نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٧٥٨ - السُّلْطَان (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٧٥٨ - السُّلْطَان (١)
[١] الملك يمين الدولة، فاتح الهند، أبوالقاسم، محمود بن سيد الأمراء، ناصر
الدولة سُبُكْتِكِين، التركي، صاحب خراسان والهند وغير ذلك.
فرض على نفسه كل سنة غزو الهند، فافتتح بلاداً شاسعة.
وكان السلطان مائلاً إلى الأثر إلا أنه من الكرامية.
[٢] قال أبو النضر الفامي: لما قدم التاهرتي الداعي من مصر على السلطان
يدعوه سراً إلى مذهب الباطنية، وكان التاهرتي يركب بغلاً يتلون كل ساعة من
كل لون، ففهم السلطان سر دعوتهم، فغضب، وقتل التاهرتي الخبيث، وأهدى
بغله إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي، شيخ هراة، وقال: كان
يركبه رأس الملحدين، فليركبه رأس الموحدين.
[٣] وذكر إمام الحرمين أن محمود بن سُبُكْتِكِين كان حنفياً يحب الحديث فوجد
كثيراً منه يخالف مذهبه، فجمع الفقهاء بمرو، وأمر بالبحث في أيما أقوى
مذهب أبي حنيفة أو الشافعي. قال: فوقع الإتفاق على أن يصلوا ركعتين بين
يديه على المذهبين. فصلّى أبو بكر القفال بوضوء مسبغ وسترة وطهارة وقبلة
وتمام أركان لا يجوز الشافعي دونها، ثم صلى صلاة على ما يجوز أبو حنيفة،
فليس جلد كلب مدبوغاً قد لطخ ربعه بنجاسة، وتوضأ بنبيذ، فاجتمع عليه
الذبان، وكان وضوءاً منكساً، ثم كبر بالفارسية وقرأ بالفارسية: دُوبْرُكك سَبْز. (٢)
(١) انظر السير: ١٧/٤٨٣-٤٩٥.
(٢) والمعنى: ورقتان خضراوان، وهو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿مُدْهَامَتَان﴾ انظر «وفيات الأعيان»
٥/١٨٢، و «المعجم الذهبي» فارسي عربي.
1232
وَنَقَرَ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ وَلَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَتَشْهَدَ، وَضَرَّطَ بِلَا سَلَامٍ. فَقَالَ لَهُ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصَّلَاةُ يُجِيزُهَا الْإِمَامُ، فَتَلْتَكُ. فَأَنْكَرَتِ الْحَنَفِيَّةُ الصَّلَاةَ، فَأَمَرَ الْقَفَّالُ بِإِحْضَارِ كُتُبِهِمْ، فَوُجِدَ كَذَلِكَ، فَتَحَوَّلَ مَحْمُودٌ شَافِعِيًّا. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا. (١)
[١] قَالَ عَبْدُ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ فِي تَرْجَمَةِ مَحْمُودٍ: كَانَ صَادِقَ النِّيَّةِ فِي إِعْلَاءِ الدِّينِ، مُظَفَّرًا كَثِيرَ الْغَزْوِ، وَكَانَ ذَكِيًّا بَعِيدَ الْغَوْرِ، صَائِبَ الرَّأْيِ، وَكَانَ مَجْلِسُهُ مَوْرِدَ الْعُلَمَاءِ. وَقَبَّرَهُ بِغَزْنَةَ يُزَارُ.
مَوْلِدُ مَحْمُودٍ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مِئَةٍ.
وَمَاتَ بِغَزْنَةَ، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مِئَةٍ.
[٢] وَكَانَتْ غَزَوَاتُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٌ مَشْهُورَةٌ عَدِيدَةٌ وَفُتُوحَاتُهُ الْمُبْتَكِرَةُ عَظِيمَةٌ. [٣] بَلَغَ السُّلْطَانُ أَنَّ الْهُنُودَ قَالُوا: أَخْرَبَ أَكْثَرَ بِلَادِ الْهِنْدِ غَضَبُ الصَّنَمِ الْكَبِيرِ سُوَمَنَاتٍ عَلَى سَائِرِ الْأَصْنَامِ وَمَنْ حَوْلَهَا، فَعَزَمَ عَلَى غَزْوِ هَذَا الْوَثَنِ، وَسَارَ يَطْوِي الْقِفَارَ فِي جَيْشِهِ إِلَيْهِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَرْزُقُ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَسْمَعُ وَيَعِي، يُحْجُّونَ إِلَيْهِ، وَيُتْحِفُونَهُ بِالنَّفَائِسِ، وَيَتَغَالَوْنَ فِيهِ كَثِيرًا، فَتَجَمَّعَ عِنْدَ هَذَا مَالٌ يَتَجَاوَزُ الْوَصْفَ، وَكَانُوا يَغْسِلُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ بِمَاءٍ وَعَسَلٍ وَلَبَنٍ، وَيَنْقُلُونَ إِلَيْهِ الْمَاءَ مِنْ نَهْرِ حِيلٍ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَثَلَاثَ مِئَةٍ يَحْلِقُونَ رُؤُوسَ حُجَّاجِهِ وَلِحَاهِمَ، وَثَلَاثَ مِئَةٍ يُغَنُّونَ. فَسَارَ الْجَيْشُ مِنْ غَزْنَةَ، وَقَطَعُوا مَفَازَةً صَعْبَةً. وَكَانُوا ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَارِسَ وَخَلْقًا مِنَ الرِّجَالَةِ وَالْمُطَوَّعَةِ، وَقَوَّى الْمُطَوَّعَةَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَنْفَقَ فِي
(١) فِي «مَعِيثِ الْخَلْقِ فِي اخْتِيَارِ الْأَحَقِّ»، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ خَلِّكَانَ فِي (وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ) ٥/١٨٠، ١٨١. وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مُلْفَقَةٌ مُفْتَرَاةٌ تَنْبِئُ عَنْ ذَمِيمِ التَّعَصُّبِ الَّذِي يَفْعَلُ أَفَاعِيلَهُ فِي النُّفُوسِ، فَيَحْمِلُهَا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَعَرَضَ رَأْيَ الْمَخَالِفِ عَرْضًا مَشُوهًا مُبْتَوَرًا، وَالْإِغْضَاءَ عَنْ فَضَائِلِهِ الْكَثِيرَةِ، وَمُحَاسَنَهُ الْجَمَّةَ، وَكَانَ عَلَى إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنْ يَسْلُكَ مَعَ مُخَالِيفِهِ سَبِيلَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ، وَيُنَاقِشَهُمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ وَيَصُونُ كِتَابُهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْهَرَاءِ وَالْهَذَيَانِ.
