تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٦٠ عائشة أم المؤمنين (ع) (١)

الصفحات 119–133 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 25 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٦٠ عائشة أم المؤمنين (ع) (١)

[١] بَنَتِ الْإِمَامُ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ، خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبِي بَكْرِ بْنِ قُحَافَةَ. هَاجَرَ بِعَائِشَةَ أَبْوَاهَا، وَتَزَوَّجَهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ بَعْدَ وَفَاةِ الصِّدِّيقَةِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ وَذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِبِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَدَخَلَ بِهَا فِي شَوَّالِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ. مُنْصَرَفُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ. فَرَوْتُ عَنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ.

مُسْنَدُ عَائِشَةَ يَبْلُغُ أَلْفَيْنِ وَمِئَتَيْنِ وَعَشْرَةَ أَحَادِيثَ.

[٢] وَعَائِشَةُ مِمَّنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَصْغَرُ مِنْ فَاطِمَةَ بِثَمَانِي سِنِينَ. وَكَانَتْ تَقُولُ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوِيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ. وَذَكَرْتُ أَنَّهَا لَحِقَتْ بِمَكَّةَ سَائِسَ الْفِيلِ شَيْخًا أَعْمَى يَسْتَعْطِي.

[٣] وَكَانَتْ امْرَأَةً بَيْضَاءَ جَمِيلَةً. وَمِنْ ثَمَّ يُقَالُ لَهَا: الْحُمَيْرَاءُ. وَلَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ ﷺ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَلَا أُحِبُّ امْرَأَةً حُبَّهَا، وَلَا أَعْلَمُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ وَلَا فِي النِّسَاءِ مُطْلَقًا، امْرَأَةً أَعْلَمُ مِنْهَا. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ أَبِيهَا. وَهَذَا مَرْدُودٌ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، بَلْ نَشْهَدُ أَنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّنَا ﷺ فِي الدُّنْيَا

(١) انظر السير ٢/١٣٥-٢٠١.

119

والآخرة، فهل فوق ذلك مفخر، وإن كان للصديقة خديجة شأو لا يلحق، وأنا واقف في أيهما أفضل. نعم جزمت بأفضلية خديجة عليها لأمور ليس هنا موضعها. [١] عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ «أريتك في المنام ثلاث ليال، جاء بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك. فأكشف عن وجهك فإذا أنت فيه، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه.

وكان تزويجه ﷺ بها إثر وفاة خديجة، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد، ثم دخل بسودة، فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر، فما تزوج بكراً سواها، وأحبها حباً شديداً كان يتظاهر به، بحيث إن عمرو بن العاص، وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة، سأل النبي ﷺ أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: «عائشة» قال: فمن الرجال؟ قال «أبوها».

وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان عليه السلام ليحب إلا طيباً. وقد قال: «لو كنت متخذاً خليلاً من هذه الأمة، لا أتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام أفضل» فأحب أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ، فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله.

[٢] عن عائشة: أن نساء رسول الله ﷺ كن حزبين، فحزب منه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر أزواجه. وكانوا المسلمون قد علموا حب رسول الله ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ آخرها، حتى إذا كان في بيت عائشة بعث بها إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة. فتكلم حزب أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله هدية فليهد إليه حيث كان من نسائه. فكلمته أم سلمة بما قلن. فلم يقل لها شيئاً. فسألنها. فقالت: ما قال لي شيئاً. فقلن: كلميه. قالت: فكلمته حين دار إليها فلم يقل لها شيئاً. فسألنها. فقالت: ما قال لي شيئاً. فقلن لها: كلميه. فدار إليه فكلمته. فقال لها: «لا تؤذيني في عائشة. فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة». فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله.

120

ثم إنهنَّ دَعَوْنَ فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأرسلت إلى رسول الله ﷺ، تقول: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر. فكلمته، فقال: «يا بنية، ألا تحبين ما أحب؟» قالت: بلى. فرجعت إليهن وأخبرتهن فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع. فأرسلن زينب بنت جحش. فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في ابنة أبي قحافة. فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة، وهي قاعدة، فسبتها، حتى إن رسول الله ﷺ لينظر إلى عائشة هل تتكلم. قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها. فنظر النبي ﷺ إلى عائشة، وقال: إنها ابنة أبي بكر. عن أبي موسى، عن النبي ﷺ، قال: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».

