نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٨٩ دَعْلَجَ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٨٩ دَعْلَجَ (١)
[١] دَعْلَجَ بنُ أَحْمَدَ بنِ دَعْلَجَ المَحْدَثِ، الحَجَّةُ الفَقِيهُ الإِمَامُ، أَبُو مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ التَّاجِرُ، ذُو الأَمْوَالِ العَظِيمَةِ.
وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِئَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهَا بِقَلِيلٍ وَسَمِعَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ مَالاً يُوصَفُ كَثْرَةً بِالْحَرَمَيْنِ، وَالعِرَاقِ، وَخِرَاسَانَ، وَالنَّوَاحِي حَالَ جَوْلَانِهِ فِي التِّجَارَةِ.
[٢] قَالَ الخَطِيبُ: كَانَ دَعْلَجَ مِنْ ذَوِي اليَسَارِ، لَهُ وَقُوفٌ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ.
قَالَ الخَطِيبُ: حَكَى لِي أَبُو العَلَاءِ الوَاسِطِيُّ، أَنَّ دَعْلَجاً سُئِلَ عَنْ مَفَارَقَتِهِ مَكَّةَ، فَقَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ المَسْجِدِ، فَتَقَدَّمَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الأَعْرَابِ، فَقَالُوا: أَخٌ لَكَ مِنْ خِرَاسَانَ قَتَلَ أَخَانَا، فَنَحْنُ نَقْتُلُكَ بِهِ، فَقُلْتُ: اتَّقُوا اللهَ، فَإِنَّ خِرَاسَانَ لَيْسَتْ بِمَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ أَزَلْ بِهِمْ إِلَى أَنْ اجْتَمَعَ النَّاسُ وَخَلُّوا عَنِّي. فَهَذَا كَانَ سَبَبَ انْتِقَالِي إِلَى بَغْدَادَ. وَكَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ دَارِي، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ بَغْدَادَ، وَلَا بِبَغْدَادَ مِثْلُ مَحَلَّةِ القَطِيعَةِ، وَلَا فِي القَطِيعَةِ مِثْلُ دَرْبِ أَبِي خَلَفٍ، وَلَيْسَ فِي الدَّرْبِ مِثْلُ دَارِي.
[٣] وَنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ حِكَايَةً مُقْتَضَاهَا أَنَّ رَجُلًا صَلَّى الجُمُعَةَ فَرَأَى رَجُلًا مُتَنَسِّكًا لَمْ يَصِلْ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: اسْتُرْ عَلَيَّ، لِدَعْلَجَ عَلَيَّ خَمْسَةَ آلاَفٍ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ أَحْدَثَتْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ دَعْلَجاً، فَطَلَبَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَحَلَّلَهُ مِنَ المَالِ، وَوَصَّلَهُ بِمِثْلِهَا لِكَوْنِهِ رَوْعَهُ.
[٤] أَحْمَدُ بنُ الحُسَيْنِ الوَاعِظُ، قَالَ: أُوْدِعَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ أَبِي مُوسَى الهَاشِمِيُّ عَشْرَةَ آلاَفٍ دِينَارٍ لِيَتِيمٍ، فَضَاقَتْ يَدُهُ فَأَنْفَقَهَا وَكَبَّرَ الصَّبِيَّ، وَأُذِنَ لَهُ فِي قَبْضِ مَالِهِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضَ، وَتَحَيَّرْتُ، فَبَكَّرْتُ عَلَى بَغْلَتِي، وَقَصَدْتُ الكَرْخَ فَانْتَهَتْ بِي البَغْلَةُ إِلَى دَرْبِ السُّلُولِيِّ وَوَقَفَتْ بِي عَلَى بَابِ مَسْجِدِ دَعْلَجَ،
٣٥-٣٠/١٦
1149
فدخلتُ فصليتُ خلفه الفجر، فلما انفتل رحب بي، وقمنا فدخلنا داره، فقدّمتُ لنا هريسة، فأكلتُ وقصرتُ، فقال: أراك منقبضاً، فأخبرته، فقال: كلُّ فإن حاجتك تقضى، فلما فرغنا، استدعى بالذهب والميزان، فوزن لي عشرة آلاف دينار وقمت أطيرُ فرحاً، ثم سلمت المال إلى الصبي بحضرة قاضي القضاة، وعظم الثناء عليّ، فلما عدتُ إلى منزلي استدعاني أمير من أولاد الخليفة فقال: قد رغبتُ في معاملتك وتضمينك أملاكي، فضمّنتُها فربحتُ في سنتي ربحاً عظيماً، وكسبت في ثلاث سنين ثلاثين ألف دينار، وحملتُ لدعلج المال، فقال: سبحان الله، والله ما نويت أخذها، حلّ بها الصبيان، فقلتُ: أيها الشيخ، أيش أصل هذا المال حتى تهب لي عشرة آلاف دينار؟ فقال: نشأتُ، وحفظتُ القرآن، وطلبتُ الحديث، وكنتُ أتبزر، فوافاني تاجر من البحر فقال: أنتَ دعلج؟ قلت: نعم. قال: قد رغبتُ في تسليم مالي إليك مضاربة، فسلّم إليّ برنامجات بألف درهم، وقال لي: ابسط يدك فيه ولا تعلم مكاناً ينفق فيه المتاع إلا حملته إليه، ولم يزل يتردد إليّ سنة بعد سنة يحمل إليّ مثل هذا والبضاعة تنمى. ثم قال: أنا كثير الأسفار في البحر، فإن هلكتُ فهذا المال لك على أن تصدق منه، وتبني المساجد، فأنا أفعل مثل هذا، وقد ثمر الله تعالى المال في يدي، فاكتم عليّ ما عشتُ. قال الحاكم: كان السلطان لا يتعرض لتركة، ثم لم يصبر عن أموال دعلج، وقيل: لم يكن في الدنيا أيسر منه من التجار، وتركوا أوقافه، رحمه الله. مات سنة إحدى وخمسين وثلاث ومئة.
1150