نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٧٨٤ - ابن حزم (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٧٨٤ - ابن حزم (٢)
[١] الإمام الأوحد، البحر، ذو الفنون والمعارف، أبو محمد، علي بن أحمد بن
سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد
الفارسي الأصل، ثم الأندلسي القرطبي الزبيدي مولى الأمير يزيد بن أبي
سفيان بن حرب الأموي، - رضي الله عنه - المعروف بيزيد الخير، نائب أمير
المؤمنين أبي حفص عمر على دمشق، الفقيه الحافظ المتكلم، الأديب،
(٢) انظر السير: ١٨ / ١٨٤-٢١٢.
1273
الوزير الظاهري، صاحب التصانيف، فكان جده يزيد مولى للأمير يزيد أخي معاوية. وكان جده خلف بن معدان هو أول من دخل الأندلس في صحابة ملك الأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام المعروف بالداخل.
ولد أبو محمد بقرطبة في سنة أربع وثمانين وثلاث مئة.
نشأ في تنعم ورفاهية، ورزق ذكاءً مفرطاً، وذهناً سيالاً، وكتباً نفيسة كثيرة، وكان والده من كبراء أهل قرطبة، عمل الوزارة في الدولة العامرية، وكذلك وزر أبو محمد في شبيبته، وكان قد مهر أولاً في الأدب والأخبار والشعر، وفي المنطق وأجزاء الفلسفة، فأثرت فيه تأثيراً ليته سلم من ذلك، ولقد وقفت له على تأليف يحض فيه على الاعتناء بالمنطق، ويقدمه على العلوم، فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عديم النظير على ينس فيه، وفرط ظاهريه في الفروع لا الأصول.
[١] قيل: إنه تفقه أولاً للشافعي، ثم أداه اجتهاده إلى القول بنفي القياس كله جليه وخفيه، والأخذ بظاهر النص وعموم الكتاب والحديث، والقول بالبراءة الأصلية، واستصحاب الحال، وصنف في ذلك كتباً كثيرة، وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج (١) العبارة وسب وجدع (٢)، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة، وهجروها ونفروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى بها آخرون من العلماء وفتشوها انتقاداً واستفادة، وأخذاً ومؤاخذة، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجاً في الرصف بالخرز المهين، فتارة يطربون، ومرة يعجبون، ومن تفرده يهزؤون. وفي الجملة فالكمال عزيز، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الله عليه وسلم.
(١) المعنى أنه ساق العبارة فجّة قاسية.
(٢) الجدع في الأصل: القطع، وهو هنا كتابة عن الذم والشتم.
1274
وكان ينهض بعلوم جَمَّة، ويُجيد النقل، ويُحسِّن النظم والنثر وفيه دين وخير ومقاصده جميلة، ومُصنَّفاته مفيدة، وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مُكَبَّأ على
العلم، فلا نغلو فيه، ولا نَجْفو عنه، وقد أثنى عليه قَبْلنا الكبار:
قال أبو حامد الغزالي: وَجَدْتُ في أسماء الله تعالى كتاباً ألفه أبو محمد بن
حزم الأندلسي يدلُّ على عِظَم حِفظه وسَيَلان ذهنه.
قال أبو عبد الله الحُميدي: كان ابنُ حزم حافظاً للحديث وفقهه، مُستنبطاً
للأحكام من الكتاب والسنة، مُتَمَنِّناً في عُلُوم جَمَّة عاملاً بعلمه، ما رأينا مثله
فيما اجتمع له من الذكاء، وسُرعة الحفظ وكرم النفس والتَّدِين، وكان له في
الأدب والشعر نفس واسع وباع طويل وما رأيت من يقول الشعر على البديه أسرع
منه، وشعره كثير جمعته على حروف المعجم.
وقد حَطَّ أبو بكر بن العربي على أبي محمد في كتاب «القواصم والعواصم»
وعلى الظاهرية، فقال: هي أمة سخيفة، تَسَوَّرْتُ على مرتبة ليست لها،
وتكلمت بكلام لم تفهمه، تَلَقَّوْه من إخوانهم الخوارج حين حُكِّم علي - رضي
الله عنه - يوم صَفِين، فقالت: لا حُكِم إلا الله، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي
القول بالباطن، فلما عُدْتُ وَجَدْتُ القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف كان
من بادية إشبيلية يُعْرَفُ بابن حزم، نشأ وتعلَّق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى
داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع، ويحكم
ويشرع، يَنْسِبُ إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء مالم يقولوا تنفيراً
للقلوب منهم، وخرج عن طريق المُشَبَّهة في ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطوام،
واتفق كونه بين قوم لا بَصَرَ لهم إلا بالمسائل فإذا طالبهم بالدليل كاعوا، (1)
فَيَتَضَاحَكُ مع أصحابه منهم، وعَضَدَتْهُ الرئاسة بما كان عنده من أدب، وبشبه
(1) أي: (جبنوا).
