نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٣٦٢ - مالك الإمام (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٣٦٢ - مالك الإمام (ع) (١)
[١] هو شيخ الإسلام، حجة الأمة، إمام دار الهجرة، أبو عبدالله مالك بن أنس بن
مالك بن أبي عامر الحميري ثم الأصبحي المدني.
مولد مالك على الأصح في سنة ثلاث وتسعين عام موت أنس خادم رسول الله
ﷺ، ونشأ في صون ورفاهية وتجمّل.
وآخر أصحابه موتاً راوي «الموطأ» أبو حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي، عاش
بعد مالك ثمانين عاماً.
[٢] وطلب مالك العلم، وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة،
وله إحدى وعشرون سنة، وحدث عنه جماعة وهو حي شاب طري، وقصده طلبة
العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في
خلافة الرشيد، وإلى أن مات.
[٣] عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ قال: «ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب
العلم، فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة».
وذكر أبو المغيرة المخزومي أن معناه: ما دام المسلمون يطلبون العلم لا يجدون
أعلم من عالم بالمدينة. فيكون على هذا: سعيد بن المسيب، ثم بعده من هو من
شيوخ مالك، ثم مالك، ثم من قام بعده بعلمه، وكان أعلم أصحابه.
قلت: كان عالم المدينة في زمانه بعد رسول الله ﷺ، وصاحبيه، زيد بن ثابت،
وعائشة، ثم ابن عمر، ثم سعيد بن المسيب، ثم الزهري، ثم عبيد الله بن عمر،
ثم مالك.
وعن ابن عيينة قال: مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه.
وقال الشافعي - وصدق وبر - إذا ذكر العلماء فمالك النجم.
ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكاً في العلم، والفقه، والجلالة
(١) انظر السير: ٨/٤٨-١٣٥.
614
والحفظ، فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيب، والفقهاء السبعة (١)، والقاسم، وسالم، وعكرمة، ونافع، وطبقتهم، ثم زيد بن أسلم، وابن شهاب، وأبي الزناد، ويحيى بن سعيد، وصفوان بن سليم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وطبقتهم، فلما تفانوا، اشتهر ذكر مالك بها، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن الماجشون، وسليمان بن بلال، وفليح بن سليمان، والدراوردي، وأقرانهم، فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق، والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق رحمه الله تعالى.
[١] أبو مصعب: سمعت مالكاً يقول: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين، وقد نزل على مثال له - يعني فرشه - وإذا على بساطه دأبتان ما تروثان ولا تبولان، وجاء صبي يخرج ثم يرجع، فقال لي: أتدري من هذا؟ قلت: لا. قال: هذا ابني، وإنما يفرغ من هيبتك، ثم ساءلني عن أشياء منها حلال ومنها حرام، ثم قال لي: أنت - والله - أعقل الناس، وأعلم الناس. قلت: لا والله يا أمير المؤمنين. قال: بلى ولكنك تكتم. ثم قال: والله لئن بقيت لأكتبن قولك كما تكتب المصاحف، ولأبعثن به إلى الآفاق، فلأحملنهم عليه.
[٢] قال خلف: ودخلت عليه، فقال: ما ترى (٢)؟ فإذا رؤيا بعثها بعض إخوانه، يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام، في مسجد قد اجتمع الناس عليه، فقال لهم: إني قد خبأت تحت منبري طيباً أو علماً، وأمرت مالكاً أن يفرقه على الناس، فانصرف الناس وهم يقولون: إذا ينفذ مالك ما أمره به رسول الله ﷺ، ثم بكى، فقمت عنه.
[٣] عمر بن المحبر الرعيني، قال: قدم المهدي المدينة، فبعث إلى مالك، فأتاه، فقال لهارون وموسى: اسمعا منه، فبعث إليه، فلم يجبهما، فأعلما المهدي،
(١) الفقهاء السبعة نظم أسماءهم بعضهم بهذين البيتين:
إذا قيل من في الفقه سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة
فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة
(٢) نص الحلية: فقال لي: انظر ما ترى تحت مصلاي أو حصيري، فنظرت، فإذا أنا بكتاب، فقال: أقرأه...
