تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨٩٣ الشيخ عبد القادر (١)

الصفحات 1445–1448 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 6 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨٩٣ الشيخ عبد القادر (١)

[١] الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة، شيخ الإسلام، علم الأولياء، محي الدين، أبو محمد، عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجيلي الحنبلي، شيخ بغداد.

مولده بجيلان (٢) في سنة إحدى وسبعين وأربع مئة.

قال السمعاني: كان عبد القادر - من أهل جيلان - إمام الحنابلة وشيخهم، في عصره، فقيه صالح دين خير، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة، وكان يسكن بباب الأرج في مدرسة بنيت له، مضينا لزيارته فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فالقى درساً ما فهمت منه شيئاً، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلهم فهموا لإلفهم بكلامه وعباراته.

[٢] محمد بن محمود المراثي، سمعت الشيخ أبا بكر العماد رحمه الله يقول: كنت قرأت في أصول الدين، فأوقع عندي شكاً، فقلت: حتى أمضي إلى مجلس الشيخ عبد القادر، فقد ذكر أنه يتكلم على الخواطر، فمضيت وهو يتكلم، فقال: اعتقادنا اعتقاد السلف الصالح والصحابة. فقلت في نفسي: هذا قاله اتفاقاً، فتكلم ثم التفت إلى ناحيتي فأعاده، فقلت: الواعظ قد يلتفت، فالتفت إلي ثالثة، وقال: يا أبا بكر، فأعاد القول: ثم قال: قم قد جاء أبوك. وكان غائباً، فقامت

(١) انظر السير: ٢٠/٤٣٩-٤٥١ (٢) وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان، ويقال لها: كيل وكيلان، والنسبة إليها جيلي وجيلاني وكيلاني.

1445

مبادراً، وإذا أبي قد جاء.

[١] جمال الدين يحيى بن الصيرفي، سمعت أبا البقاء النحوي قال: حضرت مجلس الشيخ عبد القادر، فقرؤوا بين يديه بالألحان، فقلت في نفسي: ترى لأي شيء ما ينكر الشيخ هذا؟ فقال: يجيء واحد قد قرأ أبواباً من الفقه ينكر. فقلت في نفسي: لعل أنه قصد غيري، فقال: إياك نعني بالقول، فثبت في نفسي من اعتراضي، فقال: قد قبل الله توبتك.

[٢] وسمعت الإمام أبا العباس أحمد بن عبد الحليم، سمعت الشيخ عز الدين الفاروثي، سمعت شيخنا شهاب الدين السهروردي يقول: عزمت على الاشتغال بأصول الدين، فقلت في نفسي: أستشير الشيخ عبد القادر فأتيته، فقال قبل أن أنطق: يا عمر، ما هو من عدة القبر، يا عمر ما هو من عدة القبر.

[٣] قال ابن النجار: قرأت بخط أبي بكر عبد الله بن نصر بن حمزة التيمي، سمعت الشيخ عبد القادر يقول: بلغت بي الضائقة في الغلاء إلى أن بقيت أياماً لا آكل طعاماً، بل اتبع المنبوذات، فخرجت يوماً إلى الشط، فوجدت قد سبقني الفقراء، فضعفت، وعجزت عن التماسك، فدخلت مسجداً، وقعدت، وكدت أصافح الموت، ودخل شاب أعجمي ومعه خبز وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع لقمة أفتح فمي، فالتفت فرأني، فقال: باسم الله، فأبيت، فأقسم علي، فأكلت مقصراً، وأخذ يسألني، ما شغلك، ومن أين أنت؟ فقلت: متفقه من جيلان، قال: وأنا من جيلان، فهل تعرف لي شاباً جيلانياً اسمه عبد القادر. يعرف بسبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد؟ فقلت: أنا هو. فاضطرب لذلك، وتغير وجهه، وقال: والله يا أخي، لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية نفقة لي، فسألت عنك، فلم يرشدني أحد إلى أن نفدت نفقتي، وبقيت بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا من مالك، فلما كان هذا اليوم الرابع قلت: قد تجاوزتني ثلاثة أيام، وحلت الميتة، فأخذت من وديعتك ثمن هذا الخبز والشواء، فكل طيباً، فإنما هو لك، وأنا ضيفك

1446

الآن. فقلت: وما ذلك؟ قال: أمك وجهت معي ثمانية دنانير، والله ما خنتك فيها إلى اليوم، فسكنته، وطيبت نفسه، ودفعت إليه شيئاً منها.

