تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

حياء المرأة

المبحث الأول: معنى الحياء والأقوال المأثورة في شأنه

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 13-48 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 21 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابحياء المرأة

المبحث الأول: معنى الحياء والأقوال المأثورة في شأنه

وبعض أحوال أهل الحياء

قد كثر الحديث عن الحياء في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام السلف الأول وسائر العرب كثرة لافتة للنظر؛ إذ الشيء إذا كثر الحديث عنه فإن ذلك دلالة على أهميته، وقبل أن أسوق جملة من تلك الأقوال أُعرج على معنى الحياء.

معنى الحياء لغة:

تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُعاب به.

وقيل في تعريف الحياء:

هو انقباض النفس عن شيء حذراً من الملام.$^{(١)}$

(١) "التوقيف على مهمات التعاريف": ١٥٠، نقلاً عن "الحياء في الفكر الإسلامي المعاصر": ١٦.

وهو أيضاً: الاحتشام. (١)

ومن الكلمات المرادفة للحياء: الحَفَر، وقيل هو شدة الحياء.

وامرأة خَفِرَة، ورجل خَفِر. (٢)

ومن الكلمات المرادفة له -أيضاً-: الخجل، وقيل إن الفرق بينه وبين الحياء أن الخجل إنما هو في الأمر الذي كان، والحياء من الأمر الذي سيكون، وقد يستعمل الحياء موضع الخجل توسعاً.

وقيل: الخجل هو الانقطاع في الكلام. (٣)

ومن الكلمات المضادة للحياء:

— الوقاحة، والقَحَة، والقِحَة، وهي: قلة الحياء، والجرأة على القبائح، وعدم المبالاة بها.

(١) "المعجم الوسيط": ح ي ي.

(٢) "تاج العروس من جواهر القاموس": خ ف ر.

(٣) "الموسوعة الفقهية": ١٨/٢٦٠.

ومن الكلمات المضادة للحياء -أيضاً-:

— الصفاقة، ووجه صفيق أي وَقَحَ$^{(١)}$.

معنى الحياء اصطلاحاً:

خلق حميد يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.$^{(٢)}$

وقال الراغب:

"الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقاً، وقلما يكون الشجاع مُستحيّاً"$^{(٣)}$.

(١) "تاج العروس": ص ف ق.

(٢) "التوقيف على مهمات التعاريف": ١٥٠، نقلاً عن "الحياء في الفكر الإسلامي المعاصر": ١٦.

(٣) "فتح الباري": ١٣٧/١.

وأما ما كان عليه النبي ﷺ من اجتماع كمال الشجاعة مع كمال الحياء فهو من عناية الله تعالى به ومن كمال خلقه ﷺ.

وقيل إن الحياء هو: ألا يفتقدك الله حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك.

— والحياء هو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح وعدم المبالاة بها، والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً$^{(١)}$.

وقال أبو حاتم البستي رحمه الله تعالى:

الحياء اسم يشتمل على محاربة المكروه من الخصال.

والحياء حياءان:

أحدهما: استحياء العبد من الله جلا وعلا عند الاهتمام بمباشرة ما حُظِرَ عليه.

(١) "الكليات": ٤٠٤.

والثاني: استحياء من المخلوقين عند الدخول فيما يكرهون من القول والفعل معاً.

والحياءان جميعاً محمودان.$^{(١)}$

و"الحياء من خصائص الإنسان وغريزة فيه، وإن كان استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فإنه يردع عن ارتكاب كل ما يشتهيه فلا يكون كالبهيمة".$^{(٢)}$

"والحياء بمعناه الشرعي مطلوب، وقد حث عليه النبي ﷺ ورغب فيه؛ لأنه باعث على أفعال الخير، ومانع من المعاصي، ويحول بين المرء والقبائح، ويمنعه مما يعاب به ويُذم، فإذا كان هذا أثره فلا شك أنه خلق محمود لا ينتج إلا خيراً؛ فالذي يُهَمُّ بفعل فاحشة فيمنعه حياؤه من اجتراحها$^{(٣)}$، أو يعتدي عليه سفيه فيمنعه حياؤه من مقابلة السيئة

(١) "روضة العقلاء": ٨٩.

(٢) "الموسوعة الفقهية": ١٨/٢٦٠.

