نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٨٨ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٨٨ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ (١)
[١] ابْنُ عَلَوِيٍّ، سُلْطَانُ الْمَغْرِبِ الَّذِي يُلَقَّبُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الْكُوفِيُّ الْقِيسِيُّ، الْمَغْرِبِيُّ.
مَوْلِدُهُ بِأَعْمَالِ تِلْمِسَانَ، وَكَانَ أَبُوهُ يَصْنَعُ الْفَخَّارَ.
وَكَانَ الْخُطَبَاءُ إِذَا دَعَوْا لَهُ بَعْدَ ابْنِ تُوْمِرْتِ، قَالُوا: قَسِيمُهُ فِي النَّسَبِ الْكَرِيمِ. مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِ مِئَةٍ.
وَقَالَ «الْمُعْجَبُ» عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَرْأَكُشِيُّ: اسْتَدْعَى ابْنُ تُوْمِرْتِ قَبْلَ مَوْتِهِ الرِّجَالَ الْمُسَمَّيْنَ بِالْجَمَاعَةِ وَأَهْلَ الْخَمْسِينَ، وَالثَّلَاثَةَ عُمَرَ أَرْتَاجَ، وَعُمَرَ إِنْتِي، وَعَبْدَ اللَّهِ ابْنَ سُلَيْمَانَ، فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - مَنْ عَلَيْكُمْ أَيَّتُهَا الطَّائِفَةُ بِتَأْيِيدِهِ، وَخَصَّكُمْ بِحَقِيقَةِ تَوْحِيدِهِ، وَقِيضَ لَكُمْ مِنْ أَلْفَاكُمْ ضَلَالًا لَا تَهْتَدُونَ وَعُمْيًا لَا تَبْصُرُونَ، قَدْ فَشَتْ فِيكُمُ الْبِدَعُ، وَاسْتَهْوَتْكُمُ الْأَبَاطِيلُ فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَنَصَرَكُمْ، وَجَمَعَكُمْ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَرَفَعَ عَنْكُمْ سُلْطَانَ هَؤُلَاءِ الْمَارِقِينَ، وَسَيُورِثُكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، ذَلِكَ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ، فَجَدَّدُوا لِلَّهِ خَالِصَ نِيَّاتِكُمْ، وَأَرْوَهُ مِنَ الشُّكْرِ قَوْلًا وَفِعْلًا مِمَّا يُزَكِّي بِهِ سَعْيَكُمْ، وَاحْذَرُوا الْفُرْقَةَ، وَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى
(١) انظر السير: ٢٠/٣٦٦-٣٧٥
1434
عدوكم فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم، وإن لا تفعلوا شملكم الذل، واحتقرتكم العامة، وعليكم بمزج الرأفة بالغلظة واللين بالعنف، وقد اخترنا لكم رجلاً منكم، وجعلناه أميراً بعد أن بلوناه، فرأيناه ثبناً في دينه متبصراً في أمره، وهو هذا - وأشار إلى عبد المؤمن - فاستمعوا له وأطيعوا ما أطاع ربه، فإن بذل ففي الموحدين بركة وخير، والأمر أمر الله يقلده من يشاء فبايع القوم عبد المؤمن، ودعا لهم ابن تومرت.
وقال ابن خلكان: ما استخلفه بل أشار به. قال: فأول ما أخذ من البلاد هوران، ثم تلمسان، ثم فاس، ثم سلا، ثم سبته، ثم حاصر مراكش أحد عشر شهراً، فأخذها في سنة اثنين وأربعين وخمس مئة، وامتد ملكه، وافتتح كثيراً من الأندلس، وقصدته الشعراء ولما قال فيه التيفاشي قصيدته:
ما هز عطفه بين البيض والأسل مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي أشار إليه أن يقتصر على هذا المطلع، وأمر له بألف دينار. وانقطعت الدعوة العباسية بموت أمير المسلمين علي بن تاشفين وولده تاشفين، وكانت دولة تاشفين ثلاث سنين.
قال ابن الجوزي في «المرأة»: استولى عبد المؤمن على مراكش فقتل المقاتلة، وكف عن الرعية، وأحضر اليهود والنصارى وقال: إن المهدي أمرني أن لا أقر الناس إلا على ملة الإسلام، وأنا مخيركم بين ثلاث، إما أن تسلموا، وإما أن تلحقوا بدار الحرب، وإما القتل فأسلم طائفة ولحقت أخرى بدار الحرب، وخرب كنائسهم، وعملها مساجد وألغى الجزية، فعل ذلك في جميع مدائنه، وأنفق بيوت الأموال وصلّى فيها اقتداءً بعلي، وليري الناس أنه لا يكنز المال، وأقام كثيراً من معالم الإسلام مع سياسة كاملة.
ونادى: من ترك الصلاة ثلاثاً فاقتلوه، وأزال المنكر، وكان يوم بالناس، ويتلو في اليوم سبعاً، ويلبس الصوف الفاخر، ويصوم الاثنين والخميس، ويقسم الفيء
1435
بالشرع فأحبوه.
قال عزيز في كتاب «الجمع»: كان عبد المؤمن يأخذ الحق إذا وجب على ولده، ولم يدع مشركاً في بلاده لا يهودياً ولا نصرانياً فجميع رعيته مسلمون.
وكان عبد المؤمن مؤثراً لأهل العلم، محباً لهم، ويُجزل صلاتهم وسُميت المصامدة بالمُؤحدين لأجل خوض المهدي بهم في علم الاعتقاد والكلام.
