تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٢٦٧ عمر بن عبد العزيز (ع) (٣)

الصفحات 473–480 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 12 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٢٦٧ عمر بن عبد العزيز (ع) (٣)

ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الإمام الحافظ العلامة المجتهد

(٣) انظر السير: ٥/١١٤-١٤٨.

473

الزاهدُ العابدُ السيدُ أميرُ المؤمنين حقاً أبو حفص، القرشي الأموي المدني ثم المصري، الخليفةُ الزاهد الراشد أشجُّ بني أمية.

[١] وكان من أئمة الاجتهاد، ومن الخلفاء، الراشدين رحمة الله عليه. قال ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة فقال: أمه هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، قالوا: ولد سنة ثلاث وستين، قال: وكان ثقة مأموناً. له فقه وعلم وورع، وروى حديثاً كثيراً، وكان إمام عدل رحمه الله ورضي عنه.

[٢] وروى ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل: أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير فأرسلت إليه أمه، وقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت. قال: وكان يومئذٍ قد جمع القرآن، فبكت أمه حين بلغها ذلك.

[٣] سعيد بن عفير: حدثنا يعقوب، عن أبيه أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه عمر إلى المدينة يتأدب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده، وكان يلزمه الصلوات، فأبطأ يوماً عن الصلاة، فقال: ما حبسك؟ قال: كانت مرجلتي تسكن شعري، فقال: بلغ من تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة، وكتب بذلك إلى والده، فبعث عبد العزيز رسولاً إليه فما كلمه حتى حلق شعره. وقال أبو مسهر: ولي عمر المدينة في إمرة الوليد من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين.

[٤] ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة والياً، فصلّى الظهر دعا بعشرة: عروة، وعبيد الله، وسليمان بن يسار، والقاسم، وسالماً، وخارجة، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، ونكون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً يتعدى، أو بلغكم عن عامل ظلامة، فأحرج بالله على من بلغه ذلك إلا أبلغني. فجزوه خيراً، وافترقوا.

474

[١] وعن أبي جعفر الباقر قال: لِكُلِّ قَوْمٍ نَجِيَّةٌ، وإن نَجِيَّةٌ بَنِي أُمَيَّةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ.

[٢] قُلْتُ قَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ حَسَنَ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ كَامِلَ الْعَقْلِ، حَسَنَ السَّمْتِ، جَيِّدَ السِّيَاسَةِ، حَرِيصًا عَلَى الْعَدْلِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَافِرَ الْعِلْمِ، فَقِيهَ النَّفْسِ، ظَاهِرَ الذَّكَاءِ وَالْفَهْمِ، أَوَّاهًا مُنِيًّا، قَانِتًا لِلَّهِ، حَنِيفًا زَاهِدًا مَعَ الْخِلَافَةِ، نَاطِقًا بِالْحَقِّ مَعَ قِلَّةِ الْمُعِينِ، وَكَثْرَةِ الْأُمَرَاءِ الظَّلَمَةِ الَّذِينَ مَلُّوهُ وَكَرِهُوا مَحَاقِفَتَهُ لَهُمْ، وَنَقْصَهُ أُعْطِيَاتِهِمْ، وَأَخَذَهُ كَثِيرًا مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا أَخَذُوهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى سَقَّوْهُ السَّمَّ، فَحَصَلَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ وَالسَّعَادَةُ، وَعُدَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ.

[٣] عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ قَالَ: حَجَّ سُلَيْمَانَ، وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَصَابَهُمْ بَرْقٌ وَرَعْدٌ حَتَّى كَادَتْ تَنْخَلِعُ قُلُوبُهُمْ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَفْصٍ! هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَطُّ، أَوْ سَمِعْتَ بِهَا؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! هَذَا صَوْتُ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ لَوْ سَمِعْتَ صَوْتَ عَذَابِ اللَّهِ!

[٤] عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي! مَنْ هَذَا الَّذِي مِنْ وَلَدِ عُمَرَ، فِي وَجْهِهِ عَلَامَةٌ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا.

