عظيم، ليتني مت قبل هذا.
قال: امض، ويلك، فمضى، فأتى جعفراً، فقال: يا ياسر سررتني بإقبالك لكن سؤتني بدخولك بلا إذن. قال: الأمر وراء ذلك يا جعفر، قد أمرت بكذا، قال المسكين - وأقبل يقبل قدمه، وقال: دعني أدخل وأوصي. قال: لا سبيل إلى ذلك، فأوص. فقال: لي عليك حق، فارجع إلى أمير المؤمنين. وقل: قتلته، فإن ندم، كانت حياتي على يدك. قال: لا أقدر، قال: فأتي معك إلى مخيمه، وأسمع كلامه، وقولك له. قال: أما هذا، فنعم. وذهب به، فلما دخل ياسر، قال: ما وراءك؟ فذكر له قول جعفر، فشتمه، وقال: ظنن راجعتني، لأقدمنك قبله. فخرج، وضرب عنقه، وأتاه برأسه، فقال: يا ياسر جئتي، بفلان وفلان، فلما أتاه بهما، قال: اضربا عنقه، فإني لا أقدر أرى قاتل جعفر.
686
[١] وقال أبو العتاهية:
قُولَا لِمَنْ يَرْتَجِي الْحَيَاةَ أَمَّا فِي جَعْفَرٍ عِبْرَةٌ وَيَحْيَاهُ كَانَا وَزِيرِي خَلِيفَةِ اللَّهِ هَا رُونَ هُمَا مَا هُمَا وَزِيرَاهُ فَذَالِكُمْ جَعْفَرٌ بِرَمْتِهِ فِي حَالِقٍ رَأْسُهُ وَنِصْفَاهُ وَالشَّيْخُ يَحْيَى الْوَزِيرُ أَصْبَحَ قَدْ نَحَاهُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَقْصَاهُ شَتَّتَ بَعْدَ الْجَمِيعِ شَمْلُهُمْ فَأَصْبَحُوا فِي الْبِلَادِ قَدْ تَاهُوا كَذَلِكَ مَنْ يُسْخِطُ إِلَهَ بِمَا يُرْضِي بِهِ الْعَبْدَ يَجْزِهِ اللَّهُ سُبْحَانَ مَنْ دَانَتِ الْمُلُوكُ لَهُ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ طُوبَى لِمَنْ تَابَ قَبْلَ عَثْرَتِهِ فَتَابَ قَبْلَ الْمَمَاتِ طُوبَاهُ قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى، سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، عَاشَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ أَخُوهُ الْفَضْلُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ.
687