نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٤٩ - ابْنُ تُومَرْت (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٤٩ - ابْنُ تُومَرْت (٢)
الشَّيْخُ الْإِمَامُ، الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ الزَّاهِدُ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تُومَرْت، الْبَرْبَرِيُّ الْمَصْمُودِيُّ الْهَرْغِيُّ، الْخَارِجُ بِالْمَغْرِبِ الْمَدَّعِيِّ أَنَّهُ عَلَوِيٌّ حَسَنِيٌّ، وَأَنَّهُ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ الْمَهْدِيُّ، وَأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ هُودَ بْنِ خَالِدِ بْنِ تَمَّامِ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ جَابِرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ رَبَاحِ بْنِ يَسَارِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. رَحَلَ مِنَ السُّوسِ الْأَقْصَى شَابًّا إِلَى الْمَشْرِقِ، فَحَجَّ وَتَفَقَّهَ، وَحَصَّلَ أَطْرَافًا مِنَ الْعِلْمِ، وَكَانَ أَمَّارًا بِالْمَعْرُوفِ، نَهَاءً عَنِ الْمُنْكَرِ، قَوِيَّ النَّفْسِ، زَعْرًا شَجَاعًا، مَهِيبًا قَوَّالًا بِالْحَقِّ، عَمَّالًا عَلَى الْمَلِكِ، غَاوِيًا فِي الرِّيَاسَةِ وَالظُّهُورِ، ذَا هَيْبَةٍ
(٢) انظر السير: ١٩/٥٣٩-٥٥٢.
1381
ووقار، وجلالة ومعاملة وتأله، انتفع به خلق، واهتدوا في الجملة، وملكوا المدائن، وقهروا الملوك.
وأخذ عن إلكيا الهراسي وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر الطرطوشي وجاور سنة.
وكان لهجا بعلم الكلام، خائضاً في مزال الأقدام، ألف عقيدة لقبها بالمرشدة، فيها توحيد وخير بانحراف، فحمل عليها أتباعه وسماهم الموحدين، ونبز من خالف المرشدة بالتجسيم، وأباح دمه، نعوذ بالله من الغي والهوى. وكان خشن العيش، فقيراً، قانعاً باليسير، مقتصراً على زي الفقر، لا لذة له في مأكل ولا منكح، ولا مال، ولا في شيء غير رياسة الأمر حتى لقي الله تعالى.
لكنه دخل - والله - في الدماء لنيل الرياسة المردية.
وكان غرامة في إزالة المنكر، والصدع بالحق، وكان يتبسم إلى من لقيه. وله فصاحة في العربية والبربرية، وكان يؤذى ويضرب ويصبر أوذي بمكة، فراح إلى مصر، وبالغ في الإنكار، فطردوه، وأذوه وكان إذا خاف من البطش به خلط وتباله.
ثم سكن الثغر مدة، ثم ركب إلى المغرب، وقد رأى أنه شرب ماء البحر مرتين، وأخذ ينكر في المركب على الناس، وألزمهم بالصلاة، فأذوه، فقدم المهدية، (1) وعليها ابن باديس، فنزل بمسجد معلق، فمتى رأى منكراً أو خمراً، كسر وبدد، فالتف عليه جماعة واشتغلوا عليه، فطلبه ابن باديس، فلما رأى حاله، وسمع كلامه سأله الدعاء، فقال: أصلحك الله لرعيتك. وسار إلى بجاية، فبقي ينكر كعادته، فنفي. فذهب إلى قرية ملالة، فوقع
(1) مدينة محدثة بساحل أفريقية بينها وبين القيروان ستون ميلاً والبحر محيط بها من جهاتها الثلاثة، بناها عبيدالله الشيعي الخارج على بني الأغلب، وهو سماها المهدية، وكان ابتداء بنيانها سنة ثلاث مئة.
1382
بها بعبد المؤمن الذي تسلطن، وكان أمرد عاقلاً، فقال: يا شاب، ما اسمك؟ قال: عبد المؤمن، قال: الله أكبر، أنت طلبتي، فأين مقصدك؟ قال: طلب العلم، قال: قد وجدت العلم والشرف، اصحبني.
فربط الشاب، وشوقه إلى أمور عشقها، وأفضى إليه بسره وكان في صحبته الفقيه عبد الله الونشريسي، وكان جميلاً نحوياً، فاتفقا على أن يخفي علمه وفصاحته، ويتظاهر بالجهل واللكن مدة، ثم يجعل إظهار نفسه معجزة، ففعل ذلك.
وسار ابن تومرت إلى أغمات، فنزلوا على الفقيه عبد الحق المصمودي، فأكرمهم، فاستشاروه، فقال: هنا لا يحميكم هذا الموضع فعليكم يتينمل فهي يوم عنا، وهو أحصن الأماكن، فأقيموا به برهة كي ينسى ذكركم. فلما رآهم أهل الجبل على تلك الصورة، علموا أنهم طلبة علم، فأنزلوهم، وأقبلوا عليهم، ثم تسامع به أهل الجبل فتسارعوا إليهم، فكان ابن تومرت من رأى فيه جلادة، عرض عليه ما في نفسه، فإن أسرع إليه، أضافه إلى خواصه، وإن سكت، أعرض عنه، وكان كهولهم ينهون شبانهم ويحذرونهم، وطالت المدة، ثم كثر أتباعه من جبال درن، وهو جبل الثلج، وطريقه وعز ضيق.