[٥] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ الْكِنَانِيِّ قَالَ: لَمَّا مَرِضَ سُلَيْمَانُ بِدَابِقٍ قَالَ: يَا رَجَاءٌ! أَسْتَخْلِفُ ابْنِي؟ قَالَ: ابْنُكَ غَائِبٌ، قَالَ: فَالْآخَرُ؟ قَالَ: هُوَ صَغِيرٌ، قَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ قَالَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: أَتَخَوَّفُ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ لَا يَرْضَوْا، قَالَ: فَوَلَّهُ، وَمِنْ بَعْدِهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَتَكْتُبُ كِتَابًا وَتَخْتِمُهُ، وَتَدْعُوهُمْ إِلَى بَيْعَةٍ مَخْتُومٍ عَلَيْهَا، قَالَ: فَكَتَبَ الْعَهْدَ وَخَتَمَهُ، فَخَرَجَ رَجَاءٌ وَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُبَايِعُوا لِمَنْ فِي هَذَا الْكِتَابِ، قَالُوا: وَمَنْ فِيهِ؟ قَالَ: مَخْتُومٌ، وَلَا تُخْبِرُونَ بِمَنْ فِيهِ حَتَّى يَمُوتَ، فَامْتَنَعُوا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِ الشُّرَطِ، وَنَادِ الصَّلَاةَ جَامِعَةً، وَمُرْهِمٌ بِالْبَيْعَةِ، فَمَنْ أَبَى، فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَفَعَلَ فَبَايَعُوا، قَالَ رَجَاءٌ: فَلَمَّا خَرَجُوا، أَتَانِي هِشَامٌ فِي مَوْكِبِهِ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ مَوْقِفَكَ مِنَّا، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَزَالَهَا عَنِّي، فَأَعْلَمَنِي مَا دَامَ فِي الْأَمْرِ نَفْسٌ، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ!

475

يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأُطَلِّعُكَ، لَا يَكُونُ ذَاكَ أَبَدًا، فَأَدَارَنِي وَالْأَصَنِي (١)، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، فَانْصَرَفَ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةً خَلْفِي، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: يَا رَجَاءَ! قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَمْرٌ كَبِيرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَهَا إِلَيَّ وَلَسْتُ أَقُومُ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَأَعْلَمَنِي مَا دَامَ فِي الْأَمْرِ نَفْسٌ لَعَلِّي أَتَخَلَّصُ، قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ! يَسْتَكْتِمُنِي أَمْرًا أُطَلِّعُكَ عَلَيْهِ!

[١] وَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَمْثَلِ الْخُلَفَاءِ، نَشَرَ عَلَمَ الْجِهَادِ، وَجَهَّزَ مِئَةَ أَلْفٍ بَرًّا وَبَحْرًا، فَنَازَلُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَالْحِصَارُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ. [٢] قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَلِيَ سُلَيْمَانُ، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا أَبَا حَفْصٍ! إِنَّا وَلِينَا مَا قَدْ تَرَى، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا بِتَدْبِيرِهِ عِلْمٌ، فَمَا رَأَيْتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، فَمُرْ بِهِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ عَزْلُ عُمَّالِ الْحَجَّاجِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَوَاتُ فِي أَوْقَاتِهَا بَعْدَمَا كَانَتْ أُمِيتَتْ عَنْ وَقْتِهَا، مَعَ أُمُورٍ جَلِيلَةٍ كَانَ يَسْمَعُ مِنْ عُمَرَ فِيهَا، فَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ حَجٌّ، فَرَأَى الْخَلَائِقَ بِالْمَوْقِفِ، فَقَالَ لِعُمَرَ: أَمَا تَرَى هَذَا الْخَلْقَ الَّذِي لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهَ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْيَوْمَ رَعِيَّتُكَ، وَهُمْ غَدًا خُصَمَاؤُكَ، فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا. قُلْتُ: كَانَ عُمَرُ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، وَمَرِضَ بِدَابِقٍ أُسْبُوعًا، وَتُوُفِّيَ، وَكَانَ ابْنُهُ دَاوُدَ غَائِبًا فِي غَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.

[٣] قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: خَطَبَهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: لَسْتُ بِخَيْرٍ أَحَدٍ مِنْكُمْ، وَلَكِنِّي أَتُقَلِّكُكُمْ حِمْلًا.

[٤] قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ يَتَعَاهَدُ النَّاسَ بِنَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيٍّ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَاهَدَ النَّاسَ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

[٥] قَالَ اللَّيْثُ: بَدَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِأَهْلِ بَيْتِهِ، فَأَخَذَ مَا يُبْدِيهِمْ، وَسَمَّى أَمْوَالَهُمْ مَظَالِمَ، فَفَزِعَتْ بَنُو أُمَيَّةَ إِلَى عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مَرْوَانَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ عَنَانِي أَمْرٌ، فَأَتَتْهُ لَيْلًا، فَأَنْزَلَهَا عَنْ دَابَّتِهَا، فَلَمَّا أَخَذَتْ مَجْلِسَهَا قَالَ يَا عَمِّهِ! أَنْتَ

(١) يُقَالُ: أَلَاصَهُ عَلَى كَذَا: إِذَا أَدَارَهُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وَقَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ فِي مَعْنَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ: هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَلَاصَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ عَمَّهُ - يَعْنِي أَبَا طَالِبٍ - عِنْدَ الْمَوْتِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَيْ: أَدَارَهُ عَلَيْهَا وَرَاوَدَهُ فِيهَا.