615
فكلمه، فقال: يا أمير المؤمنين، العلمُ يُؤْتَى أهله، فقال: صدق مالك، صيرا إليه، فلما صارا إليه، قال له مؤدبهما: اقرأ علينا. فقال: إنَّ أهل المدينة يقرؤون على العالم، كما يقرأ الصبيانُ على المعلم، فإذا أخطؤوا، أفتاهم. فرجعوا إلى المهدي، فبعث إلى مالك، فكلمه، فقال: سمعتُ ابن شهاب يقول: جمعنا هذا العلم في الروضة من رجال، وهم يا أمير المؤمنين: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وعروة، والقاسم، وسالم، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، ونافع، وعبد الرحمن بن هرمز، ومن بعدهم: أبو الزناد، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وابن شهاب، كل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرؤون، فقال: في هؤلاء قدوة، صيروا إليه،
فاقرؤوا عليه، ففعلوا.
[١] السَّرَّاجُ: حدثنا قتيبة: كنا إذا دخلنا على مالك، خرج إلينا مُزَيَّنًا مكحلاً مطيباً. قد لبس من أحسن ثيابه، وتصدَّر الحلقة، ودعا بالمراوح، فأعطى لكل منا مروحة. [٢] ابن وهب: سمعتُ مالكاً يقول: اعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما
يسمع.
[٣] إسماعيل بن أبي أويس، قال: سألتُ خالي مالكاً عن مسألة، فقال لي: قرَّ ثم توضأ، ثم جلس على السرير - ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وكان لا يُفتي حتى يقولها.
[٤] عن مالك، قال: دخلت على المنصور، وكان يدخل عليه الهاشميون، فيقبلون يده ورجله - عصمني الله من ذلك -.
[٥] عن مالك، قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به.
616
صفة الإمام مالك
[١] عن عيسى بن عمر قال: ما رأيت قط بياضاً ولا حمرة أحسن من وجه مالك،
ولا أشد بياض ثوب من مالك.
ونقل غير واحد أنه كان طوالاً، جسيماً، عظيم الهامة، أشقر، أبيض الرأس
واللحية، عظيم اللحية، أصلع، وكان لا يحفي شاربه (١)، ويراه مثله.
كان يوفر سبلته (٢)، ويحتج بقتل عمر شاربه.
وقال ابن وهب: رأيت مالكاً خضب بجناء مرة.
وقد كان مالك إماماً في نقد الرجال، حافظاً، مجوداً، متقناً.
[٢] عن مالك، قال: قدم علينا الزهري، فأتيناه ومعنا ربيعة، فحدثنا بنيف وأربعين
حديثاً، ثم أتيناه من الغد، فقال: انظروا كتاباً حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدثتكم
به أمس، أيش في أيديكم منه؟ فقال ربيعة: ها هنا من يرد عليك ما حدثت به
أمس. قال: ومن هو؟ قال: ابن أبي عامر. قال: هات، فسرد له أربعين حديثاً
منها، فقال الزهري: ما كنت أرى أنه بقي من يحفظ هذا غيري.
[٣] وعن مالك قال: جنة العالم: «لا أدري» فإذا أغفلها أصيبت مقاتله.
[٤] عن مالك، سمع عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه
قول: «لا أدري»، حتى يكون ذلك أصلاً يفرعون إليه.
[٥] قال ابن عبد البر: صح عن أبي الدرداء أن: «لا أدري»، نصف العلم.
[٦] قال محمد بن رمح: رأيت النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إن مالكاً والليث
يختلفان، فبأيهما آخذ؟ قال: مالك، مالك.
[٧] محمد بن عمر، سمعت مالكاً يقول: لما حج المنصور، دعاني فدخلت عليه،
فحادثته، وسألني فأجبته، فقال: عزمت أن آمر بكتبك هذه - يعني الموطأ - فتنسخ
نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما
(١) أي لا يبالغ في قصه.
(٢) السبلة: ما على الشفة العليا من الشعر، يجمع الشاربين وما بينهما.
617
فيها، ويدعوا ما سوى ذلك من العلم المُحدَث، فإني رأيتُ أصلَ العلم روايةَ أهلِ المدينةِ وعلمَهم. قلتُ: يا أميرَ المؤمنين، لا تفعلُ، فإن الناس قد سيقتُ إليهم أقاويلُ وسمعوا أحاديثَ، ورَوَّوا رواياتٍ، وأخذ كلُّ قوم بما سيق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وإن ردَّهم عما اعتقدوه شديدٌ، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم. فقال: لعمري، لو طاوعتني لأمرتُ بذلك.