قال اليسع في «تاريخه»: لا أعلم مكاناً أحصن من يتينمل لأنها بين جبلين، ولا يصل إليهما إلا الفارس، وربما نزل عن فرسه في أماكن صعبة، وفي مواضع يُعبّر على خشبة، فإذا أزيلت الخشبة، انقطع الدرب، وهي مسافة يوم، فشرع أتباعه يغيرون ويقتلون، وكثروا وقووا ثم غدر بأهل يتينمل الذين آووه، وأمر خواصه، فوضعوا فيهم السيف فقال له الفقيه الإفريقي أحد العشرة من خواصه: ما هذا؟! قوم أكرمونا وأنزلونا نقتلهم!! فقال لأصحابه: هذا شك في عصمتي، فاقتلوه، فقتل.
1383
قال اليسع: وكل ما أذكره من حال المصامدة، فقد شاهدته أو أخذته متواتراً، وكان في وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمُرابط أو تلمساني أن يحرقوه. فلما كان عام تسعة عشر وخمس مئة، خرج يوماً، فقال: تعلمون أن البشير - يريد الونشريسي - رجل أمي، ولا يثبت على دابة، فقد جعله الله مبشراً لكم، مطلعاً على أسراركم، وهو آية لكم، قد حفظ القرآن، وتعلم الركوب، وقال: أقرأ، فقرأ الختمة في أربعة أيام وركب حصاناً وساقه، فبهتوا، وعدوها آية لغباوتهم، فقام خطيباً وتلا ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (الأنفال: ٣٧). وتلا ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ١١٠) فهذا البشير مطلع على الأنفس، ملهم، ونبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في هذه الأمة محدثين وإن عمر منهم» وقد صحبنا أقوام أطلعه الله على سرهم، ولا بد من النظر في أمرهم، وتيمم العدل فيهم، ثم نودي في جبال المصامدة: من كان مطيعاً للإمام، فليأت، فأقبلوا يهرعون، فكانوا يعرضون على البشير، فيخرج قوماً على يمينه، ويعدهم من أهل الجنة، وقوماً على يساره، فيقول: هذا تائب ردوه على اليمين تاب البارحة، فيعترف بما قال، واتفقت له فيهم عجائب، حتى كان يطلق أهل اليسار، وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل فلا يفر منهم أحد، وإذا تجمع منهم عدة، قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه. قال: فالذي صح عندي أنهم قتل منهم سبعون ألفاً على هذه الصفة ويسمونه التمييز، فلما كمل التمييز، وجه جموعه مع البشير نحو أغمات، فالتقاهم المرابطون، فهزمهم المرابطون، وثبت خلق من المصامدة، فقتلوا، وجرح عمر الهنتاتي عدة جراحات، فحمل على أعناقهم مثخناً، فقال لهم البشير: إنه لا يموت حتى تفتح البلاد، ثم بعد مدة، فتح عينيه، وسلم، فلما أتوا، عزاهم ابن تومرت، وقال: يوم بيوم، وكذلك حرب الرسل.
1384
وكان ابنُ ثُومرت طويلَ الصمت، دائمَ الانقباض، له هَيِّئَةٌ في النفوس. وكان فيه تشيُّعٌ،(١) ورتب أصحابه، فمنهم العشرةُ، فهُم أول من لبَّاه ثم الخمسين، وكان يُسميهم المؤمنين، ويقول: ما في الأرض من يُؤمن إيمانكم، وأنتم العصابة الذين عَنَى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «لا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ»(٢) وأنتم تفتحون الروم، وتقتلون الدَّجَّال، ومنكم الذي يُؤمُّ بعيسى، وحُدِّثهم بجزئيات اتفق وقوعُ أكثرها، فَعَظُمَتْ فتنةُ القوم به حتى قتلوا أبناءهم وإخوتهم لقسوتهم وغَلَظَ طباعهم، وإقدامهم على الدماء، فبعث جيشاً، وقال: اقصدوا هؤلاء المارقين المُبَدِّلين الدين، فادعوهم إلى إماتة المنكر وإزالة البدع، والإقرار بالمهدي المعصوم، فإن أجابوا، فهم إخوانكم، وإلا فالسنةُ قد أباحت لكم قتالهم، فسار بهم عبدُ المؤمن يقصدُ مرَّاكش، فالتقاء الزبيرُ بنُ أمير المسلمين، فكلموهم بالدعوة، فردوا أقبح رد، ثم انهزمت المصامدة، وقتل منهم ملحمة فلما بلغ الخبرُ ابنُ ثُومرت، قال: أنجى عبدُ المؤمن؟ قيل: نعم. قال: لم يُفَقِّد أحد، وهَوَّن عليهم، وقال: قتلاكم شهداء. وقال الأمير عزيز في «أخبار القيروان»: سمى ابنُ ثُومرت أصحابه بالموحدين، ومن خالفه بالمُجَسِّمين، واشتهر سنة خمس عشرة، وبايعته هرغة على أنه المهدي، فقصده المُلثَّمون، فكسروا المُلثَّمين، وحازوا الغنائم، ووثقت نفوسهم، وأنتهم أمدادُ القبائل، ووحدت هنتانه وهي من أقوى القبائل. ثم قال عزيز: لهم تودُّ وأدبٌ وبشاشة، ويلبسون الثياب القصيرة الرخيصة، ولا يُخلون يوماً من طرادٍ ومثاقفة ونضال، وكان في القبائل مفسدون، فطلب ابنُ ثُومرت مشايخَ القبائل ووعظهم، وقال: لا يُصَلِّحُ دينكم إلا بالنهي عن المنكر،
(١) قال ابن خلدون: وكان من رأيه القول بعصمة الإمام علي على رأي الإمامية من الشيعة. (٢) وتمامه: «على الحق حتى تقوم الساعة»، والمراد بأهل الغرب في هذا الحديث أهل الشام لأنهم بالنسبة للمدينة المنورة في الجهة الشمالية الغربية، وانظر فتح الباري: ١٣/٢٩٥ الطبعة السلفية.