476

أولى بالكلام، قالت: تكلم يا أمير المؤمنين، قال: إن الله بعث محمداً رحمة، ولم يبعثه عذاباً، واختار له ما عنده، فترك لهم نهراً، شربهم سواء، ثم قام أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم عمر، فعمل عمل صاحبه، ثم لم يزل النهر يشتق منه يزيد ومروان وعبد الملك، والوليد، وسليمان حتى أفضى الأمر إلي، وقد يبس النهر الأعظم، ولن يروي أهله حتى يعود إلى ما كان عليه، فقالت: حسبك، فلست بذاكرة لك شيئاً، ورجعت فأبلغتهم كلامه.

[١] عن عمر بن أسيد، قال: والله، ما مات عمر بن عبدالعزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، قد أغنى عمر الناس.

[٢] وعن ضمرة، قال: كتب عمر بن عبدالعزيز إلى بعض عماله: أما بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله تعالى عليك، ونفاذ ما تأتي إليهم، ونقاء ما يأتون إليك.

[٣] عطاء بن أبي رباح، قال: حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبدالعزيز أنها دخلت عليه، فإذا هو في مصلاه يده على خده، سائلة دموعه، فقلت: يا أمير المؤمنين! ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة! إني تقلدت أمر أمة محمد ﷺ، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد ﷺ فخشي ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.

[٤] قال الغريابي: حدثنا الأوزاعي أن عمر بن عبدالعزيز جلس في بيته، وعنده أشراف بني أمية، فقال: أتجبون أن أولي كل رجل منكم جنداً من هذه الأجناد، فقال له رجل منهم: لم تعرض علينا مالا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى، وإني أكره أن تدنسوه علي بأرجلكم، فكيف أوليكم ديني؟ وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيهم؟ هيهات هيهات، قالوا: لم، أما لنا قرابة؟ أما لنا حق؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين

477

عندي في هذا الأمر إلا سواء، إلا رجل حبسه عني طول شقة (١). [١] عن حفص بن عمر بن أبي الزبير، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: أن أدق قلمك، وقارب بين أسطرك، فإني أكره أن أخرج من أموال المسلمين مالا ينتفعون به. [٢] قال ميمون بن مهران: أقمت عند عمر بن عبد العزيز ستة أشهر، ما رأيته غير رداءه، كان يغسل من الجمعة إلى الجمعة، ويبين بشي من زعفران. [٣] وقال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثا، ثم عاقبه كراهية أن يعجل في أول غضبه. [٤] وعن مسلمة بن عبد الملك قال: دخلت على عمر وقميصه وسخ، فقلت لامرأته، وهي أخت مسلمة: اغسلوه قالت: نفعل، ثم عدت فإذا القميص على حاله، فقلت لها، فقالت: والله ما له قميص غيره. [٥] عن عون بن المعتمر أن عمر بن عبد العزيز قال لامرأته: عندك درهم أشتري به عنبا؟ قالت: لا، قال: فعندك فلوس؟ قالت: لا، أنت أمير المؤمنين ولا تقدر على درهم، قال: هذا أهون من معالجة الأغلال في جهنم. [٦] قال يحيى بن حمزة: حدثنا عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز كان تسرج عليه الشمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ، أطفأها وأسرج سراجه. [٧] وقال مالك: أتى عمر بن عبد العزيز بعنبرة، فأمسك على أنفه مخافة أن يجد ريحها، وعنه: أنه سد أنفه، وقد أحضر مسك من الخزائن. [٨] وعن عبد العزيز بن عمر: قال لي رجاء بن حيوة: ما أكمل مروءة أبيك! سمرت عنده، فعشي السراج، وإلى جانبه وصيف نام، قلت: ألا أنبه؟ قال: لا، دعه، قلت: أنا أقوم، قال: لا ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه، فقام إلى بطة (٢) الزيت وأصلح السراج، ثم رجع، وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.

(١) الشقة: السفر الطويل البعيد، وفي حديث وفد عبد قيس: إنا نأتيك من شقة بعيدة، أي مسافة بعيدة.

(٢) البطة: الدبة بلغة أهل مكة، لأنها تعمل على شكل البطة من الحيوان، وهي إناء كالقارورة.