(٣) أي اقترافها وإتيانها.

بالسيئة، أو يسأله سائل فيمنعه حياؤه من حرمانه، أو يضمه مجلس فيمسك الحياء بلسانه عن الكلام والخوض فيما لا يعنيه، فالذي يكون للحياء في نفسه هذه الآثار الحسنة فهو ذو خلق محمود...

قال العلماء:

"الحياء من الحياة، وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح"(١).

أقسام الحياء:

والحياء قسمان: قسم وهي فطري، وقسم كسبي.

أما الوهي الفطري فيختلف فيه الناس، فمن الناس من يكون منذ صغره عظيم الحياء، ومنهم من يكون منذ صغره وقحاً قليل الحياء، وهذا الحياء الوهي الفطري لا حيلة فيه ولا بد للإنسان فيه.

(١) "الموسوعة الفقهية": ١٨/٢٦١-٢٦٢.

--- المبحث الأول: معنى الحياة والأقوال المأثورة فيه ---

أما الحياء الكسبي فهو ما يستفيده الإنسان من الحياء ويكسبه بسبب تدريب النفس ومجاهدتها وتعويدها وترويضها، وهذا هو الذي في مكنة الإنسان وقدرته.

وبعض الناس يكون قليل الحياء فإذا جاهد نفسها وراضها وعودها استفاد قدراً كبيراً من الحياء وربما صار معدوداً بسبب هذا من أهل الحياء.

الآيات الواردة في الحياء

ورد في كتاب الله تعالى في مواضع منه ذِكْرُ الحياء صريحاً أو إشارةً، فمن المواضع التي فيها إشارة إلى الحياء ما جاء من تفسير بعض السلف قول الله تعالى: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ (١)، فقال:

"لباس التقوى" الذي ذكر الله في القرآن هو الحياء. (٢)

— أما المواضع التي ذكر فيها الحياء صراحة فمنها:

قوله تعالى: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾ (٣).

(٣)

(١) سورة الأعراف: آية ٢٦.

(٢) تفسير الطبري: ٣٦٦-٣٦٧، وقد أسند الطبري ذلك عن معبد الجهني.

(٣) سورة البقرة: آية ٢٦.

ومن المواضع أيضاً قوله تعالى: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾ وذلك في ثنايا قصة موسى وشعيب عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحداهما ياأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾

(١)

(١) سورة القصص: آية ٢٥-٢٧.

وقد بين المفسرون معنى هذه الكلمة: "استحياء"، وتحدثوا عنها حديثاً جيداً؛ فمن ذلك:

١. "المعنى أنها مستحبة في مشيتها، أي تمشي غير متبخرة ولا متشية ولا مظهرة زينة ...

والاستحياء مبالغة في الحياء"(١)

٢. "في سبب استحيائها ثلاثة أقوال:

أحدهما: أنه كان من صفتها الحياء، فهي تمشي مشي من لم يعتد الخروج والدخول.

والثاني: لأنها دعته لتكافئه، وكان الأجمل عندها أن تدعوه من غير مكافأة.

والثالث: لأنها رسول أبيها"(٢)

(١) "التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور: ١٠٣/٢٠.

(٢) "زاد المسير" لابن الجوزي: ٢١٤/٦.

٣. "على استحياء، ما هو عادة الأبكار ... لتمام إيمانها، وشرف عنصرها، وكريم نسبها أتته على استحياء" (١).

٤. "قيل إنما استحيت لأنها كانت تخاطب من لم يكن محرماً" (٢).

٥. "ولما كان الحياء كأنه مركب لها وهي متمكنة منه، مالكة لزمامه، عبر بأداة الاستعلاء فقال: "على استحياء" أي حياء موجود منها؛ لأنها كُلفت الإتيان إلى رجل أجنبي تكلمه وتماشيه" (٣).

٦. "قيل: ماشية على بعد، مائلة عن الرجال" (٤).

٧. "على استحياء في غير ما تبذل، ولا تبرج، ولا تبجح، ولا إغواء، جاءته لتُنهي إليه دعوة في أقصر لفظ وأخصره وأدله

(١) "روح البيان" للبورصوي: ٣٩٦/٦.

(٢) "لطائف الإشارات" للقشيري: ٦٠/٣.