[١] قال ابن النجار: كتب إلي عبد الله بن أبي الحسن الجبائي قال: قال لي الشيخ عبد القادر: كنت في الصحراء أكرّر في الفقه وأنا في فاقة، فقال لي قائل لم أر شخصه: اقترض ما تستعين به على طلب الفقه، فقلت: كيف اقترض وأنا فقير ولا وفاء لي؟ قال: اقترض وعلينا الوفاء، فأتيت بقالا، فقلت: تعاملني بشرط إذا سهل الله أعطيتك، وإن مت تجعلني في حل، تعطيني كل يوم رغيفا ورشاداً، فبكى وقال: أنا بحكمك، فأخذت منه مدة، فضاق صدري، فأظن أنه قال: فقيل لي: امض إلى موضع كذا، فأتي شيء رأيت على الدكة فخذه وادفعه إلى البقال. فلما جئت رأيت قطعة ذهب كبيرة فأعطيتها البقلي.

[٢] قال الجبائي: وقال لي الشيخ عبد القادر: كنت أومر وأنهى في النوم واليقظة، وكان يغلب علي الكلام، ويزدحم على قلبي إن لم أتكلم به حتى أكاد أختنق، ولا أقدر أسكت، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة، ثم تسامع الناس بي، وازدحم علي الخلق، حتى صار يحضر مجلسي نحو من سبعين ألفاً، وقال: فتشنت الأعمال كلها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع، كفي مثقوبة لا تضبط شيئاً، لو جاءني ألف دينار لم أبيتها.

[٣] وقال لي: أتمنى أن أكون في الصحارى والبراري كما كنت في الأول لا أرى الخلق ولا يروني، ثم قال: أراد الله مني منفعة الخلق فقد أسلم على يدي أكثر من خمس مئة، وتاب على يدي أكثر من مئة ألف، وهذا خير كثير.

[٤] وترد علي الأثقال التي لو وضعت على الجبال تفسخت فأضع جنبي على الأرض، وأقول: إن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً، ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني.

[٥] وقال: إذا ولد لي ولد أخذته على يدي، وأقول: هذا ميت، فأخرجه من قلبي، فإذا مات لم يؤثر عندي موته شيئاً.

1447

[١] قال الجبائي: كنتُ أسمع في «الحِلْيَةِ» على ابن ناصر، فرق قلبي، وقلت: اشتهيتُ لو انقطعتُ، وأشتغلُ بالعبادة، ومضيتُ فصليتُ خلفَ الشيخ عبد القادر، فلما جلسنا، نظر إلي، وقال: إذا أردت الانقطاع، فلا تنقطع حتى تتفقه وتُجالس الشيوخ وتتأدب، وإلا فتنقطع وأنت فربح ما ريشت.

[٢] وعن أبي الشَّاء النهر ملكي قال: تحدثنا أن الذباب ما يقع على الشيخ عبد القادر، فأتيته، فالتفت إلي، وقال: إيش يعمل عندي الذباب، لا دبس الدنيا، ولا غسل الآخرة.

[٣] قال أحمد بن ظفر بن هبيرة: سألتُ جدّي أن أزور الشيخ عبد القادر، فأعطاني مبلغاً من الذهب لأعطيه، فلما نزل عن المنبر سلمتُ عليه وتحرّجتُ من دفع الذهب إليه في ذلك الجمع، فقال: هات ما معك ولا عليك من الناس، وسلّم على الوزير.

قال صاحب «مرآة الزمان»: كان سكوتُ الشيخ عبد القادر أكثر من كلامه، وكان يتكلم على الخواطر، وظهر له صيتٌ عظيم وقبولٌ تام، وما كان يخرج من مدرسته إلا يوم الجمعة أو إلى الرباط، وتاب على يده معظم أهل بغداد، وأسلم خلق، وكان يصدّع بالحق على المنبر وكان له كرامات ظاهرة.

قلت: ليس في كبار المشايخ من له أحوال وكرامات أكثر من الشيخ عبد القادر، لكن كثيراً منها لا يصح، وفي بعض ذلك أشياء مستحيلة.

[٤] قال الجبائي: كان الشيخ عبد القادر يقول: الخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك.

عاش الشيخ عبد القادر تسعين سنة، وانتقل إلى الله سنة إحدى وستين وخمس مئة، وشيعه خلق لا يحصون، ودفن بمدرسته رحمه الله تعالى.

وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مأخذ في بعض أقواله ودعاويه، والله الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه.

1448

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080