[١] عن عائشة، قالت: قلت - يا رسول الله، من من أزواجك في الجنة؟ قال: «أما إنك منهن» قالت: فخيل إلي أن ذلك لأنه لم يتزوج بكراً غيري. [٢] عن الزهري: حدثني أبو سلمة، أن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «يا عائش، هذا جبريل، وهو يقرأ عليك السلام» قالت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى مالا ترى يا رسول الله.

[٣] عن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ استعمله على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته، فقلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها».

[٤] عن عائشة، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ متوفى خديجة، وأنا ابنة ست، وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع، جاءني نسوة وأنا ألعب على أرجوحة وأنا مجممة (١)، فهيأتني وصنعني، ثم أتين بي إليه ﷺ.

[٥] عن هشام، عن أبيه، عنها، أنها قالت: كنت ألعب بالبنات، تعني اللعب، فيجي صواحي فينقمعن (٢) من رسول الله ﷺ، فيخرج رسول الله، فيدخلن علي،

(١) أي: ذات جمة، ويقال للشعر إذا سقط عن المنكبين جمة، وإذا كان إلى شحمة الأذنين وفرة.

(٢) معناه: يتغيبن منه، ويدخلن وراء الستر.

121

وكان يُسَرِّبُهُنَّ إلي، فيلعَبْنَ معي.

وفي لفظ: فكن جوار يأتين يلعبن معي بها، فإذا رأين رسول الله تَقَمَّعْنَ فكان

يُسَرِّبُهُنَّ إلي.

[١] وعن عائشة قالت: دخل علي رسول الله وأنا ألعب بالبنات. فقال: «ما هذا يا

عائشة؟ قلت: خيل سليمان ولها أجنحة. فضحك.

[٢] عن عائشة، قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة

يلعبون بالحراب في المسجد، وإنه ليسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقف

من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة

على اللهو.

[٣] شأن الإفك:

كان في غزوة المريسيع سنة خمس من الهجرة، وعمرها رضي الله عنها يومئذ

اثنتا عشر سنة.

عن ابن شهاب: أخبرني عروة، وابن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله

بن عبد الله، عن حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله تعالى.

وكل حدثني بطائفة من حديثها، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، وإن كان بعضهم

أوعى له من بعض، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن

خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت

معه بعد ما نزل الحجاب، وأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا، حتى إذا فرغ

رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل ودوننا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل. فقمت

حينئذ، فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت حاجتي، أقبلت إلى رحلي،

فإذا عقد لي من جزع ظفار (١) قد انقطع، فالتمسّه، وحبسني التماسه، وأقبل

الرهط الذين كانوا يرحلون بي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، وهم

(١) الجزع: خرزيماني، وظفار، قرية باليمن.

122

يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يُثْقِلْهنَّ اللحم، إنما يأكلن العُلْفَةَ (١) من الطعام. فلم يستنكروا خِفَّةَ المَحْمَلِ حين رفعوه، وكنتُ جاريةً حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدتُ عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئتُ منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فأممتُ منزلي الذي كنتُ فيه، وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ. فبينما أنا جالسةٌ غلبتني عيني، فتمتُ. وكان صفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِي، ثم الذكواني، من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حني رآني، وكان يراني قبل الحجاب. فاسترجع، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفتُ. فخَمَّرتُ وجهي بجلابي، والله ما كلَّمني كلمة، ولا سمعتُ منه كلمة غير استرجاعه، فأناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبها. فانطلق يقودُ بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين (٢) في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في. وكان الذي تولى كِبْرَ هذا الإفك عبد الله بن أبي بن سلول. . . فقدمنا المدينة، فاشتكيتُ شهراً، والناسُ يُفِيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشئ من ذلك، ويربيني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي، فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرفُ فذلك الذي يربيني ولا أشعر بالشر، حتى خرجتُ بعد ما نَقَّهْتُ.