1275
كان يُورِدُها على الملوك فكانوا يَحملونه، ويَحْمُونه، بما كان يُلقي إليهم من شُبَه البِدَع والشرك، وفي حين عَوْدِي من الرحلة ألفيتُ حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران وفي عدم أنصار إلى حساد يَطُؤون عَقِيبي، تارة تذهب لهم نفسي، وأخرى ينكشر بهم ضِرسي، وأنا ما بين إعراض عنهم أو تَشْغِيب بهم، وقد جاءني رجل بَجْزء لابن حزم سماه «نكت الإسلام» فيه دواهي، فجردت عليه نواهي، وجاءني آخر برسالة في الاعتقاد فَنَقَضْتُها برسالة «الغُرَّة»، والأمر أفحش من أن يُنقَض.
[١] يقولون: لا قول إلا ما قال الله، ولا تَتَّبِع إلا رسول الله، فإن الله لم يأمر بالاقتداء بأحد، ولا بالاهتداء بِهَدْي بشر، فيجب أن يتحققوا أنهم ليس لهم دليل وإنما هي سَخافة في تهويل، فأوصيكم بوصيتين: أن لا تستدلوا عليهم، وأن تُطالبوهم بالدليل، فإن المبتدع إذا استدللت عليه شَغَبَ عليك، وإذا طالبتَه بالدليل لم يَجِدْ إليه سبيلاً فأما قولهم: لا قول إلا ما قال الله، فحق، ولكن أرني ما قال. وأما قولهم: لا حكم إلا الله. فغير مُسَلَّم على الإطلاق، بل من حُكِم الله أن يَجْعَلَ الحُكْمَ لغيره فيما قاله وأخبر به.
صَحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا حاصَرْتَ أهلَ حِصْنٍ فلا تُنْزِلْهُمْ على حُكْم الله، فإنك لا تدري ما حُكِم الله، ولكن أنزِلْهُمْ على حُكْمك». وصح أنه قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ...» الحديث. قُلْتُ: لم يُنْصِف القاضي أبوبكر - رحمه الله - شيخ أبيه في العلم، ولا تَكَلَّمْ فيه بالقسط، وبالغ في الاستخفاف به، وأبوبكر فعلى عظمته في العلم لا يَبْلُغُ رُتْبَةَ أبي محمد، ولا يكاد، فرحمهما الله وغفر لهما.
قال اليَسْعُ بنُ حزمٍ الغافقي وذكر أبا محمد فقال: حدثني عنه عمر بن واجب قال: بينما نحن عند أبي بِلَنْسِيَّة وهو يُدَرِّسُ المذهب إذا بأبي محمد بن
1276
حزم يَسْمَعُنا، ويتعجب، ثم سأل الحاضرين مسألةً من الفقه، جُوب فيها، فاعترض في ذلك، فقال له بعض الحُضّار: هذا العلم ليس من مُتَحَلِّاتِك، فقام وقعد، ودخل منزله فعكف، وَوَكَفَ (١) منه وَابِلٌ فما كَفَّ، وما كان بعد أشهر قريبة حتى قَصَدَنا إلى ذلك الموضع فناظر أحسن مناظرة، وقال فيها: أنا أتبع الحق، وأجتهد ولا أتقيد بمذهب.
