تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

حياء المرأة

المبحث السابع: ضوابط في مسألة حياء المرأة

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 141-152 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 8 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابحياء المرأة

المبحث السابع: ضوابط في مسألة حياء المرأة

هناك بعض الضوابط في مسألة الحياء يُرد بها بعض ما يمكن أن يُرد من شبه، ويحل بها بعض المشكلات في هذا الباب، فمن ذلك:

١. الحياء لا ينافي القوة والمحافظة على الحقوق والواجبات:

إن مما قد يرد على مسألة الحياء أن المرأة الحية يلزم أن تكون ضعيفة منكسرة، وهذا ليس بصحيح؛ فإن الحياء صفة كمال، والضعف صفة نقص فلا يجر التزام الكمال إلى النقص، بل المرأة مطالبة أن تكون قوية في تربيتها لأولادها وعنايتها بهم وأخذها على أيديهم إن قصروا.

ومطالبة بأن تكون قوية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومطالبة بأن تكون قوية مع زوجها إن حاد عن الطريق أو زل أو ضل.

ومطالبة بأن تكون قوية في الإنكار على المبتدعة والضلال.

ومطالبة بأن تكون قوية في العمل والدعوة لدين الله تعالى، ومطالبة بأن تكون قوية في سائر شؤونها إلا في المواضع التي تُشَبِّينها القوة مثل علاقاتها الخاصة مع زوجها، ومثل توددها لصويحباتها، ومثل الاعتذار والتراجع عن الخطأ، وهكذا...

وبعض النسوة يستحين إذا مد أجنبي إليها يده ألا تصافحه خاصة إن كان من أقربائها أو من أقرباء الزوج، وبعضهن يستحين من التحجب عن أقربائها أو أقرباء الزوج، وبعضهن يستحين من إنكار الغيبة والنميمة في المجتمعات إلى غير ذلك من وجوه الحياء التي لا اعتبار لها في الشرع، هذا وقد قال القاضي عياضي رحمه الله تعالى:

"والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياءً شرعياً بل هو عجز ومهانة، وإنما يطلق عليه حياء لمشابهته للحياء الشرعي"(١).

(١) من مقالة للدكتور حمدي شلبي في مجلة المجتمع، وقد نقل الدكتور عن "فتح الباري".

وقال غيره:

"والحياء من مواجهة الظلمة والفساق وزجرهم، وترك الجهر بالمعروف والنهي عن المنكر حياءً ليس بحياء وإنما هو عجز ومهانة"(١).

وقال القرطبي رحمه الله تعالى:

"قد كان المصطفى ﷺ يأخذ نفسه بالحياء ويأمر به، ويحث عليه، ومع ذلك فلا يمنعه الحياء من حق يقوله، أو أمر ديني يفعله؛ تمسكاً بقوله تعالى: ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ وهذا هو نهاية الحياء وكماله، وحسنه واعتداله؛ فإن من فرط عليه الحياء حتى منعه من الحق فقد ترك الحياء من الخالق واستحيا من الخلق، ومن كان هكذا حرم منافع الحياء، واتصف بالنفاق والرياء، والحياء من الله هو الأصل والأساس؛ فإن الله أحق أن يُستحي منه، فليحفظ هذا الأصل فإنه نافع"(٢).

(١) الموسوعة الفقهية: ١٨/٢٦٣.

(٢) "صلاح الأمة في علو الهمة": ٥/٥٥١.

وقال عبيد بن عمير:

آثروا الحياء من الله على الحياء من الناس (١).

وخلاصة الأمر إن المرأة تستطيع أن تبلغ أعلى درجات الحياء مع كونها قوية في مواضع القوة، والله أعلم.

٢. الحياء وحسن التبعل (٢):

قد يمنع الحياء المرأة عن حسن التبعل لزوجها، وهذا أمر مذموم وليس بممدوح، فإن المرأة العاقلة هي التي تلبس لكل حالة لبوسها، وتقوم في كل مقام بما يصلح له، وحسن التبعل للزوج عبادة

(١) المصدر السابق: ٥٥٢/٥.