فخرجتُ مع أم مسطح قبل المناصع (٣)، وهو متبرِّزنا. وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن تتخذ الكُفَّ قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول من التبرُّز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكُفَّ أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقتُ أنا وأم مسطح بنت أبي رهم بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن المطلب. فأقبلتُ أنا وهي قبل بيتي، قد فرغنا من شأننا، فعثرتُ أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح: فقلتُ لها: بش ما قلت! أتسبين

(١) العُلْفَةُ بضم العين: كل ما يتبلغ به من العيش، وهي من الطعام اليسير منه.

(٢) أي نازلين في وقت الوفرة: وهي شدة الحر، ونحر الظهيرة: وقت القاتلة.

(٣) المناصع: مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها.

123

رجلاً شهد بدراً؟ قالت: أي هنتاه (١)، أو لم تسمعي ما قال: قلت: وما ذلك؟

فأخبرتني الخبر، فازددت مرضاً على مرضي.

فلما رجعت إلى بيتي، ودخل علي رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: كيف تيكم؟

فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. فأذن

لي. فجئت أبوي، فقلت: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية! هوني

عليك، فوالله لقلمًا كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن عليها.

فقلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت الليلة حتى لا يرقأ لي دمع

ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي.

فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي،

يستأمرهما في فراق أهله. فأما أسامة، فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من

براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله أهلك، ولا

نعلم إلا خيراً. وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، واسأل

الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة (٢) فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء

يربك؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمراً أغمصه (٣) عليها أكثر

من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فيأتي الداجن، فيأكله.

فقام رسول الله ﷺ، فاستعذر من عبدالله بن أبي بن سلول، فقال وهو على

المنبر: «يا معشر المسلمين، من يعذرني (٤) من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي،

فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما

كان يدخل على أهلي إلا معي». فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أنا

(١) قال ابن الأثير: أي: ياهذه، وتفتح النون وتسكن، وتضم الهاء الآخرة وتسكن، قال الجوهري: هذه اللفظة

تختص بالنداء وقيل: معنى يا هنتاه: أي: يا بلهاء، كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم.

(٢) كون الجارية بريرة هنا، وهم من بعض الرواة نبه عليه ابن القيم، في (زاد المعاد) ٣/٢٦٨ طبع مؤسسة الرسالة

، وأخذ عنه الزركشي في (الإجابة) ص ٤٨.

(٣) أي: اعيبه.

(٤) أي: من يقوم بعذري إن جازيته على قبيح فعاله، وسوء ما صدر منه، وقيل: معناه من ينصرني، والعذير:

الناصر.

124

أَعذِرُكَ منه، إن كان من الأوس، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وإن كان من إخواننا من الخزرج. أَمَرْتَنَا، ففعلنا أمرك.

فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته (١) الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله! لا تقتله، ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال: كذبت! لعمر الله لقتله، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فتناور (٢) الحيان: الأوس والخزرج، حتى هموان يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر. فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت.

قالت: فبكيت يومي ذلك وليلي، لا يرقأ لي دمع، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله ﷺ، فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، ولقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني شيء. قالت: فتشهد، ثم قال: «أما بعد، يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله، وتوبى إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله عليه». فلما قضى مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت وأنا يومئذ حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتكم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقني. والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا﴾

(١) أي: اغضبته.

(٢) أي: توابنا، وتناهضا للنزاع والعصبية.

125

تَصِفُونَ﴾ [يوسف ١٨]. ثم تحولت، فاضطجعت على فراشي، وأنا أعلم أني بريئة، وأن الله تعالى يبرئني ببراءتي، ولكن والله ما ظننت أن الله ينزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني كان في نفسي أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، قالت: فوالله ما قام رسول الله ﷺ، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى نزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحذر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي ينزل عليه. فلما سري عنه وهو يضحك، كان أول كلمة تكلم بها: «يا عائشة، أما والله، لقد برأك الله» فقالت أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾

[النور ١١] العشر الآيات كلها.

فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة. فأنزلت ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَّا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور ٢٢]، قال: بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قالت: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري. فقالت: أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً، وهي التي كانت تساميني (١) من أزواج النبي ﷺ، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها (٢) فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك.

[١] عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو أنك نزلت وادياً فيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها، فأيهما كنت ترتع بعيرك؟ قال: «الشجرة التي لم يؤكل منها». قالت: فأنا هي. تعني أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكراً غيرها.

(١) تساميني، تعاليني، من السمو وهو العلو والارتفاع، أي تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبي ﷺ ما أطلب.

(٢) أي: تجادل لها وتعصب، وتحكي ما قال أهل الإفك لتنخفض منزلة عائشة، وتعلو مرتبة أختها زينب.

126

[١] وقالت عائشة: ما غُرْتُ على امرأة ما غُرْتُ على خديجة من كثرة ما كان رسول الله ﷺ يذكرها.

قلت: وهذا من أعجب شيء أن تغار رضي الله عنها من امرأة عجوز توفيت قبل تزوج النبي ﷺ بعائشة بمديدة، ثم يحميها الله من الغيرة من عدة نسوة يشاركنها في النبي ﷺ، فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي ﷺ، لئلا يتكدر عيشهما. ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي ﷺ لها وميله إليها. فرضي الله عنها وأرضاها. [٢] عن عائشة: دخلت امرأة سوداء على النبي ﷺ، فأقبل عليها. قالت: فقلت: يا رسول الله، أقبلت على هذه السوداء هذا الإقبال: فقال: «إنها كانت تدخل على خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان».

[٣] وقد قيل: إن كل حديث فيه: يا حميراء، لم يصح (١).

والحمراء، في خطاب أهل الحجاز: هي البيضاء بشقرة، وهذا نادر فيهم، ومنه في الحديث: «رجل أحمر كأنه من الموالي» يريد القائل أنه في لون الموالي الذين سبوا من نصارى الشام والروم والعجم.

ثم إن العرب إذا قالت: فلان أبيض، فإنهم يريدون الحنطي اللون بحلية سوداء، فإن كان في لون أهل الهند، قالوا: أسمر وآدم، وإن كان في سواد التكرور، قالوا: أسود، وكذا كل من غلب عليه السواد، قالوا: أسود، أو شديد الأدمة. ومن ذلك قوله ﷺ «بعثت إلى الأحمر والأسود». فمعنى ذلك: أن بني آدم

(١) في هذه الكلية نظر، فقد أخرج النسائي في (عشرة النساء) ورقة ١/٧٥ من حديث يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: دخل الحبشة المسجد يلعبون، قال لي: يا حميراء، أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم، فقام بالباب، وجثته، فوضعت ذقني على عاتقه، فأسندت وجهي إلى خده، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبا، فقال ﷺ: حسبك. قلت: يا رسول الله لا تعجل، فقام لي ثم قال: حسبك فقلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه، قال الحافظ في (الفتح) ٢/٣٥٥: إسناده صحيح، ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا، وقال الزركشي في المعتمر ٢/١٩ و ١/٢٠: وذكر لي شيخنا ابن كثير، عن شيخه أبي الحجاج المزي أنه كان يقول: كل حديث فيه ذكر الحميراء باطل لا يصح إلا حديثا في الصوم في سنن النسائي. قلت: وحديث آخر في النسائي . . دخل الحبشة المسجد . . وذكر الحديث السابق.

127

لا ينفكون عن أحد الأمرين. وكل لون بهذا الاعتبار يدور بين السواد والبياض، الذي هو الحُمرة.

[١] عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقدي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء. فأتى الناس أبا بكر رضي الله عنه. فقالوا: ما ترى ما

صَنَعَتْ عائشة، أقامت برسول الله وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء! قالت: فعاتبني أبو بكر، فقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان النبي ﷺ على فخذي. فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء. فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا.