وكان عبد المؤمن رزيناً وقوراً، كامل السؤدد، سرياً، عالي الهمة، خليقاً للإمارة، واختلت أحوال الأندلس، وتخاذل المرابطون وآثروا الراحة، واجترأ عليهم الفرنج، وانفرد كل قائد بمدينة وهاجت عليهم الفرنج، وطمعوا، فجهز عبد المؤمن عمر إينتي فدخل إلى الأندلس، فأخذ الجزيرة الخضراء، ثم رندة، ثم إشبيلية وقرطبة وغرناطة، ثم سار عبد المؤمن بجيوشه، وعدى البحر من زقاق سبتة، فنزل جبل طارق، وسماه جبل الفتح، فأقام أشهراً، وبنى هناك قصوراً ومدينة، ووفد إليه
كبراء الأندلس، وقام بعض الشعراء منشداً:
ما للعدى جنة أوفى من الهرب أين المفر وخيل الله في الطلب وأين يذهب من في رأس شاهقة وقد رمته سهام الله بالشهب حدث عن الروم في أقطار أندلس والبحر قد ملأ البرين بالعرب فأعجب بها عبد المؤمن، وقال: بمثل هذا يمدح الخلفاء، ثم أمر على إشبيلية ولده يوسف، وعلى قرطبة أبا حفص عمر إينتي، وعلى غرناطة عثمان ولده، وقرر بالأندلس جيشاً كثيفاً من المصامدة والعرب وقبائل بني هلال، وكان قد حاربهم مدة، وظفر بهم، وأذلهم، ثم كاتبهم ولاطفهم، فخدموا معه، وخلع عليهم، وكان دخوله إلى الأندلس في سنة ثمان وأربعين.
قال عبد الواحد المراكشي: حدثني غير واحد أن عبد المؤمن لما نزل سلا - وهي على البحر المحيط ينصب إليها نهر عظيم ويمر في البحر - عبر النهر، وضربت له خيمة، وجعلت جيوشه تعبر قبيلة قبيلة فخر ساجداً، ثم رفع وقد بل
1436
الدَّمْعُ لَحِيَتَهُ، فَقَالَ: أَعْرِفُ ثَلَاثَةَ وَرَدُّوا هَذِهِ الْمَدِينَةَ، لَا شَيْءَ لَهُمْ إِلَّا رَغِيفٌ وَاحِدٌ، فَرَامُو عُبُورِ هَذَا النَّهْرِ، فَبَذَلُوا الرَّغِيفَ لِصَاحِبِ الْقَارِبِ عَلَى أَنْ يُعَدِّيَ بِهِمْ، فَقَالَ: لَا آخِذَهُ إِلَّا عَنِ اثْنَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ وَكَانَ شَابًّا: تَأْخُذُ ثِيَابِي وَأَنَا أَسْبَحُ، فَفَعَلَ، فَكَانَ الشَّابُّ كُلَّمَا أَعْيَا، دَنَا مِنَ الْقَارِبِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ يَسْتَرِيحُ، فَيَضْرِبُهُ بِالْمَجْدَافِ فَمَا عَدَّى إِلَّا بَعْدَ جُهْدٍ. فَمَا شَكَّ السَّامِعُونَ أَنَّهُ هُوَ السَّابِحُ، وَالْآخِرَانِ ابْنُ تُوْمِرْتِ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ الشَّرْقِيُّ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: نَازَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْمَهْدِيَّةَ، فَبَرَزَ شَجْعَانُ الْفِرَنْجِ، فَنَالُوا مِنْ عَسْكَرِهِ، فَأَمَرَ بِنَاءَ سُوَرٍ عَلَيْهِمْ، وَصَابَرَهُمْ وَأَخَذَ سَفَاقِسَ وَطَرَابِلِسَ وَقَابِسَ، وَجَرَتْ أُمُورٌ وَحُرُوبٌ يَطُولُ شَرْحُهَا، وَجَهَّزَ مِنْ افْتِتَحِ تَوَزُّرٍ وَبِلَادِ الْجَرِيدِ وَطَرَدَ عَنْهَا الْفِرَنْجَ، وَطَهَّرَ إِفْرِيقِيَّةَ مِنَ الْكُفْرِ، وَتَكَمَّلَ لَهُ مَلِكُ الْمَغْرِبِ مِنْ طَرَابِلِسَ إِلَى السُّوسِ الْأَقْصَى وَأَكْثَرَ مَمْلَكَةَ الْأَنْدَلُسِ، وَلَوْ قَصَدَ مِصْرَ لَأَخَذَهَا، وَلَمَّا صَعُبَتْ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ أَمْرَ الْجَيْشِ بِالْجِهَازِ لِجِهَادِ الرُّومِ وَاسْتَنْفَرَ النَّاسَ عَامًّا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بَسَلًا، فَمَرِضَ، وَجَاءَهُ الْأَجَلُ بِهَا فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَارْتَجَّتِ الْمَغْرِبُ لِمَوْتِهِ وَكَانَ قَدْ جَعَلَ وَلِيَّ عَهْدِهِ ابْنَهُ مُحَمَّدًا، وَكَانَ لَا يَصْلُحُ لَطِيشَهُ وَجُذَامٌ بِهِ وَلِشَرَبِهِ الْخَمْرَ، فَتَمَلَّكُ أَيَّامًا، وَخَلَعُوهُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَوَلِّيَةِ أَخِيهِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَبَقِيَ فِي الْمَلِكِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَخَلَفَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ سَنَةَ عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا.
قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ «الْجَمْعِ»: وَقَفَتْ عَلَى كِتَابٍ كَتَبَهُ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بَعْضُ كِتَابِهِ: مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمَعْصُومِ الرَّضِيِّ الزَّكِيِّ، الَّذِي بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّ الْعَرَبِيُّ، الْقَامِعُ لِكُلِّ مُجَسَّمٍ غَوِيٍّ، النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلِيِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ.
1437