(٢) جاء في "تاج العروس": ب ع ل: تبعث: إذا تزينت، والبعال كناية عن الجماع وملاعبة الرجل أهله ... وبينهما مباغلة وملاعبة، وهما يتباعلان ... وامرأة حسنة الابتعال: إذا كانت حسنة الطاعة لزوجها ... وفي الحديث: "نعم إذا أحسنتن تبعل أزواجكن وطلبن مرضاهم" وفي حديث آخر: "وجهاد المرأة حسن التبعل".

جليلة، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ واسمها أسماء بنت يزيد الأشهلية رضي الله عنها فقالت له:

"يا رسول الله، بأبي أنت وأمي: أنا وافدة النساء إليك، واعلم -نفسي لك الفداء- إنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأيي:

إن الله بعثك للرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات مخدورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فضلتكم علينا بالجمع والجماعات، وفضلتكم علينا بشهود الجنائز وعبادة المرضى، وفضلتكم علينا بالحج بعد الحج، وأعظم من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج لحج أو عمرة أو جهاد جلسنا في بيوتكم نحفظ أموالكم، ونربي أولادكم، ونغزل ثيابكم، فهل نشارككم فيما أعطاكم الله من الخير والأجر؟

فالتفت النبي ﷺ بجملته وقال:

هل تعلمون امرأة أحسن سؤالاً عن أمور دينها من هذه المرأة؟

قالوا: يا رسول الله: ما ظننا أن امرأة تسأل سؤالها.

فقال النبي ﷺ:

يا أسماء افهمي عني: أخبري من وراءك من النساء أن حسن تبعل المرأة لزوجها وطلبها لمرضاته، واتباعها لرغباته يعدل ذلك كله.

فأدبرت المرأة وهي تمل وتكبر وتردد: يعدل ذلك كله، يعدل ذلك كله(١).

٣. عرض المرأة نفسها على من تراه صالحاً لها:

إن مما لا ينافي حياء المرأة أن تخطب لنفسها من الرجال من تراه صالحاً لها، بواسطة أو بدون، أما بالواسطة فكما صنعت أم

(١) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب: ١٧٨٨/٤، والبيهقي في "شعب الإيمان": ٨٧٤٣ وأبو نعيم في "معرفة الصحابة": ٣٢٥٩/٦ والحديث وإن كان فيه ضعف لكن يشهد له جملة من الأحاديث ويشهد له عدة قواعد من قواعد الإسلام.

المؤمنين خديجة رضي الله عنها لما خطبت لنفسها رسول الله ﷺ وكان رسولها غلامها ميسرة، وأما بدون واسطة فكالواهبة نفسها لرسول الله ﷺ، فمنهن خولة بنت حكيم رضي الله عنها حتى قالت عائشة رضي الله عنها: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل؟$^{(١)}$

وعن سهل بن سعد t قال:

جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني وهبت من نفسي فقامت طويلاً، فقال رجل: زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة ...'الحديث'$^{(٢)}$

عن ثابت البناني قال: كنت عند أنس وعنده ابنة له، قال أنس:

جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تعرض عليه نفسها قالت: يا رسول الله: ألك بي حاجة؟!

(١) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد.

(٢) المصدر السابق: باب السلطان وليّ لقول النبي ﷺ ك زوجناكها بما معك من القرآن.

فقالت بنت أنس: ما أقلّ حياءها، واسوأتها، واسوأتها!!

قال: هي خير منك، رغبت في النبي ﷺ فعرضت عليه نفسها(١).