(٣) "نظم الدرر": البقاعي: ٢٦٨/١٤.

(٤) "مفاتيح الغيب": ٢٤٠/٢٥.

... فمع الحياء الإبانة والدقة والوضوح لا التلجلج والتعثر والربكة، وذلك كذلك من إحياء الفطرة النظيفة السليمة المستقيمة، فالفتاة القوية تستحي بفطرها عند لقاء الرجال والحديث معهم"(١).

ويستفاد من حال المرأتين هاهنا أن المرأة المسلمة الحَيِّية إذا خرجت من بيتها فإنها تخرج غير مزاحمة للرجال، معتدلةً في مشيتها بدون تَنَن ولا تكسّر، فإذا احتاجت أن تخاطب الرجال فإنها تخاطبهم بقدر الحاجة وبلا خضوع ولا تغنج، وبصوت خفيض، وتراقب الله تعالى في لباسها وحركاتها وكلامها.

— وعن عمر بن الخطاب ﷺ أنه قال في قول الله تعالى: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾

[ قال: [ & sF $ ?a - J? $Jg1 n]

(١) "في ظلال القرآن" لسيد قطب: ٢٦٨٧/٥.

ليست بسُلْفَع من النساء خَرَّاجَة ولَاجَة ولكن جاءت مستترة، وقد وضعت كُم درعها على وجهها استحياء.

وفي رواية عنه ﷺ:

جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسُلْفَع من النساء ولَاجَة خَرَّاجَة"(١)

والسُلْفَع: الجريئة السليطة، والولَاجَة الخراجَة: هي كثيرة الدخول والخروج.(٢)

الحياء من أخلاق الله تعالى ويحبه سبحانه:

فقد قال النبي ﷺ: "إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفراً خائبتين"(٣).

(١) "رواها ابن أبي حاتم بسند صحيح، والحاكم وصححها ووافقه الذهبي، ونقلت هذا عن كتاب: "الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور" للشيخ حمود التويجري: ١٠١.

(٢) المصدر السابق.

(٣) أخرجه الإمام الترمذي، وصححه الألباني.

— وقال e:

"إِنَّ اللَّهَ -عز وجل- حليم، حَيٌّ، سَتِير، يحب الحياء والسِّتْر ..."(١)

— وقال e لأَشْجِجَ بن عبدالقيس t:

"إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يَجِبُهُمَا اللَّهُ: الْحَيَاءُ وَالْأَنَاة"(٢).

— وعن أبي واقد الليثي t أن رسول الله e بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل نفر ثلاثة، فأقبل اثنان إلى رسول الله e وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله e فأما أحدهما فرأى فُرْجَة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله e قال:

(١) سنن النسائي: كتاب الغسل: الباب السابع، والحديث الصحيح.

(٢) أخرجه الإمام مسلم والترمذي وابن ماجه والبيهقي في "شعب الإيمان": ٤١٢/١٣.

ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله، وأما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه$^{(١)}$.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:

"وأما حياء الرب -تعالى- من عبده فذاك نوع آخر؛ لا تدركه الأفهام، ولا تُكَيِّفه العقول، فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال ..."$^{(٢)}$

وقال -أيضاً- رحمه الله تعالى:

"من وافق الله في صفة من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامها وأدخلته على ربه، وأذنته وقربته من رحمته، وصيرته محبوباً له؛ فإنه سبحانه رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء، عليم يحب

(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب من أتى مجلساً فوجه فيه فرجه.

(٢) "صلاح الأمة في علو الهمة": ٥٣٢/٥.

العلماء، قوي يحب المؤمن القوي ... حَيٌّ يحب أهل الحياء، جميل يحب أهل الجمال، وتر يحب أهل الوتر"(١).

وقال المناوي:

"قال التوربشي: وإنما كان الله يحب الحياء والستر لأنهما خصلتان يفضيان به -أي بالعبد- إلى التخلق بأخلاق الله"(٢).

— والملائكة تستحي:

وقد أثبت النبي ﷺ للملائكة الحياء، حيث أخبر أنها تستحي من عثمان t فقال:

"ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"(٣).

(١) المصدر السابق: ٥٣٣/٥.

(٢) المصدر السابق.

(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب في فضائل عثمان t.

