تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٠١ السُّلَفِيُّ (١)

الصفحات 1461–1464 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 5 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٠١ السُّلَفِيُّ (١)

[١] هو الإمامُ العَلاَّمَةُ المُحَدِّثُ الحَافِظُ المُفْتِي، شَيْخُ الإِسْلاَمِ شَرَفُ المُعَمَّرِينَ، أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ الجُرْوَانِيُّ. وَيُلَقَّبُ جَدُّهُ أَحْمَدُ سَلَفَةَ، وَهُوَ الغَلِيظُ الشَّفِيَّةُ، وَأَصْلُهُ بِالفَارِسِيَّةِ سَلَبَةَ، وَكَثِيرًا مَا يَمْرُجُونَ البَاءَ بِالفَاءِ.

[٢] وُلِدَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، أَوْ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ. قَالَ: أَنَا أَذْكُرُ قَتْلَ نِظَامِ المَلِكِ - يَعْنِي الوَزِيرَ الَّذِي وَقَفَ المَدْرَسَةَ النِّظَامِيَّةَ بِبَغْدَادَ - وَكَانَ عُمْرِي نَحْوَ عَشْرِ سِنِينَ، قَتَلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعَ مِئَةٍ، وَقَدْ كُتِبَ عَنِّي بِأَصْبَهَانَ أَوَّلَ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعَ مِئَةٍ، وَأَنَا ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ بِقَلِيلٍ، وَمَا فِي وَجْهِي شِعْرَةٌ، كَالْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ - يَعْنِي لَمَّا كَتَبُوا عَنْهُ.

وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو شَامَةَ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا عَلَمَ الدِّينِ السَّخَاوِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَوْمًا أَبَا طَاهِرٍ السُّلَفِيَّ يُنْشِدُ لِنَفْسِهِ مَا قَالَهُ قَدِيمًا:

أَنَا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ شَ وَهُمْ خَيْرُ فِئَةٍ جُزْتُ تِسْعِينَ وَأَرْجُو أَنْ أَجْزَنَ المِئَةَ

قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: قَدْ حَقَّقَ اللهُ رَجَاءَكَ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ جَازَ المِئَةَ. وَارْتَحَلَ وَلَهُ أَقَلُّ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَنَسَخَ مِنَ الأَجْزَاءِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً فَكَانَ يَنْسَخُ الجُزْءَ الضَّخْمَ فِي لَيْلَةٍ.

[٣] بَقِيَ فِي الرَّحْلَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، يَكْتُبُ الحَدِيثَ وَالفِقْهَ وَالأَدَبَ وَالشِّعْرَ. وَقَدِمَ دِمَشْقَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسَ مِئَةٍ، فَأَقَامَ بِهَا سَنَتَيْنِ، يَكْتُبُ العِلْمَ مَقِيمًا

(١) انظر السير: ٢١ / ٣٩٥.

1461

بالخانقاه. ثم استوطن ثغر الإسكندرية بضعاً وستين سنة وإلى أن مات ينشر العلم ويحصل الكتب التي قل ما اجتمع لعالم مثلها في الدنيا.

ارتحل إليه خلق كثير جداً، ولا سيما لما زالت دولة الرفض عن إقليم مصر وتملكها عسكر الشام، فارتحل إليه السلطان صلاح الدين، وإخوته وأمراؤه، فسمعوا منه.

وحدث عنه الأئمة وكان مكباً على الكتابة والاشتغال والرواية، لا راحة له غالباً إلا في ذلك وله تصانيف كثيرة، وكان يستحسن الشعر، وينظمه، ويثيب من يمدحه.

[١] قال أبو علي الأوقي: سمعت أبا طاهر السلفي يقول: لي ستون سنة بالإسكندرية ما رأيت منارتها إلا من هذه الطاقة، وأشار إلى غرفة يجلس فيها.