فقال أسيد بن حضير - وهو أحد النقباء - ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر! قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته. متفق عليه.

[٢] عن النعمان بن بشير، قال: استأذن أبو بكر على النبي ﷺ، فإذا عائشة ترفع صوتها عليه، فقال: يا بنت فلانة، ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ! فحال النبي ﷺ بينه وبينها. ثم خرج أبو بكر، فجعل النبي ﷺ يرضاها، وقال: «ألم تريني حلت بين الرجل وبينك». ثم استأذن أبو بكر مرة أخرى، فسمع تضاحكهما،

فقال: أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما.

[٣] عن عروة قال: قالت عائشة: ما علمت حتى دخلت علي زينب بغير إذن وهي غضبي، ثم قالت لرسول الله ﷺ. أحسبك إذا قلبت لك بنية أبي بكر ذريعتيها (١) ثم أقبلت علي، فأعرضت عنها. فقال النبي ﷺ: «دونك فانتصري» فأقبلت عليها حتى رأيت قد يبس ريقها في فمها، فما ترد علي شيئاً. فرأيت النبي ﷺ يتهلل وجهه.

[٤] عن عائشة، قالت: سابقني النبي ﷺ، فسبقتُه ما شاء، حتى إذا زهقني اللحم، سابقني، فسبقني. فقال: «يا عائشة هذه بتلك».

(١) قال ابن الأثير: الذريعة تصغير الذراع ولحوق الهاء فيها لكونها مؤنثة، ثم ثنتها مصغرة، وأرادت به ساعديها.

128

[١] عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يُعطيني العَظْمَ فأنعَرَقَهُ، ثم يأخذه، فَيُدِيرُهُ حتى يَضَع فاه على موضع فمي.

[٢] عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا خرج، أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان إذا كان بالليل، سار مع عائشة يتحدث. فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري، وأركب بعيرك تنظرين وأنظر. فقالت: بلى. فركبت. فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة، وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة فلما نزلوا، جعلت رجليها بين الإذخر وتقول: يا رب، سَلِّطْ عليَّ عقرباً أو حيةً تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً. أخرجه مسلم.

[٣] عن عاصم بن كليب، عن أبيه: قال: انتهينا إلى علي رضي الله عنه، فذكر عائشة، فقال: خليلة رسول الله ﷺ.

هذا حديث حسن. ومُصعب فصالح لا بأس به. وهذا يقوله أمير المؤمنين في حق عائشة مع ما وقع بينهما، فرضي الله عنهما. ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كُلِّيَّة على مسيرها إلى الصرة وحضورها يوم الجمل، وما ظنَّت أن الأمر يبلغ ما بلغ. [٤] عن إسماعيل: حدثنا قيس، قال: لما أقبلت عائشة، فلما بلغت مياه بني عامر ليلاً نَبَحَت الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا ماء الحَوَّاب. قالت: ما أظنني إلا أنني راجعة. قال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون، فيُصلح الله ذات بينهم. قالت: إن رسول الله ﷺ قال ذات يوم: «كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلابُ الحَوَّابِ». هذا حديث صحيح الإسناد.

عن صالح بن كيسان وغيره: أن عائشة جعلت تقول: إن عثمان قُتِلَ مظلوماً، وأنا أدعوكم إلى الطلب بدمه، وإعادة الأمر شورى.

عن ابن عباس، أنه قال للزبير يوم الجمل: هذه عائشة تُملك المُلْك لقرابتها طلحة، فأنت علام تقاتل قريبك علياً! فرجع الزبير، فلقيه ابن جُرموز، فقتله. قلت: قد سقت وقعة الجمل مُلَحَّصة في مناقب علي، وإن علياً وقف على خباء عائشة يَلُومُها على مسيرها. فقالت: يا ابن أبي طالب، مَلَكَت فَأَسْجَحَ (١)، فَجَهَّزَهَا

(١) أي: قدرت فسهل وأحسن العفو، وهو مثل سائر.