المحنة
[١]
ابن سعد: حدثنا الواقدي قال: لما دُعي مالك، وشُور، وسمع منه، وقبل قوله، حسد، وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمانَ بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو.
[٢] قلت: هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير: «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»، وقال النبي ﷺ: «كل قضاء المؤمن خير له» وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، وأنزل تعالى في وقعة أحد قوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۗ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٥]. وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ، واستغفر ولم يتشاغل بدم من انتقم منه، فالله حكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له.
618
ولمالك رحمه الله رسالة في القدر، كتبها إلى ابن وهب وإسنادها صحيح. وله مؤلف: في النجوم ومنازل القمر، ورسالة في الأقضية، ورسالة إلى الليث في اجماع أهل المدينة، معروفة. فأما ما نقل عنه كبار أصحابه من المسائل، والفتاوى، والفوائد، فشيء كثير، ومن كنوز ذلك: «المدونة»، و«الواضحة»، وأشياء. [١] قال مالكي: قد ندر الاجتهاد اليوم، وتعذر، فمالك أفضل من يُقلد، فرجح تقليده.
[٢] وقال شيخ: إن الإمام لمن التزم بتقليده، كالنبي مع أمته، لا تحل مخالفته. [٣] قلت: قوله لا تحل مخالفته: مجرد دعوى، واجتهاد بلا معرفة، بل له مخالفة إمامه إلى إمام آخر، حُجَّته في تلك المسألة أقوى، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له، لا كمن تمذهب لإمام، فإذا لاح له ما يوافق هواه، عمل به من أي مذهب كان، ومن تتبع رخص المذاهب، وزلات المجتهدين، فقد رق دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره: من أخذ بقول المكيين في المتعة، والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء، فقد جمع الشر. وكذا من أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها، وفي الطلاق ونكاح التحليل بمن توسع فيه، وشبه ذلك، فقد تعرض للانحلال، فنسأل الله العافية والتوفيق.
[٤] ولكن: شأن الطالب أن يدرس أولاً مصنفاً في الفقه، فإذا حفظه، بحثه، وطالع الشروح، فإن كان ذكياً، فقيه النفس، ورأى حجج الأئمة، فليراقب الله، وليحط لدينه، فإن خير الدين الورع، ومن ترك الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، والمعصوم من عصمه الله.
[٥] فالمقلدون صحابة رسول الله ﷺ، بشرط ثبوت الإسناد إليهم، ثم أئمة التابعين كعلقمة، ومسروق، وعبيدة السلماني، وسعيد بن المسيب، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وعبيد الله بن عبد الله، وعروة، والقاسم، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي.
619
ثم كالزهري، وأبي الزناد، وأيوب السختياني، وربيعة، وطبقتهم. ثم كأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر، وابن أبي عروبة، وسفيان الثوري، والحمادين، وشعبة، والليث، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب. ثم كابن المبارك، ومسلم الزنجي، والقاضي أبي يوسف، والهقل بن زياد، ووكيع، والوليد بن مسلم، وطبقتهم.
ثم كالشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والبويطي، وأبي بكر ابن أبي شيبة.
ثم كالمزني، وأبي بكر الأثرم، والبخاري، وداود بن علي، ومحمد بن نصر المروزي، وإبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي.
ثم كمحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر بن خزيمة، وأبي عباس بن سريج، وأبي بكر بن المنذر، وأبي جفر الطحاوي، وأبي بكر الخلال.