الأحاديث النبوية الواردة في الحياء

لقد جاء في السنة المشرفة كثير من الأحاديث التي تناولت الحياء بالحض عليه وبيان فضله، فمن ذلك:

— قال ﷺ:

"إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ماشئت"$^{(١)}$.

ومعنى الأمر في الحديث: "فاصنع ماشئت" هو:

١. للتهديد والوعيد، فيكون المعنى: إذا لم يكن عندك حياء فاعمل ماشئت، فإنك معاقب مجازى على صنيعك، وقد يكون في الدنيا أو الآخرة أو في كليهما.

(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء.

٢. الأمر للإباحة، فيكون المعنى: أي إذا أردت فعل شيء فإن كان مما لا تستحي إذا فعلته من الله ولا من الناس فافعله وإلا فلا.

٣. الأمر يراد به الخبر: أي إذا لم يستح الإنسان صنع ما شاء$^{(١)}$.

— وعندي أن أقرب المعاني للحديث هو المعنى الأول، والله أعلم.

— وقال ﷺ:

"الحياء والإيمان قُرنا جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر"$^{(٢)}$.

— وقال ﷺ:

"الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار"$^{(٣)}$.

(١) ملخص يتصرف من مقالة للدكتور حمدي شلبي في مجلة المجتمع، ونقل الدكتور عن فتح الباري وغيره.

(٢) أخرجه الحاكم وقال هو على شرط الشيخين، وصححه الألباني.

(٣) أخرجه الترمذي في سننه، وقال حسن صحيح، وهو صحيح كما قال رحمه الله تعالى.

البذاء: السفاهة والفحش في المنطق، وإن كان الكلام صدقاً$^{(١)}$.

وقال أبو حاتم البستي رحمه الله تعالى شارحاً للحديث:

"إذا لزم المرء الحياء كانت أسباب الخير منه موجودة، كما أن الواقع إذا لزم البذاء كان وجود الخير منه معدوماً، وتواتر الشر منه موجوداً؛ لأن الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كلها، فبقوة الحياء يضعف ارتكابه إياها، ويضعف الحياء تقوى مباشرته إياها"$^{(٢)}$.

— وقال النبي ﷺ:

"الحياء لا يأتي إلا بخير"$^{(٣)}$.

— وقال ﷺ:

(١) الموسوعة الفقهية: ١٨/٢٦٠.

(٢) "روضة العقلاء": ٩٠.

(٣) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الأدب.

"الحياء شعبة من الإيمان"(١).

— وقال ﷺ:

"الحياء من الإيمان"(٢).

قال ابن قتيبة مفسراً سبب كون الحياء من الإيمان:

"إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان من ارتكابها، فسمي إيماناً كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه"(٣).

وقال ابن الأثير رحمه الله:

"جعل الحياء وهو غريزة من الإيمان وهو اكتساب لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي ... فصار كالإيمان الذي يقطع بين المعاصي والمعصية، وإنما جعله -أي الحياء- بعض الإيمان لأن الإيمان

(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب عدد شعب الإيمان.

(٢) أجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الحياء من الإيمان.

(٣) "النهاية في غريب الحديث والأثر": ٤٧٠/١.

ينقسم إلى انتمار بما أمر الله به، وانتهاء عما نهى الله عنه، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعض الإيمان$^{(١)}$.

— وقال ﷺ:

"استحيوا من الله حق الحياء.

قالوا: والله إنا لنستحي يا رسول الله، والحمد لله.

قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلل، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء"$^{(٢)}$.

— وقال ﷺ:

(١) "النهاية في غريب الحديث والأثر": ٤٧٠/١.

(٢) أخرجه الإمام الترمذي وغيره، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

"إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء"(١).

وهذا الحديث عظيم الدلالة على أهمية الحياء وجلال آثاره في الحياة؛ إذ جعل النبي ﷺ الحياء هو خلق الإسلام الأعظم والأول، على كثرة الأخلاق العظيمة في الإسلام وتنوعها.

— وقال ﷺ:

"ما كان الفحش في شيء قط إلا شأنه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه"(٢).

فالحياء—إذن—زينة للناس وحليّة لهم، وهو للمرأة أعظم زينة، بل هو سِرّ أنوثتها وجمالها(٣).

