تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٨٠ المستعصم بالله (١)

الصفحات 1588–1592 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٨٠ المستعصم بالله (١)

[١] الخليفة الشهيد أبو أحمد عبد الله ابن المستنصر بالله منصور ابن الظاهر محمد ابن الناصر أحمد ابن المستضيء الهاشمي العباسي البغدادي. وُلِدَ سنة تسع وست مئة. واستخلف سنة أربعين يوم موت أبيه. وكان فاضلاً، تالياً لكتاب الله، مليح الكتابة.

وكان كريماً، حليماً، ديناً، سليم الباطن، حسن الهيئة. [٢] قال قطب الدين اليونيني: كان متديناً متمسكاً بالسنة كأبيه وجده، ولكنه لم يكن في حزم أبيه، وتيقظه وعلو همته، وإقدامه، وإنما قدموه على عمه الخفاجي لما يعملون من لينه وانقياده وضعف رأيه ليستبدوا بالأمور. [٣] ثم إنه استوزر المؤيد ابن العلقمي الرافضي، فأهلك الحرت والنسل، وحسن له جمع الأموال، وأن يقتصر على بعض العساكر، فقطع أكثرهم، وكان يلعب بالحمام، وفيه حرص وتوان.

(١) انظر السير: ٢٣ / ١٧٤-١٨٤.

1588

وفي سنة أربع وأربعين: عاثت الخوارزمية وتخربت القرى، فالتقاهم عسكر حَلَب وحِمص فكسروا شر كسرة على بحيرة حمص، وقُتِل مقدمهم بركة خان. وفيها ختان أحمد وعبدالرحمن ولدي الخليفة وأخيه علي، فمن الوليمة ألف وخمس مئة رأس شواء. (1) وقدم رسولان من التتار أحدهما من بركة، والآخر من بايجو، فاجتمعوا بابن العلقمي وتعمّت الأخبار. وفيها أخذت الفرنج شاطبة.

[1] وفي سنة سبع: هجمت الفرنج دمياط في ربيع الأول فهرب الناس من الباب الآخر، وتملكها الفرنج صفواً عفواً نعوذ بالله من الخذلان، وكان السلطان بالمنصورة فغضب على أهلها وشنق ستين من أعيان أهلها، وذاقوا ذلاً وجوعاً، واستوحش العسكر من السلطان وقيل: هم مماليكه بقتله، فقال نائبه فخر الدين ابن الشيخ: اصبروا فهو على شفا، فمات في نصف شعبان، وأخفي موته إلى أن حضر ابنه المعظم تورانشاه من حصن كيفا، فلم يبق إلا قليلاً وقتلوه، وكانت وقعة المنصورة في ذي القعدة، فساقت الفرنج إلى الدهليز، فخرج نائب السلطنة فخر الدين ابن الشيخ وقاتل فقُتل، وانهزم المسلمون وعظم الخطب ثم تناخى العسكر وكروا على العدو فطحنوهم، وقتلوا خلقاً ونزل النصر. [2] واستهلت سنة ثمان: والفرنج على المنصورة بإزاء المسلمين، ولكنهم في ضعف وجوع وماتت خيلهم، فعزم الفرنسيس (2) على الركوب ليلاً إلى دمياط، فعلم المسلمون وكانت الفرنج قد عملوا جسراً عظيماً على النيل، فذهلوا عن قطعه، فدخل منه المسلمون فكبسوهم، فالتجأت الفرنج إلى منية أبي عبدالله، فأحاط بهم الجيش، وظفر أسطول المسلمين بأسطولهم وغنموا مراكبهم، وبقي الفرنسيس في خمس مئة فارس وخُذِل، فطلب الطواشي رشيد وسيف الدين

(1) هذا غير ما أخرج من الخبز والدجاج، والبيض، والسكر، والحلوى، وغيرها.

(2) هو ملك فرنسا لويس التاسع لعنه الله.

1589

القيمري، فأتوه فطلب أماناً فأمناه على أن لا يمروا به بين الناس، وهرب جمهور الفرنج، وتبعهم العسكر وبقوا جملةً وجملةً حتى أبيدت خضراؤهم. وغنم المسلمون مالا يُعبّر عنه.

[١] فأحصي الأسرى فكانوا نيفاً وعشرين ألفاً، وغرق وقتل سبعة آلاف، وكان يوماً ما سمع المسلمون بمثله، وما قُتِل من المسلمين نحو المئة، واشترى الفرنسيس نفسه بردّ دمياط وبخمس مئة ألف دينار.