478

[١] عن مُغِيرَة بن حكيم: قالت فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز: حدثنا مُغِيرَة أنه يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر بن عبد العزيز، وما رأيت أحداً أشد فرقاً من ربه منه، كان إذا صلى العشاء، قعد في مسجده، ثم يرفع يديه، فلم يزل يبكي حتى تغلبه عينه، ثم ينتبه، فلا يزال يدعو رافعاً يديه يبكي حتى تغلبه عينه، يفعل ذلك ليلة أجمع.

[٢] ومن شعره:

أَوِ الغَبَارُ يَخَافُ الشَّيْنَ وَالشَّعْثَا فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا رَاغِمًا جَدَثَا يُطِيلُ فِي قَعْرِهَا تَحْتَ الثَّرَى اللَّبَثَا يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا

مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ جَبْهَتَهُ وَيَأْلَفُ الظِّلُّ كَيْ تَبْقَى بِشَاشَتِهِ فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ غَبْرَاءَ مُوحِشَةٍ تَجْهَزِي بِجِهَازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ

[٣] ومما روي له:

وَكَيْفَ يُطِيقُ النَّوْمَ حَيْرَانُ هَائِمُ مَدَامِعَ عَيْنَيْكَ الدُّمُوعُ السَّوَاجِمُ كَمَا اغْتَرَّ بِالْذَاتِ فِي الْيَوْمِ حَالِمُ وَلَيْلَكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لَكَ لَازِمُ كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ الْبَهَائِمُ

أَيْقَظَانُ أَنْتَ الْيَوْمَ؟ أَمْ أَنْتَ نَائِمُ؟ فَلَوْ كُنْتَ يَقْظَانَ الْغَدَاةَ لَخَرَّقْتَ تُسَرُّ بِمَا يَبْلَى وَتَفْرَحُ بِالْمُنَى نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ وَسَعْيُكَ فِيمَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ

[٤] عن مجاهد: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول في الناس؟ قلت: يقولون مسحور، قال: ما أنا بمسحور، ثم دعا غلاماً له فقال: ويحك! ما حملك على أن سقيتني السم؟ قال ألف دينار أعطيتها، وعلى أن أعتق، قال هاتها، فجاء بها،

فألقاها في بيت المال، وقال: اذهب حيث لا يراك أحد.

[٥] عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحاً، فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحاً، فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه! وقال: ارفعه يا غلام للذي أتى به، وأقر مولاك السلام، وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث تحب، فقلت: يا أمير المؤمنين! ابن عمك، ورجل من أهل بيتك، وقد بلغك أن رسول الله ﷺ كان يأكل الهدية، قال: ويحك! إن الهدية كانت له هدية، وهي اليوم لنا رشوة.

479

[١] عن أيوب قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين! لو أتيت المدينة، فإن

قضى الله موتاً في موضع القبر الرابع مع رسول الله ﷺ، قال: والله لأن يُعذِّبني الله

بغير النار أحب إلي من أن يعلم من قلبي أني أراني لذلك أهلا.

[٢] وقال المغيرة بن حكيم: قلت لفاطمة بنت عبد الملك: كنت أسمع عمر بن

عبد العزيز في مرضه يقول: اللهم أخف عليهم أمري ولو ساعة، قالت: قلت له:

ألا أخرج عنك، فإنك لم تنم، فخرجت، فجعلت أسمعه يقول: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ

الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[القصص ٨٣] مراراً ثم أطرق فلبثت طويلاً لا يسمع له حس، فقلت لو صيف:

ويحك انظر، فلما دخل، صاح، فدخلت فوجدته ميتاً، وقد أقبل بوجهه على

القبلة، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه.

[٣] ولكثير عزة يرثيه:

عَمَّتْ صَنَائِعُهُ فَعَمَّ هَلَاكُهُ فَالنَّاسُ فِيهِ كُلُّهُمْ مَأْجُورُ

وَالنَّاسُ مَأْتَمُهُمْ عَلَيْهِ وَاحِدٌ فِي كُلِّ دَارٍ رَنَّةٌ وَزَفِيرُ

يُثْنِي عَلَيْكَ لِسَانٌ مَنْ لَمْ تُولِهِ خَيْرًا لِأَنَّكَ بِالثَّنَاءِ جَدِيرُ

رَدَّتْ صَنَائِعُهُ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ فَكَأَنَّهُ مِنْ نَشْرِهَا مَنْشُورُ

وكان أسمر دقيق الوجه، حسنه، نحيف الجسم، حسن اللحية، بجبهته شجة.

وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأياماً.

[٤] قال ابن عيينة: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: جزاك الله عن الإسلام خيراً، قال

بل جزى الله الإسلام عني خيراً.

مات سنة إحدى ومئة.

480

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080