[١] ثم من بعد هذا النمط تناقص الاجتهاد، ووضعت المختصرات، وأخلد الفقهاء إلى التقليد، من غير نظر في الأعلم، بل بحسب الاتفاق، والتشهي، والتعظيم، والعادة، والبلد. فلو أراد الطالب اليوم أن يتمذهب في المغرب لأبي حنيفة، لعسر عليه، كما لو أراد أن يتمذهب لابن حنبل ببخارى، وسمرقند، لصعب عليه، فلا يجيء منه حنبلي، ولا من المغربي حنفي، ولا من الهندي مالكي، وبكل حال: فإلى فقه مالك المنتهى. فعامة آرائه مسددة، ولو لم يكن له إلا حسم مادة الجيل، ومراعاة المقاصد، لكفاه. ومذهبه قد ملأ المغرب، والأندلس، وكثيراً من بلاد مصر، وبعض الشام، واليمن، والسودان، وبالبصرة، وبغداد والكوفة، وبعض خراسان، وكذلك اشتهر مذهب الأوزاعي مدة، وتلاشى أصحابه، وتفانوا. وكذلك مذهب سفيان وغيره ممن سمينا، ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة. وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلاً عن أن يكون مجتهداً.
[٢] وانقطع أتباع أبي ثور بعد الثلاث مئة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقي مذهب ابن جرير إلى ما بعد الأربع مئة.
620
[١] وللزيدية مذهب في الفروع بالحجاز وباليمن، لكنه معدود في أقوال أهل
البدع، كالإمامية، ولا بأس بمذهب داود، وفيه أقوال حسنة، ومتابعة للنصوص،
مع أن جماعة من العلماء لا يعتدون بخلافه، وله شذوذ في مسائل شانت مذهبه.
ولكن هذا الإمام الذي هو النجم الهادي قد أنصف، وقال قولاً فصلاً، حيث
يقول: كل أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا صاحب هذا القبر ﷺ.
[٢] ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقهاً، وسعة علم، وحسن قصد فلا يسعه
الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله، لأنه قد تبرهن له مذهب الغير في مسائل،
ولاح له الدليل، وقامت عليه الحجة، فلا يقلد فيها إمامه، بل يعمل بما تبرهن،
ويقلد الإمام الآخر بالبرهان، لا بالتشهي والغرض، لكنه لا يفتي العامة إلا بمذهب
إمامه، أو ليصمت فيما خفي عليه دليله.
وذكر أحمد بن حنبل مالكاً، فقدمه على الأوزاعي، والثوري، والليث، وحماد
والحكم، في العلم. وقال: هو إمام في الحديث، وفي الفقه.
وقال أسد بن الفرات: إذا أردت الله والدار الآخرة فعليك بمالك.
وقد ذكره أبو عمرو الداني في «طبقات القراء». وأنه تلا على نافع ابن أبي نعيم.
[٣] المفضل الجندي، سمعت أبا مصعب، سمعت مالكاً، يقول: ما أفتيت حتى
شهد لي سبعون أني أهل لذلك.
[٤] ثم قال أبو مصعب: كان مالك لا يحدث إلا وهو على طهارة إجلالاً للحديث.
[٥] قيل لمالك: ما تقول في طلب العلم؟ قال: حسن جميل، لكن انظر الذي
يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي، فالزمه.
[٦] عن ابن وهب: سئل مالك عن الداعي يقول: يا سيدي. فقال: يعجبني دعاء
الأنبياء: ربنا، ربنا.
[٧] نعيم بن حماد، سمعت ابن المبارك يقول: ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك،
ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة.
621
[١] قلت: ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به الله.
[٢] عبد الله بن عبد الحكم، سمعت مالكاً يقول: شاورني هارون الرشيد في ثلاثة: في أن يُعلّق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، وفي أن ينقض منبر رسول الله ﷺ ويجعله من ذهب وفضة وجوهر، وفي أن يُقدّم نافعاً إماماً في مسجد النبي ﷺ. فقلت: أما تعليق «الموطأ» فإن الصحابة اختلفوا في الفروع، وتفرقوا، وكل عند نفسه مصيب. وأما نقض المنبر، فلا أرى أن يُحرَم الناس أثر رسول الله ﷺ. وأما تقدمك نافعاً فإنه إمام في القراءة، لا يؤمن أن تبذر منه بادرة في المحراب، فتحفظ عليه. فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله.
هذا إسناد حسن، لكن لعل الراوي وهم في قوله: هارون، لأن نافعاً قبل خلافة هارون مات.
من قول مالك في السنة
[٣] مطرّف بن عبد الله، سمعت مالكاً يقول: سن رسول الله ﷺ، وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها، فهو مهتد، ومن استنصر بها، فهو منصور، ومن تركها، اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
[٤] قال مالك: أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله؟!