[٢] وفي سنة أربع وخمسين: كان ظهور الآية الكبرى وهي النار بظاهر المدينة النبوية ودامت أياماً تأكل الحجارة، واستغاث أهل المدينة إلى الله وتابوا، وبكوا، ورأى أهل مكة ضوءها من مكة وأضاءت لها أعناق الإبل ببصرى كما وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صحّ عنه، وكُسف فيها الشمس والقمر وكان فيها الغرق العظيم ببغداد وهلك خلق من أهلها، وتهدمت البيوت، وطُفح الماء على السور.

[٣] وفيها سار الطاغية هولاكو بن تولي بن جنكيزخان في مئة ألف، وافتتح حصن الألموت، وأباد الإسماعيلية، وبعث جيشاً عليهم باجونون، فأخذوا مدائن الروم، وذلّ لهم صاحبها، وقتل خلق كثير. وفيها كان حريق مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جميعه في أول رمضان من مسرجة القيم، فلله الأمر كله.

وفي سنة خمس وخمسين: مات صاحب مصر الملك المعزّ أيبك التركماني، قتلته زوجته شجرة الدرّ في الغيرة، فوسّطت.

[٤] وجرت فتنة مهولة ببغداد بين الناس وبين الرافضة، وقُتل عدة من الفريقين، وعظم البلاء ونهب الكرخ، فحنق ابن العلقمي الوزير الرافضي، وكاتب هولاكو، وطمّعه في العراق، فجاءت رسل هولاكو إلى بغداد، وفي الباطن معهم فرمانات لغير واحد، والخليفة لا يدري ما يتم، وأيامه قد ولّت، وصاحب دمشق

1590

شابٌ غَرَّ جَبَانٌ، فبعث ولدهُ الطَّفَلُ مع الحافظي بتقادم وتحف إلى هولاكو فخضع له، ومصر في اضطراب بعد قتل المُعَزِّ، وصاحب الروم قد هرب إلى بلاد الأشكري، فتمرد هولاكو وتجبر، واستولى على الممالك وعاث جنده الكفرة يقتلون ويأسرون ويحرقون.

ودخلت سنة ست: فسار عسكر الناصر، وعليهم المغيث ابن صاحب الكرك، ليأخذوا مصر فالتقاهم المظفر قطز، وهو نائب للمنصور علي ولد المعز بالرمل فكسرهم، وأسر جماعة أمراء فضرب أعناقهم.

[١] وأما هولاكو فقصد بغداد فخرج عسكرها إليه فانكسروا، وكاتب لؤلؤ صاحب الموصل وابن صلايا متولي إربل الخليفة سراً ينصحانه فما أفاد، وقضى الأمر وأقبل هولاكو في المغول والترك والكرج، فأشار الوزير على الخليفة بالمدارة وقال: أخرج إليه أنا، فخرج واستوثق لنفسه ورد فقال: اللذان راغب في أن يزوج بنته بابنك أبي بكر ويبقى لك منصبك كما أبقى صاحب الروم في مملكته من تحت أوامر اللذان، فاخرج إليه، فخرج في كبراء دولته للنكاح يعني، فضرب أعناق الكل بهذه الخديعة ورفس المستعصم حتى تلف، وبقي السيف في بغداد بضعة وثلاثين يوماً، فأقل ما قيل: قتل بها ثمان مئة ألف نفس، وأكثر ما قيل بلغوا ألف ألف وثمان مئة ألف، وجرت السيول من الدماء فإن الله وإنا إليه راجعون.

ثم بعد ذهاب البلد ومن فيه إلا اليسير نودي بالأمان، وانعكس على الوزير مرأه وذاق ذلاً وويلاً وما أمهله الله.

وعمل ابن العلقمي على ترك الجمعات وأن يبني مدرسة على مذهب الرافضة، فما بلغ أمله وأقيمت الجمعات.

[٢] وكان قد مشى حال الخليفة بأن يكون للتتار نصف دخل العراق. فقال ابن

1591

العَلْقَمِيّ: بل المَصْلَحَةُ قَتْلُهُ، وإلَّا فما يتم لكم مُلْكُ العراق. (١) قلت: وله ذرية إلى اليوم بأذربيجان، وانقطعت الإمامة العباسية ثلاث سنين وأشهراً بموت المستعصم، فكانت دولتهم من سنة اثنين وثلاثين ومئة إلى سنة ست وخمسين وست مئة فذلك خمس مئة وأربع وعشرون سنة، والله الأمر.

(١) أعمى الحقد والتعصب هذا الخائن، وقتل الناس ودمرت بلاد الإسلام بسبب حقده وتعصبه واعتقاده الفاسد.

1592

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080