نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٩٧ ابن عساكر (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٩٧ ابن عساكر (١)
[١] الإمام العلامة الحافظ المجدّد، محدّث الشام، ثقة الدين أبو القاسم الدمشقي الشافعي، صاحب «تاريخ دمشق».
وكان فهماً حافظاً متقناً ذكياً، لا يلحق شأوه، ولا يشق غباره ولا كان له نظير في زمانه.
قال ابنه القاسم: واشتهر اسمه في الأرض، وصنف وجمع فأحسن، قال: فمن ذلك «تاريخه» في ثمان مئة جزء - قلت: الجزء عشرون ورقة، فيكون ستة عشر ألف ورقة، «وتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري».
(١) انظر السير: ٢٠/٥٥٤-٥٧١
1455
[١] قال: وكان مواظباً على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية وكان كثير النوافل والأذكار، يحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والتسبيح، ويحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة، قال لي: لما حملت بي أمي، رأت في منامها قائلاً يقول: تلدين غلاماً يكون له شأن، وحدثني أن أباه رأى رؤيا معناه يولد لك ولد يحيي الله به السنة.
[٢] وقال لي أبو العلاء يوماً: أي شيء فتح له، وكيف ترى الناس له؛ قلت: هو بعيد من هذا كله، لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتصنيف والتسميع حتى في نزهه وخلواته، فقال: الحمد لله، هذا ثمرة العلم، ألا إننا قد حصل لنا هذه الدار والكتب والمسجد، هذا يدل على قلة حظوظ أهل العلم في بلادكم، ثم قال لي: ما كان يسمى أبو القاسم ببغداد إلا شعلة نار من توقده وذكائه وحسن إدراكه.
[٣] وروى زين الأمانة، حدثنا ابن القزويني عن والده مدرس النظامية قال: حكى لنا الفراوي قال: قدم علينا ابن عساكر، فقرأ علي في ثلاثة أيام فأكثر، فأضجرني، وآليت أن أغلق بابي، وأمتنع، جرى هذا الخاطر لي بالليل، فقدم من الغد شخص، فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليك، رأيته في النوم، فقال: امض إلى الفراوي، وقل له: إن قدم بلدكم رجل من أهل الشام أسمر يطلب حديثي، فلا يأخذك منه ضجر ولا ملل، قال: فما كان الفراوي يقوم حتى يقوم الحافظ أولاً. [٤] قال أبو المواهب: وأنا كنت أذكره في خلواته عن الحفاظ الذين لقيهم. فقال: أما ببغداد، فأبو عامر العبدري، وأما بأصبهان، فأبو نصر اليوناني، لكن إسماعيل الحافظ كان أشهر منه، فقلت له: فعلى هذا ما رأى سيدنا مثل نفسه. فقال: لا تقل هذا، قال الله تعالى ﴿فَلَا تَرْكُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم ٣٢] قلت: فقد قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١] فقال: نعم لو قال قائل: إن عيني لم تر مثلي لصدق.
1456
[١] قال أبو المواهب: وأنا أقول: لم أر مثله ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة من لزوم الجماعة في الخمس في الصف الأول إلا من عذر، والاعتكاف في رمضان وعشر ذي الحجة وعدم التطلع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه، وقلة التفاته إلى الأمراء، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، قال لي: لما عزمت على التحديث والله المطلع أنه ما حملني على ذلك حب الرئاسة والتقدم، بل قلت: متى أروي كل ما قد سمعته، وأي فائدة في كوني أخلفه بعدي صحائف؟ فاستخرت الله، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد، وطفت عليهم، فكل قال: ومن أحق بهذا منك؟ فشرعت في ذلك سنة ثلاث وثلاثين.
[٢] قال ابن النجار: قرأت بخط معمر بن الفاخر في «معجمه» أخبرني أبو القاسم الحافظ إملاء بمنى وكان من أحفظ من رأيت وكان شيخنا إسماعيل بن محمد الإمام يفضله على جميع من لقيناهم، قدم أصبهان ونزل في داري، وما رأيت شاباً أحفظ ولا أوزع ولا أتقن منه وكان فقيهاً أديباً سنياً، سألته عن تأخره عن الرحلة إلى أصبهان قال: استأذنت أمي في الرحلة إليها، فما أذنت.
[٣] وله:
أيا نفس ويحك جاء المشيب فما ذا التصابي وماذا الغزل تولي شبابي كأن لم يكن وجاء مشيبي كأن لم يزل كأني بنفسي على غرة وخطب المنون بها قد نزل فيا ليت شعري ممن أكون وما قدر الله لي في الأزل توفي سنة إحدى وسبعين وخمس مئة، وحضره السلطان صلاح الدين.
1457