[١] قلت: نعم، من بلغ رتبة الاجتهاد، وشهد له بذلك عدّة من الأئمة، لم يسع له أن يُقلد، كما أن الفقيه المبتدىء والعامي الذي يحفظ القرآن أو كثيراً منه لا يسوغ له الاجتهاد أبداً، فكيف يجتهد وما الذي يقول؟ وعلام يبني؟ وكيف يطير ولما يُرَيِّش؟ والقسم الثالث: الفقيه المنتهي اليَقِظُ الفَهْمُ المُحَدِّث، الذي قد حفظ مختصراً في الفروع، وكتاباً في قواعد الأصول، وقرأ النحو، وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله وتشاغله بتفسيره وقوة مناظرته، فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المُقَيَّد، وتأهل للنظر في دلائل الأئمة، فمتى وضح له الحق في مسألة، وثبت فيها النص، وعمل بها أحد الأئمة الأعلام كأبي حنيفة مثلاً، أو كمالك، أو الثوري، أو الأوزاعي، أو الشافعي وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، فَلْيَتَّبِعْ فيها الحق ولا يَسْلُك الرُّخَصَ وَلْيَتَوَرَّعْ، ولا يَسَعُه فيها بعد قيام الحجة [٢] عليه تقليد، فإن خاف ممن يُشعِّب عليه من الفقهاء فَلْيَتَكَلَّمْ بها ولا يتراءى بفعلها، فربما أعجبته نفسه، وأحب الظهور، فيُعاقَب، ويدخل عليه الداخل من نفسه. فكم من رجل نطق بالحق، وأمر بالمعروف، فَيُسَلِّطُ الله عليه من يُؤذيه لسوء قصده، وحُبّه للرئاسة الدينية، فهذا داء خفي سار في نفوس الفقهاء كما أنه داء سار في نفوس المُنْفَقِين من الأغنياء وأرباب الوقوف والتُّرْب المزخرفة وهو داء خفي يسري في نفوس الجند والأمراء والمجاهدين، فتراهم يلتقون العدو،
(١) وكف: قطر.
1277
ويصطدم الجمعان وفي نفوس المجاهدين مُحَبَّاتٌ وكَمَائِنُ من الاختيال وإظهار الشجاعة ليقال، والعُجْب، ولُبِّسَ القراقل (١) المذهبة والخوذ المزخرفة، والعدد المُحَلَّاة على نفوس مُتَكَبِّرة، وفُرسان مُتَجَبِّرة وينضاف إلى ذلك إخلال بالصلاة، وظلم للرعية، وشُرب للمسكر، فأنى يُنصرون؟ وكيف لا يُخذلون؟ اللهم: [١] فانصر دينك، ووفق عبادك. فمن طلب العلم للعمل كسره العلم، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء، تحامق، واختال، وازدرى بالناس وأهلكه العُجْب، ومقتته الأنفس ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٩، ١٠) أي: دَسَّسَهَا بالفُجُور والمعصية. قُلِبَتْ فيه السين ألفاً.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام - وكان أحد المجتهدين -: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل «المُحَلَّى» لابن حزم، وكتاب «المُغني» للشيخ موفق الدين.
قُلْتُ: لقد صدق الشيخ عز الدين وثالثهما: «السنن الكبير» للبيهقي. ورابعهما: «التمهيد» لابن عبد البر. فمن حصل هذه الدواوين، وكان من أذكياء المفتين، وأدمن المطالعة فيها، فهو العالم حقاً.
قال أبو العباس ابن العريف: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين. [٢] وقال أبو بكر محمد بن طرخان التركي: قال لي الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد - يعني والد أبي بكر بن العربي -: أخبرني أبو محمد بن حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازة، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قُم فصل تحية المسجد. وكان قد بلغ ستاً وعشرين سنة. قال: فقمت وركعت، فلما رجعنا من الصلاة على الجنازة، دخلت المسجد، فبادرت بالركوع، فقيل
(١) القرقل: ضرب من الثياب، وقيل: هو ثوب بغير كمين، وقال أبو تراب: القرقل قميص من قمص النساء بلا لبنة، وجمعه قراقل.
1278
لي: اجلس اجلس، ليس ذا وقت صلاة - وكان بعد العصر - قال: فانصرفت وقد حَزِنَت، وقلت للأستاذ الذي رَيَّاني: دُلَّني على دار الفقيه أبي عبدالله بن دَحُون. قال: فقصدته، وأعلمته بما جرى، فدُلَّني على «موطأ» مالك، فبدأت به عليه، وتتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحواً من ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة.