[٥] أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: إني على بينة من ديني، وأما أنت، فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.
[٦] جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك، فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]. كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء
622
ما وَجَدَ من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكثُ بعود في يده، حتى علاه الرحضاء (١)، ثم رفع رأسه، ورمى بالعود، وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج.
[١] قال مالك: لا يُستتاب من سب النبي ﷺ، من الكفار والمسلمين. [٢] قال ابن القاسم: سألت مالكاً عمّن حدث بالحديث: الذين قالوا: «إن الله خلق آدم على صورته». والحديث الذي جاء: «إن الله يكشف عن ساقه» (وأنه يُدخل يده في جهنم حتى يُخرج من أراد). فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً، ونهى أن يُحدث بها أحد، فقيل له: إن ناساً من أهل العلم يتحدثون به، فقال: من هو؟ قيل: ابن عجلان عن أبي الزناد، قال: لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالماً.
[٣] قلت: أنكر الإمام ذلك، لأنه لم يثبت عنده، ولا اتصل به، فهو معذور، كما أن صاحبي «الصحيحين» معذوران في إخراج ذلك - أعني الحديث الأول والثاني - لثبوت سندهما، وأما الحديث الثالث، فلا أعرفه بهذا اللفظ، فقولنا في ذلك وبابه: الإقرار، والإمرار، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم.
[٤] قال ابن القاسم: سألت مالكاً عن علي وعثمان. فقال: ما أدركت أحداً ممن اقتدي به إلا وهو يرى الكف عنهما، قال ابن القاسم: يريد التفضيل بينهما فقلت: فأبو بكر وعمر؟ فقال: ليس فيهما إشكال، إنهما أفضل من غيرهما.
[٥] وعن مالك قال: الجدال في الدين ينشئ المرأة، ويذهب بنور العلم من القلب ويقسي، ويؤرث الضغن.
[٦] ابن وهب: سمعت مالكاً يقول حق على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، والعلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله تعالى، فلا تمكن
(١) الرحضاء: العرق إثر الحمى، أو عرق يغسل الجلد كثرة.
623
الناس من نفسك، فإن من سعادة المرء أن يُوفَّق للخير، وإن من شقوة المرء أن لا يزال يُخطئ، وذُلُّ وإهانة للعلم أن يتكلم الرجل بالعلم عند من لا يطيعه.
[١] القعنبي: سمعت مالكاً يقول: كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه.
[٢] قال مخلد بن خداش: سألت مالكاً عن الشطرنج. فقال: أحق هو؟ فقلت: لا. قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢].
[٣] عن مالك قال: إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه، ذهب بهاؤه.
[٤] قال ابن وهب: قيل لأخت مالك: ما كان شغل مالك في بيته؟ قالت: المصحف، التلاوة.
[٥] قال أبو مصعب: كانوا يزدحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزحام. وكنا إذا كنا عنده لا يلتفت ذا إلى ذا، قائلون برؤسهم هكذا. وكانت السلاطين تهابه، وكان يقول: لا، ونعم. ولا يقال له: من أين قلت ذا؟
[٦] قيل لمالك: إنك تدخل على السلطان، وهم يظلمون، ويجورون، فقال: يرحمك الله، فأين المكلّم بالحق.
[٧] ابن عبدالحكم: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالكاً: قلت: على الإنصاف؟ قال: نعم. قلت: أنشدك الله، من أعلم بالقرآن؟ قال: صاحبكم. قلت: من أعلم بالسنة؟ قال: صاحبكم. قلت: فمن أعلم بأقوال الصحابة والمتقدمين؟ قال: صاحبكم. قلت: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فمن لم يعرف الأصول، على أي شيء يقيس؟
[٨] قلت: وعلى الإنصاف، لو قال قائل: بل هما سواء في علم الكتاب، والأول، أعلم بالقياس، والثاني: أعلم بالسنة، وعنده علم جم من أقوال كثير من الصحابة، كما أن الأول أعلم بأقوال علي، وابن مسعود وطائفة ممن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ. فرضي الله عن الإمامين، فقد صرنا في وقت لا يقدر الشخص على
624
النطق بالإنصاف، نسأل الله السلامة.