قال عبد القادر الرهاوي: سمعت من يحكي عن ابن ناصر أنه قال عن السلفي: كان ببغداد كأنه شعلة نار في تحصيل الحديث.

ثم قال عبد القادر: كان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النافذة مع مخالفته لهم في المذهب - يريد عبد القادر الملوك الباطنية المتظاهرين بالرفض -.

[٢] قال عبد القادر الحافظ: وكان أبو طاهر لا تبدو منه جفوة لأحد، ويجلس للحديث فلا يشرب ماء، ولا يبزق، ولا يتورك، ولا تبدو له قدم وقد جاز المئة.

[٣] وبلغني أن مدة مقامه بالإسكندرية ما خرج منها إلى بستان ولا فرجة سوى مرة واحدة، بل كان لازماً مدرسته، وما كنا نكاد ندخل عليه إلا ونراه مطالعاً في شيء، وكان حليماً متحملاً لجفاء الغرباء، ولما دخل الإسكندرية رآه كبراؤها وفضلاؤها، فاستحسنوا علمه وأخلاقه وآدابه، فأكرموه، وخدموه، حتى لزموه عندهم بالإحسان.

وتزوج بها امرأة ذات يسار، وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف، وصارت له بالإسكندرية وجاهة، وبنى له أبو منصور علي بن إسحاق بن السلار الملقب

1462

بالعادل أمير مصر مدرسة ووقف عليها.

[١] قال الحافظ عبد القادر: وكان السلفي أمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، حتى إنه قد أزال من جواره منكرات كثيرة. ورأيته يوماً، وقد جاء جماعة من المقرئين بالألحان، فأرادوا أن يقرؤوا فمنعهم من ذلك، وقال: هذه القراءة بدعة، بل اقرؤوا ترتيلاً، فقرؤوا كما أمرهم.

[٢] قال الحسن بن أحمد الأوقي: كانوا يأتون السلفي، ويطلبون منه دعاءً لعسر الولادة، فيكتب لمن يقصده، قال: فلما كثر ذلك نظرت فيما يكتب، فوجدته يكتب: اللهم إنهم قد أحسنوا ظنهم بي، فلا تخيب ظنهم في.

[٣] قال: وحضر عنده السلطان صلاح الدين وأخوه الملك العادل لسماع الحديث، فتحدثا، فأظهر لهما الكراهة وقال: أنتما تتحدثان، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ؟! فأصغيا عند ذلك. قلت: وقد حدث السلطان عنه.

[٤] قال الحافظ زكي الدين عبد العظيم: كان السلفي مغري بجمع الكتب والاستكثار منها وما كان يصل إليه من المال كان يخرجه في شرائها، وكان عنده خزائن كتب، ولا يتفرغ للنظر فيها، فلما مات وجدوا معظم الكتب في الخزائن قد عفت، والتصق بعضها ببعض لندوة الإسكندرية، فكانوا يستخلصونها بالفأس، فتلق أكثرها.

[٥] قال السيف أحمد بن المجد الحافظ، سمعت أحمد بن سلامة النجار يقول: أراد عبد الغني وعبد القادر الحافظان سماع كتاب اللالكائي، يعني شرح السنة، على السلفي، فأخذ يتعلل عليهما مرة، ويدافعهم عنه أخرى بأصل السماع، حتى كلمته امرأته في ذلك.

قلت: ما أظنه حدث بالكتاب. بلى حدث منه بكرامات الأولياء.

1463

وتوفي الحافظ في يوم الجمعة سنة ست وسبعين وخمس مئة. ولم يزل يقرأ عليه الحديث يوم الخميس إلى أن غربت الشمس من ليلة وفاته، وهو يرد على القارئ اللحن الخفي، وصلى يوم الجمعة الصبح عند انفجار الفجر، وتوفي بعدها فجأة. وقبره معروف بظاهر الإسكندرية. وكان يطأ أهله ويتمتع وإلى قريب وفاته، وإنما تزوج وقد أسن بعد سنة خمسين وخمس مئة.

1464

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080