1233
الجيش فوق الكفاية، وارتحل من المُلْيا ثاني يوم الفطر سنة ٤١٦، وقاسوا مشاق وبقوا لا يجدون الماء إلا بعد ثلاث، غطّاهم في يوم ضباب عظيم، فقالت الكفرة: هذا من فعل الإله سُوْمَنات.
ثم نازل مدينة أنهلوارة، وهرب ملكها إلى جزيرة، فأخرب المسلمون بلده، ودكوها، وبينها بين الصنم مسيرة شهر في مفاوز، فساروا حتى نازلوا مدينة دَبُولوارة، وهي قبل الصنم بيومين، فأخذت عنوة، وكُسرت أصنامها، وهي كثيرة الفواكه، ثم نازلوا سُوْمَنات في رابع عشر ذي القعدة، ولها قلعة منيعة على البحر، فوقع الحصار فنُصبت السلالم عليها، فهرب المقاتلة إلى الصنم، وتضرعوا له، واشتد الحال وهم يظنون أن الصنم قد غضب عليهم، وكان في بيت عظيم منيع، على أبوابه الستور الديباج، وعلى الصنم من الحلي والجواهر مالا يوصف والقناديل تضيء ليلاً ونهاراً، على رأسه تاج لا يقوم، يندهش منه الناظر ويجتمع عنده في عيدهم نحو مئة ألف كافر، وهو على عرش بديع الزخرفة علو خمسة أذرع، وطول الصنم عشرة أذرع، وله بيت مال فيه من النفائس والذهب مالا يحصى، ففرق محمود في الجند معظم ذلك، وزعزع الصنم بالمعاول، فخر صريعاً، وكانت فرقة تعتقد أنه منات، وأنه تحول بنفسه في أيام النبوة من ساحل جدة، وحصل بهذا المكان ليقصد ويحج معارضة للكعبة. فلما رآه الكفار صريعاً مهيناً، تحسروا وسُقط في أيديهم، ثم أحرق حتى صار كلساً، وألقيت النيران في قصور القلعة، وقتل بها خمسون ألفاً، ثم سار محمود لأسر الملك بهيم، ودخلوا بالمراكب، فهرب، وافتتح محمود عدة حصون ومدائن، وعاد إلى غزنة فدخلها في ثامن صفر سنة سبع عشرة، ودانت له الملوك، فكانت مدة الغيبة مئة وثلاثة وستين يوماً. وقد خطب له بالغور وبخراسان والسند والهند، وناحية خوارزم وبلخ وهي من
1234
خُراسان، وبجُرجان وطبرستان والرِّي والجِبَال، وأصْبَهَان وأذْرَبِيجان وهَمَذان وأرْمِينِيَّة.
وكان مُكْرَمًا لأمرائه وأصحابه، وإذا نقم عاجَل، وكان لا يَفْتُر ولا يكاد يَقِرُّ، وكان يعتَقُد في الخليفة، ويخضع لجلاله، ويحمل إليه قناطير من الذهب، وكان إلْبًا على القرامطة والإسماعيلية وعلى المتكلِّمين، على بدعةٍ فيه فيما قبل، ويغضَب للكرامية، وتَصَرُّفه على الأخلاق الزكية، وكان فيه شدة وطأة على الرعية، ولكن كانوا في أمن وإقامة سياسة.
وقال محمود يوماً للأمير أبي طاهر الساماني: كم جمع آباؤك من الجوهر؟ قال: سمعت أنه كان عند الأمير الرضي سبعة أرطال. فسجد شكرا، وقال. أنا في خزانتي سبعون رطلاً.
[١] أحضر إلى محمود بغزنة شخصان من النُّسْناس من بادية بلاصيغون وهي مملكة قدرخان، وعَدْوُ النُّسْناس في شدة عَدْوِ الفرس، وهو في صورة آدمي، لكنه بدنه ملْبَس بالشعر، وكلامه صفير، ويأكل حشيشاً، وأهل تلك البلاد يصطادونهم، ويأكلونهم. فسأل محمود الفقهاء عن أكل لحْمِهِم، فَنَهَوْا عنه.
1235