129

إلى المدينة، وأعطاها اثني عشر ألفاً. فرضي الله عنه وعنها. [١] عن أبي وائل: سمع عماراً يقول، حين بعثه علي إلى الكوفة ليستنفر الناس: إنا لنعلم إنها لزوجة النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها، لتتبعوه، أو إياها.

[٢] عن أبي موسى قال: ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة، إلا وجدنا عندها منه علماً.

[٣] عن ابن أبي مليكة: أن ذكوان: أبا عمرو: حدثه قال: جاء ابن عباس رضي الله عنهما يستأذن على عائشة، وهي في الموت. قال: فجئت وعند رأسها عبد الله ابن أخيها عبد الرحمن، فقلت: هذا ابن عباس يستأذن. قالت: دعني من ابن عباس، لا حاجة لي به، ولا بتزكيته. فقال عبد الله: يا أمه، إن ابن عباس من صالحي بنيك، يودعك ويسلم عليك. قالت: فأنذن له إن شئت. قال: فجاء ابن عباس، فلما قعد، قال: أبشري، فوالله ما بينك وبين أن تفارقي كل نصب، وتلقي محمداً ﷺ والأحبة، إلا أن تفارق روحك جسدك.

قالت: إيهأ، يا ابن عباس! قال: كنت أحب نساء رسول الله ﷺ - يعني إليه - ولم يكن يحب إلا طيباً، سقطت قلادتك ليلة الأبواء، وأصبح رسول الله ﷺ ليلتقطها، فأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء ٤٢]. فكان ذلك من سبيك، وما أنزل الله بهذه الأمة من الرخصة، ثم أنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سماوات، فأصبح ليس مسجد من مساجد يذكر فيها الله إلا براءتك تتلى في آناء الليل والنهار. قالت: دعني عنك يا ابن عباس، فوالله لوددت أني كنت نسياً منسياً.

[٤] كان مسروق إذا حدث عن عائشة، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سماوات، فلم أكذبها. [٥] عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قلنا له: هل كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والله، لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض.

130

[١] عن هشام، عن أبيه، قال: لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآية أنزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا، ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا طب، منها. فقلت لها: يا خالة، الطب، من أين علمته؟ فقالت: كنت أمرض فينعت لي الشيء، ويمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فأحفظه.

[٢] الزهري - من رواية معمر والأوزاعي عنه، وهذا لفظ الأوزاعي عنه - قال: أخبرني عوف بن الطفيل بن الحارث الأزدي، وهو ابن أخي عائشة لأمها: أن عائشة بلغها أن عبد الله بن الزبير كان في دار لها باعتها، فتسخط عبد الله بيع تلك الدار، فقال: أما والله لتنتهين عائشة عن بيع رباعها، أو لأحجرن عليها. قالت عائشة: أو قال ذلك؟ قالوا: قد كان ذلك. قالت: لله علي ألا أكلمه،

حتى يفرق بيني وبينه الموت.

فقالت هجرتها إياه، فنقصه الله بذلك في أمره كله، فاستشفع بكل أحد يرى أنه يثقل عليها، فأبت أن تكلمه.

فلما طال ذلك، كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، أن يشملاه بأرديتهما ثم يستأذنا، فإذا أذنت لهما، قالا: كلنا؟ حتى يدخلاه على عائشة، ففعلا ذلك، فقالت: نعم كلكم، فليدخل. ولا تشعر. فدخل معهما ابن الزبير، فكشف الستر، فاعتنقها، وبكى، وبكت عائشة بكاء كثيراً، وناشدها ابن الزبير الله والرحم ونشدها مسور وعبد الرحمن بالله والرحم، وذكروا لها قول رسول الله ﷺ «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». فلما أكثروا عليها، كلمته، بعدما خشي ألا تكلمه. ثم بعثت إلى اليمن بمال، فابتنع لها أربعون رقبة، فأعتقتها.

قال عوف: ثم سمعتها بعد تذكر نذرها ذلك، فتبكي حتى تبل خمارها. [٣] وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل.