كان خاتم مالك، الذي مات وهو في يده، فُصِّهَ أسودُ حجري، ونقشه: حسبي
الله ونعم الوكيل. وكان يلبسه في يساره، وربما لبسه في يمينه.
[١] وقال ابن وهب: ما نقلنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه.
[٢] وعن مالك قال: ما جالستُ سفيهاً قط.
قال أبو العباس السراج: سمعت البخاري يقول: أصح الأسانيد: مالك، عن
نافع، عن ابن عمر.
قال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» هذا كتبه من حفظي، وغاب عني
أصلي: إن عبدالله العمري العابد كتب إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل.
فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في
الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم،
وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح
لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر.
وفاة مالك
قال القعني: سمعتهم يقولون: عمر مالك تسع وثمانون سنة، مات سنة تسع
وسبعين ومئة.
[٤] قال إسماعيل بن أبي أويس: مرض مالك، فسألت بعض أهلنا عما قال عند
الموت، قالوا: تشهد، ثم قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم ٤] وتوفي.
[٥] ونقل القاضي عياض أن أسد بن موسى قال: رأيت مالكاً بعد موته، وعليه
طويلة، وثياب خضر وهو على ناقة، يطير بين السماء والأرض. فقلت: يا أبا
عبدالله، أليس قد مت؟ قال: بلى. فقلت: فالإم صرت؟ فقال: قدمت على ربي
وكلمني كفاحاً (١) وقال: سلني أعطك، وتمن علي أرضك.
(١) أي: مواجهة وبدون واسطة.
625
قُلْتُ: وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ اتِّفَاقًا، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ يُزَارُ، رَحِمَهُ اللهُ.
[١] وَيُقَالُ: إِنَّهُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا، رَأَى رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَائِلًا يُنْشِدُ:
لَقَدْ أَصْبَحَ الْإِسْلَامُ زُغْزِعَ رُكْنُهُ غَدَاةَ ثَوَى الْهَادِي لَدَى مَلْحَدِ الْقَبْرِ
إِمَامَ الْهُدَى مَا زَالَ لِلْعِلْمِ صَائِنًا عَلَيْهِ سَلَامُ اللهِ فِي آخِرِ الدَّهْرِ
قَالَ: فَانْتَبَهْتُ، فَإِذَا الصَّارِخَةُ عَلَى مَالِكٍ.
[٢] وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: بَيْعٌ مَا فِي مَنْزِلٍ خَالِي مَالِكٍ مِنْ بُسْطٍ، وَمِنْصَّاتٍ، وَمَخَادٍّ،
وَغَيْرِ ذَلِكَ، بِمَا يُنِيفُ عَلَى خَمْسِ مِئَةِ دِينَارٍ.
[٣] وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ خَلَفٍ: خَلَفَ مَالِكٌ خَمْسَ مِئَةِ زَوْجٍ مِنَ النِّعَالِ، وَلَقَدِ
اشْتَهَى يَوْمًا كِسَاءً قِصِيًّا، فَمَا مَاتَ إِلَّا وَعِنْدَهُ مِنْهَا سَبْعَةٌ، بُعِثْتُ إِلَيْهِ.
[٤] قَالَ أَبُو عَمْرٍو: تَرَكَ مِنَ النَّاضِ (١) أَلْفَيْ دِينَارٍ وَسِتَّ مِئَةِ دِينَارٍ، وَسَبْعَةً وَعِشْرِينَ
دِينَارًا، وَمِنَ الدَّرَاهِمِ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
[٥] قُلْتُ: قَدْ كَانَ هَذَا الْإِمَامُ مِنَ الْكُبَرَاءِ السُّعَدَاءِ، وَالسَّادَةِ الْعُلَمَاءِ، ذَا حَشْمَةٍ
وَتَجَمُّلٍ، وَعَبِيدٍ، وَدَارٍ فَاخِرَةٍ، وَنِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَرَفْعَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَانَ يَقْبَلُ
الْهَدِيَّةَ، وَيَأْكُلُ طِيبًا وَيَعْمَلُ صَالِحًا.
(١) النَّاضُ: النَّقْدُ مِنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. (٢) انْظُرِ السَّيْرَ: ٨/١٣٦-١٦٣.
626