(١) سنن ابن ماجه، وحكم الألباني على الحديث بالحسن في صحيح سنن ابن ماجه: ٤٠٦/٢، وقد نقلت هذا التخريج من كتاب "هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقاً": ٣٢٢، وقد نقلت نقله لتخريج الألباني في مواضع أخرى واكتفيت بالنص على هذا هاهنا.

(٢) أخرجه ابن ماجه والترمذي، والحديث صحيح.

(٣) هذا وقد أشار علي الشيخ أحمد الحمدان وزوجه الفاضلة د. فاطمة المجلسي بالتوسع في موضوع الأنوثة وعلاقتها بالحياء، فذكرت ذلك هاهنا، وذكرته في النقطة الرابعة من المبحث =

— وقال ﷺ:

"أوصيك أن تستحي من الله — عز وجل — كما تستحي رجلاً من صالحي قومك"$^{(١)}$.

الحياء خلق الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم:

قد كان الأنبياء — عليهم الصلاة والسلام — أصحاب حياء وستر، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر عن نبي الله موسى عليه أنه "كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه" موسوعة الأحاديث ↗$^{(٢)}$.

فهذا نبي من أولي العزم — صلوات ربي وسلامه عليهم — لا يرى من جلده شيء استحياءً، فأولى بالمرأة المسلمة ألا يرى الأجانب منها شيئاً.

الرابع ذكراً موجزاً، وقد استفدت من ملاحظات الشيخ وزوجه حفظهما الله تعالى في مواطن عديدة من الرسالة، وأشارا عليّ بجملة أمور أخذت بكثير منها فجزاهما الله تعالى خيراً.

(١) قال د. محمد عبد الحميد في كتابه "الحياء في الفكر الإسلامي المعاصر": رواه البيهقي في الشعب ٤٦٢/٢ .. وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة: ٣٧٦/٢ حديث رقم ٧٤١ وعزاه للخرائطي في "مكارم الأخلاق": ٢٠٤.

(٢) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء: الباب ٢٨.

— وإذا اجتمع الناس في الموقف يوم القيامة فزع الناس إلى أولي العزم من الرسل وغيرهم ليشفعوا لهم في بدء القضاء فيرفضون لحياتهم مما يرون أنها ذنوب صنعوها$^{(١)}$، وحاشاهم صلوات ربي وسلامه عليهم، فهم منزهون من اقتراف الذنوب لكن للموقف عظمة وجلال.

— وكان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها$^{(٢)}$.

وهذا يوم كانت العذاري يستحين أشد الاستحياء، فأين منهن عذاري اليوم؟!

— وقد قال النبي ﷺ لموسى عليه الصلاة والسلام في ليلة الإسراء لما سأله موسى أن يعود إلى ربه ليسأله التخفيف: "استحييت من ربي"$^{(٣)}$.

وعن جابر بن سمرة أو رجل من أصحاب النبي ﷺ ورضي الله عنهم قال:

(١) انظر صحيح الإمام البخاري: كتاب التفسير، السورة الثانية: الباب الأول.

(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب كثرة حياته ﷺ، وأخرجه البخاري رحمه الله في كتاب الأدب.

والخدر هو: ستر رقيق يكون في ناحية من البيت، تكون خلفه العذراء، ومعنى آخر أنه مكان في جانب مستور من البيت.

(٣) انظر صحيح البخاري: كتاب الصلاة.

"كان النبي ﷺ يرعى غنماً فاستعلى الغنم فكان في الإبل هو وشريك له فأكريا أخت خديجة، فلما قضوا السفر بقي لهم عليها شيء فجعل شريكه يأتيها فيتقاضاهم، ويقول لمحمد انطلق، فيقول اذهب أنت فإني أستحي.

فقالت مرة -وأتاهم-: فأين محمد؟

قال: قد قلت له فزعم أنه يستحي.

فقالت: ما رأيت رجلاً أشد حياءً ولا أعف ولا ولا، فوقع في نفس أختها خديجة فبعثت إليه ..." (١).

— وقال تعالى:

[ (٢)﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم﴾

(١) قال الإمام الهيثمي في "مجمع الزوائد": ٢٢٤/٩ رواه الطبراني والبزار ورجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي خالد الوالي، وهو ثقة.