وقال ابن الملقّن رحمه الله:

"جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، وتعريفها رغبتها فيه لصلاحه وفضله، أو لعلمه وشرفه، أو لخصلة من خصال الدين، وأنه لا عار عليها في ذلك ولا غضاضة، بل ذلك زائد في فضلها لقول أنس لابنته: هي خير منك.(٢)

"لكن ينبغي ألا يكون ذلك جهراً، ومن غير إحراج للرجل، وبمراعاة ضوابط الحياء والحشمة والستر"(٣).

(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الرضاع: باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح.

(٢) "التوضيح لشرح الجامع الصحيح": ٢٤/٣٧٠.

(٣) ما بين الأقواس من كلام الأستاذة الفاضلة نبيهة الأهدل بتصرف.

٤. البيع والشراء في الأسواق:

إن المرأة لها أن تبيع وتشتري في الأسواق بلا حرج إذا راعت الضوابط الشرعية وراعت ما ذكرته آنفاً في هذه الرسالة، ولا يُعد ذلك طعناً في حياتها، فقد كانت بعض النسوة يفعلن هذا في الصدر الأول وما بعده بلا نكير ولا تخرج.

٥. الحياء لا يمنع من السؤال عن الأمور المهمة:

إن الحياء خير وفلاح لكن لا ينبغي أن يمنع من السؤال عن المهمات في الدين والدنيا، وقد كانت النساء في صدر الإسلام يسألن رسول الله ﷺ عما يُشكّل عليهن، وقالت عائشة رضي الله عنها: "نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين"(١).

— وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت:

(١) المصدر السابق: كتاب العلم.

جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت:

يارسول الله: إن الله لا يستحيي من الحق: هل علي المرأة غُسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إذا رأت الماء(١).

وقال ابن الملقن:

"يدل أنه لا يجوز الحياء عن السؤال في أمر الدين، وجميع الحقائق التي يُعبِّد الله سبحانه عباده بها، وأن الحياء في ذلك مذموم"(٢).

— وقد قال مجاهد رحمه الله مبيناً أن طالب العلم الذي يغلب عليه الحياء فلا يسأل فإنه يتضرر بحيائه هذا:

(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: باب التبسم والضحك.

(٢) "التوضيح لشرح الجامع الصحيح": ٢٨/٥٠٠.

وكذا جاءت: لا يجوز، والأقرب: لا يمنع الحياء عن السؤال في أمر الدين؛ وقد نبهتني الدكتورة الفاضلة سناء عابد حفظها الله إلى ذلك.

"لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر"(١).

— وإليكم هذه الحكاية اللطيفة:

عن جعفر الصائغ قال:

كان في جيران أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل رجل ممن يمارس المعاصي والقاذورات، فجاء يوماً إلى مجلس أحمد يسلم عليه فكأن أحمد لم يرد عليه رداً تاماً وانقبض منه، فقال له:

يا أبا عبدالله: لم تنقبض مني؟ فإني قد انتقلت عما كنت تعهدني برؤيا رأيتها.

قال: وأي شيء رأيت؟

قال: رأيت النبي ﷺ في النوم كأنه على عُلُوٍّ من الأرض وناس كثير أسفل جلوس، قال: فيقوم رجلٌ رجلٌ منهم إليه، فيقول:

(١) أخرجه الإمام البخاري في كتاب العلم.

ادع لي فيدعو له، حتى لم يبق من القوم غيري. قال: ما أردت أن أقوم فاستحييت من قبيح ما كنت عليه.

قال لي يا فلان: لم لا تقوم إلي فتسألني أن أدعو لك؟

قال: قلت: يا رسول الله: يقطعني الحياء لقبيح ما أنا عليه.

فقال: إن كان يقطعك الحياء فقم فسلني أدع لك؛ فإنك لا تسب أحداً من أصحابي.

قال: فقمت فدعا لي، فانتبهت وقد بغض الله إلي ما كنت عليه.

قال: فقال لنا أبو عبدالله: يا جعفر، يا فلان: حدثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع"(١).

(١) "صلاح الأمة في علو الهمة": ٥٥٠/٥.

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080