131

[١] عن عطاء: أن معاوية بعث إلى عائشة بقلادة بمئة ألف، فقسمتها بين أمهات المؤمنين.

[٢] عن عروة، عن عائشة، أنها تصدقت بسبعين ألفاً، وإنها لترفع جانب درعها، رضي الله عنها.

عن أم ذرة، قالت: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين، يكون مئة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست، قالت: هاتي يا جارية فطوري. فقالت أم ذرة: يا أم المؤمنين، أما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني، لو أذكرتيني لفعلت.

[٣] عن مصعب بن سعد، قال: فرض عمر لأمهات المؤمنين عشرة آلاف، عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين، وقال: إنها حبيبة رسول الله ﷺ.

[٤] عن شعبة: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن عائشة كانت تصوم الدهر.

[٥] عن عمرو بن أبي عمرو: سمع القاسم يقول: كانت عائشة تلبس الأحمرين: الذهب والمعصفر، وهي محرمة.

[٦] عن ابن أبي مليكة، قال: قالت عائشة: توفي رسول الله ﷺ في بيتي، وفي يومي وليلتي، وبين سحري ونحري (١) ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر، ومعه سواك رطب، فنظر إليه، حتى ظننت أنه يريد، فأخذته، فمضغته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إليه، فاستن به كأحسن ما رأيته مستناً قط، ثم ذهب يرفعه إلي، فسقطت يده، فأخذت أدعو له بدعاء كان يدعو به له جبريل، وكان هو يدعو به إذا مرض، فلم يدع به في مرضه ذلك. فرفع بصره إلى السماء، وقال: «الرفيق الأعلى» وفاضت نفسه. فالحمد لله الذي جمع بين ريفي وريقه في آخر يوم من الدنيا. هذا حديث صحيح.

توفيت سنة سبع وخمسين.

(١) السحر: الرئة، والنحر: أعلى الصدر، واستن: استاك.

132

[١] عن قَيْس، قال: قالت عائشة، وكانت تُحَدِّثُ نفسها أن تُدْفَنَ في بيتها، فقالت: إني أحدثت بعد رسول الله ﷺ حدثاً، ادفوني مع أزواجه. فدُفِنَتْ بالبقيع، رضي الله عنها. قلت: تعني بالحدث: مسيرها يوم الجمل، فإنها نَدِمَت ندامةً كُلِّيَّةً، وتابت من ذلك: على أنها ما فعلت ذلك إلا مُتَأَوِّلَة قاصدة للخير، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعة من الكبار، رضي الله عن الجميع.

ومدة عمرها: ثلاث وستون سنة وأشهر.

[٢] عن عائشة رضي الله عنها: أنها قتلت جَاناً، فأتيت في منامها: والله لقد قتلت مسلماً.

قالت: لو كان مسلماً لم يدخل على أزواج النبي ﷺ. فقيل: أو كان يدخل عليك إلا وعليك ثيابك.

فأصبحت فزعة، فأمرت باثني عشر ألف درهم، فجعلتها في سبيل الله. عن عائشة بنت طلحة، قالت: كان جان يطلع على عائشة، فحرجت عليه مرة، بعد مرة، بعد مرة، فأبى إلا أن يظهر، فعدت عليه بحديدة، فقتلته. فأتيت في منامها، فقيل لها: أقتلت فلاناً، وقد شهد بدراً، وكان لا يطلع عليك، لا حاسراً ولا متجردة، إلا أنه كان يسمع حديث رسول الله ﷺ. فأخذها ما تقدم وما تأخر، فذكرت ذلك لأبيها فقال: تصدقي باثني عشر ألفاً ديته.

الإسناد الأول أصح. وما أعلم أحداً اليوم يقول بوجوب دية في مثل هذا. [٣] عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ «أَيُّكُنَّ صَاحِبَةُ الْجَمَلِ الْأَدْبَبِ، يُقْتَلُ حَوْلَهَا قَتْلَى كَثِيرٌ، وَتَنْجُو بَعْدَ مَا كَادَتْ». قال ابن عبد البر: هذا الحديث من أعلام النبوة.

133

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080