(٢) سورة الأحزاب: آية ٥٣.

الحياء عند نساء الصدر الأول:

قد كانت نساء السلف على غاية جليلة من الحياء ليس بعدها غاية، فمن ذلك:

١- عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم قالت:

"تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح(١) وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه(٢) وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكنّ نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهي مني علي ثلثي فرسخ(٣) فجئت يوماً والنوى على رأسي فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار

(١) الناضح: الإبل التي يُستقى عليها.

(٢) الغرب: الدلو الكبيرة: "التوضيح لشرح الجامع الصحيح": ١١٤/٢٥.

(٣) الفرسخ ثلاثة أميال.

فدعاني ثم قال: إخ إخ$^{(١)}$ ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته -وكان غير الناس- فعرف رسول الله ﷺ أني استحييت فمضى$^{(٢)}$.

فهذه أسماء رضي الله عنها استحت أن تكون بين أولئك الرجال الأطهار وعلى رأسهم رسول الله ﷺ فكيف بنساء اليوم وأكثرهن قد زاحمن الرجال بالمناكب في الطرقات والأسواق.

٢- وعن عائشة رضي الله عنها قالت:

جاءت فاطمة بنت عتبة بن ربيعة تباع النبي ﷺ فأخذ عليها "ألا يشركن بالله شيئاً ولا يزين" الآية قالت: فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأعجب رسول الله ﷺ ما رأى منها.

فقالت عائشة: أقرِّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا.

(١) كلمة تقولها العرب لإناحة الدواب حتى يسهل الركوب عليها.

(٢) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الرضاع: باب الغيرة.

قالت: فنعم إذن.

فبايعها بالآية"(١).

وهذه أم سليم -رضي الله عنها- جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت له -وعائشة عنده-: يا رسول الله: المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا أم سليم: فضحت النساء تربت يمينك.

فقال ﷺ لعائشة: بل أنت فتربت يمينك، نعم فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذلك"(٢).

فهذه عائشة رضي الله عنها قد استحت من سؤال أم سليم رضي الله عنها.

وقالت عائشة رضي الله عنها للنساء:

(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ٩٥/٤٢، وحكم المحقق على إسناده بالصحة.

(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الحيض: باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها.

مُرْنَ أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحيهم، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله$^{(١)}$.

الحياء بعد الموت!!

وهذه عجيبة من سيدة نساء العالمين فاطمة -رضي الله تعالى عنها- إذ استحت أن يراها الناس وهي موضوعة على خشبتها وليس عليها إلا ثوب فيصف بعض أعضائها، فقالت لأسماء بنت عميس رضي الله عنها:

يا أسماء: إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء أنه يُطرح على المرأة الثوب فيصفها.

فقالت أسماء: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوباً.

(١) أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه. أبواب الطهارة: باب الاستنجاء بالماء، وصححه الألباني رحمه الله، وقال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم: يختارون الاستنجاء بالماء وإن كان الاستنجاء بالحجارة يجزئ عندهم، فإنهم استحبوا الاستنجاء بالماء ورأوه أفضل.

فقالت فاطمة رضي الله عنها: ما أحسنَ هذا وأجمله يُعرف به الرجل من المرأة، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي ولا تدخلي عليّ أحداً..."(١).

وهذا من أعجب ما سُمع أن امرأة تستحي من هيئتها بعد موتها؛ فرضي الله عنها وأرضاها.

وهذه عائشة رضي الله عنها تستحي من ميت!! فقد قالت:

"كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي فأضع ثوبي فأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم فوالله ما دخلتُ إلا وأنا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر!!"(٢).

(١) سنن البيهقي: ٤/٣٤.

(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ٤٤١/٤٢، وقال المحقق: أثر إسناده صحيح على شرط الشيخين.

فكيف لو رأت فاطمة وعائشة وأسماء -رضي الله عنهن- نساء زماننا وفتياته وأكثرهن لا يستحيين من حي ولا ميت، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولو قرأت النساء هذه الأحاديث والآثار قراءة فاحصة ورُبين على مضامينها لاستفدن وانغرس في نفوسهن الحياء، ومكان هذه التربية في المحاضن التربوية مثل حلقات تحفيظ القرآن، والمراكز الصيفية، وفي المحاضرات العامة، والملتقيات الثقافية، والجلسات التربوية، وفي مدارس البنات ومجامعهن.