قال أبومروان بن حَيَّان: كان ابن حزم - رحمه الله - حامل فنون من حديث وجدل ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله كتب كثيرة لم يخل فيها من غلط لجرأته في التسور على الفنون لا سيما المنطق فإنهم زعموا أنه زل هناك، وضل في سلوك المسالك، وخالف أرسطاطاليس واضع الفن مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض، ومال أولاً إلى النظر على رأي الشافعي، وناضل عن مذهبه حتى وُسم به، فاستُهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدل إلى قول أصحاب الظاهر فنقحه، وجادل عنه، وثبت عليه إلى أن مات، وكان يحمل علمه هذا، ويُجادل عنه من خالفه، على استرسال في طباعه ومذل (١) بأسراره، واستناد إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء ﴿لِيُبَيِّنَنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ﴾ (٢). فلم يك يُلطف صدعه بما عنده بتعريض ولا بتدريج بل يصك به من عارضه صك الجندل (٣)، ويُشقه إنشاق الخردل، فتنفر عنه القلوب، وتوقع به الندوب، حتى استُهدف لفقهاء وقته، فتمالؤوا عليه، وأجمعوا على
(١) مذل بسره، كنصر وعلم وكرم: أفشاه ومذلت نفسه بالشيء مذلاً: طابت وسمحت. (٢) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (آل عمران: ١٨٧) وقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بباء الغيب فيهما، والباقون بتاء الخطاب. (٣) الجندل: ما يُقَلِّله الرجل من الحجارة.
1279
تضليله، وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم من الدنو منه فطُفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به منقطع أثره ببلدة من بادية لبلة، وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع، يبث علمه فيمن يتتابه من بادية بلده من عامة المقتبسين من أصاغر الطلبة، الذين لا يخشون فيه الملامة يحدثهم، ويفقههم، ويدارسهم، حتى كمل من مصنفاته وفر بعير، لم يعد أكثرها باديته لزهد الفقهاء فيها، حتى لأحرق بعضها بإشبيلية ومزقت علانية. وكان مما يزيد في شنانه تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم واعتقاده لصحة إمامتهم، حتى لنسب إلى النصب.
قلت: قد أخذ المنطق - أبعد الله من علم - عن: محمد بن الحسن المذحجي، وأمعن فيه، فزلزله في أشياء، ولي أنا ميل إلى أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفره، ولا أضلله وأرجو له العفو والمسامحة، وللمسلمين.
وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه.
ولابن حزم:
١١) مُنَايَ من الدنيا علوم أبشها وأنشرها في كل باد وحاضر دعاء إلى القرآن والسنن التي تناسى رجال ذكرها في المحاضر والزم أطراف الثغور مجاهداً إذا هيعة ثارت فأول نافير لألقى حمامي مقبلاً غير مدبر بسمر العوالي والرقاق البواتر كفاحاً مع الكفار في حومة الوغى وأكرم موت للفتى قتل كافر فيا رب لا تجعل حمامي بغيرها ولا تجعلني من قطين المقابر
1280
وشعره فحلّ كما ترى، وكان ينظم على البديه، ومن شعره: أنا الشَّمْسُ في جَوِّ العُلُومِ مُنِيرَةٌ وَلَكِنْ عَيْبِي أَنْ مَطْلَعِي الغَرْبُ وَلَوْ أَنِّي مِنْ جَانِبِ الشَّرْقِ طَالِعٌ لَجَدَّ عَلَى مَا ضَاعَ مِنْ ذِكْرِي النَّهْبُ وَلِي نَحْوُ أَكْنَافِ العِرَاقِ صَبَابَةٌ وَلَا غَرُو أَنْ يَسْتَوْحِشَ الكَلِفُ الصَّبُّ فَإِنْ يُنْزِلِ الرَّحْمَنُ رَحْلِي بَيْنَهُمْ فَحَيْثُ يَبْدُو التَّأَسُّفُ وَالْكَرْبُ هُنَالِكَ يُدْرَى أَنْ لِلْبُعْدِ قِصَّةٌ وَأَنْ كَسَادَ العِلْمِ أَفْتَهُ القُرْبُ [١] قال ابن حزم في تراجم أبواب «صحيح» البخاري: منها ما هو مقصور على آية، إذ لا يصح في الباب شيء غيرها، ومنها ما يُبَيَّنُ به بتبويه على أن في الباب حديثاً يجب الوقوف عليه، لكنه ليس من شرط ما ألف عليه كتابه، ومنها ما يُبَيَّنُ عليه، ويذكر نبذة من حديث قد سطره في موضع آخر، ومنها أبواب تقع بلفظ حديث ليس من شرطه ويذكر في الباب ما هو في معناه. وكلام ابن حزم كثير، ولو أخذت في إيراد طرفه وما شَدَّ به لطال الأمر. تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِ مِئَةٍ. عمره إحدى وسبعين سنة وأشهر، رحمه الله.
1281