1385
فابحثوا عن كلٍّ مفسد، فانهوه، فإن لم ينته، فاكتُبوا إلي أسماءهم، ففعلوا، ثم هدَّد ثانياً، فأخذ ما تكرَّر من الأسماء، فأفردها، ثم جمع القبائل، وحضهم على أن لا يغيب منهم أحد، ودفع تلك الأسماء إلى البشير، فتأملها، ثم عرضهم رجلاً رجلاً، فمن وجد اسمه ردّه إلى الشمال، ومن لم يجده، بعثه على اليمين، ثم أمر بتكثيف أهل الشمال، وقال لقراباتهم: هؤلاء أشقياء من أهل النار، فلتقتُل كل قبيلة أشقياءها، فقتلوهم، فكانت واقعة عجيبة، وقال: بهذا
الفعل صح دينكم، وقوي أمركم.
وفي أول سنة أربع وعشرين، جهز عشرين ألف مقاتل عليهم البشير وعبد المؤمن بعد أمور يطول شرحها، فالتقى الجمعان واستحر القتل بالموحدين، وقتل البشير، ودام الحرب إلى الليل فصلّى بهم عبد المؤمن صلاة الخوف، ثم تحيَّز بمن بقي إلى بستان يُعرف بالبحيرة، فراح منهم تحت السيف ثلاثة عشر ألفاً، وكان ابن تومرت مريضاً، فأوصى باتباع عبد المؤمن، وعقد له، ولقبه أمير المؤمنين، وقال: هو الذي يفتح البلاد، فاعضُدوه بأنفسكم وأموالكم ثم مات في
آخر سنة أربع وعشرين وخمس مئة.
قال اليسع بن حزم: سمى ابن تومرت المرابطين بالمجسمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلا بتنزيه الله تعالى عما لا يجب وصفه بما يجب له، مع ترك خوضهم عمّا تقصر العقول عن فهمه.
إلى أن قال: فكفرهم ابن تومرت لجهلهم العرض والجوهر، وأن من لم يعرف ذلك، لم يعرف المخلوق من الخالق، وبأن من لم يهاجر إليه ويقاتل معه، فإنه حلال الدم والحريم، وذكر أن غضبه لله وقيامه حسبة.
قال ابن خلكان: قبره بالجبل معظم، مات كهلاً. وكان قوته من غزل أخته رغيفاً بزيت، أو قليل سمن، لم ينتقل عن ذلك حين كثرت عليه الدنيا، رأى أصحابه يوماً، وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه، فأمر بإحراق جميعه، وقال: من أراد
1386
الدنيا فهذا له عندي، ومن كان يبغي الآخرة، فجزاؤه عند الله، وكان يتمثل كثيراً: تَجَرَّدَ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ إِنَّمَا خَرَجْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُجَرَّدُ
ولم يفتتح شيئاً من المدائن، وإنما قرر القواعد، ومهد، وبغته الموت، وافتتح بعده البلاد عبد المؤمن.
وقد بلغني - فيما يقال -: أن ابن تومرت أخفى رجالاً في قبور دوارس، وجاء في جماعة ليربهم آية، يعني فصاح: أيها الموتى أجيبوا، فأجابوه: أنت المهدي المعصوم، وأنت وأنت، ثم إنه خاف من انتشار الحيلة، فخسف فوقهم القبور فماتوا.
وبكل حال، فالرجل من فحول العالم، رام أمراً، فتم له، وربط البربر بأدعاء العِصْمَة، وأقدم على الدماء إقدام الخوارج، ووجد ما قدم.
1387