هذا وإن شأن الحياء عظيم، وتضافر الجهود للمحافظة عليه في الفتيات والنساء من أهم المهمات، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

الحياء عند الصالحين:

قد كان بعض الصالحين معروفاً بالحياء فمنهم:

١- أبو بكر الصديق t، فقد قال وهو يخطب الناس:

"يا معشر المسلمين: استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعاً بثوبي استحياء من ربي عزوجل"(١).

٢- عثمان t: كان كثير الحياء حتى أن الملائكة كانت تستحي منه!! فعن عائشة رضي الله عنها قالت:

"كان رسول e مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذه أو ساقيه، فاستأذن أبوبكر t فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر t فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان t فجلس رسول الله e وسوّى ثيابه فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبوبكر فلم تفتش له ولم تُباله، ثم دخل عمر فلم تفتش له ولم تُباله، ثم دخل عثمان فجلست وسوّيت ثيابك.

(١) "شعب الإيمان" للبيهقي: ٤١٦/١٣. وقد حكم المحقق على إسناد الأثر بالحسن.

فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"(١).

وقال e:

"الحياء من الإيمان، وأحيى أمتي عثمان"(٢).

٣- وقال عمرو بن العاص t:

والله إن كنت لأشد الناس حياء من رسول الله e فما ملأت عيني من رسول الله e ولا راجعته بما أريد حتى لحق بالله عز وجل حياء منه.(٣)

٤- لما احتضر الأسود بن يزيد -رحمه الله تعالى- بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟

(١) سبق تخريجه وأنه في صحيح مسلم.

(٢) رواه ابن عساكر، وصححه الألباني: انظر "صلاح الأمة": ٥/٥٥٥.

(٣) المصدر السابق.

قال: مالي لا أجزع، ومن أحق بذلك مني؟ والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل لأهمي الحياء منه مما قد صنعت؛ إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه، ولا يزال مستحيًا منه(١).

٥- وقال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-:

لو لم تُبْكِ إلا للحياء من ذلك المقام لكان ينبغي لنا أن نبكي فنطيل البكاء(٢).

ومقصوده المقام بين يدي الله تعالى.

  • ودخل أبو حامد الخلقاني على الإمام أحمد -رحمهما الله تعالى- فأنشده:

إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيان تسألتيني فما قولي له لما يعاتيني ويقصيني

(١) "صلاح الأمة": ٥٣٥/٥.

(٢) المصدر السابق: ٥٣٦/٥.

فطلب منه الإمام أن يعيدها فأعادها عليه، فدخل أحمد داره، وجعل يرددها ويبكي$^{(١)}$.

٦- قال الإمام ابن مهدي رحمه الله تعالى:

"ما كنت أقدر أن أنظر إلى سفيان استحياء وهيبة منه"$^{(٢)}$.

٧- وهذا أبو عقبة الجراح بن عبدالله الحكمي البطل الشجاع، قال:

"تركت الذنوب حياءً أربعين سنة ثم أدركني الورع"$^{(٣)}$.

٨- ودعا قوم رجلاً كان يألف عشرتهم وصحبتهم فلم يُجبهم، وقال:

"إني دخلت البارحة في الأربعين، وأنا أستحي من سني"$^{(٤)}$.

وهذا في الخلطة المباحة فكيف بالخلطة المحرمة؟!

(١) "صلاح الأمة": ٥٣٦/٥.

(٢) المصدر السابق: ٥٣٧/٥.

(٣) المصدر السابق: ٥٥٨/٥.

(٤) "منهاج اليقين شرح كتاب أدب الدنيا والدين": ٤١٧.

— وقد رأى الناس نساء بلغن الأربعين بل جاوزها وليس لهن من الحياء ما يردعهن عن القبائح.

٩- وكان الشيخ محمد بن أحمد، أبو الحسن الغمري المصري الشافعي شديد الحياء، وكان لا ينام بحضرة أحد أبداً ويقول: أخاف أن يخرج مني ريح وأنا نائم$^{(١)}$، فانظروا رحمكم الله إلى قدر حياته.

(١) "المختار المصون": ٧٥٨/٢.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080