نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٤٣٣ الإمام الشافعي (خت، ٤) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٤٣٣ الإمام الشافعي (خت، ٤) (١)
[١] محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد
يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.
الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة، أبو عبد الله القرشي ثم
المطلبي الشافعي المكي، الغزّي المولد، نسيب رسول الله ﷺ، وابن عمه،
فالمطلب هو أخو هاشم والد عبد المطلب.
اتفق مولد الإمام بغزة، ومات أبوه إدريس شاباً، فنشأ يتيماً في حجر أمه،
فخافت عليه الضيعة، فتحوّلت به إلى محنّده وهو ابن عامين، فنشأ بمكة وأقبل
على الرمي، حتى فاق فيه الأقران، وصار يصيب من عشرة أسهم تسعة، ثم أقبل
على العربية والشعر، فبرع في ذلك وتقدّم.
حبّ إليه الفقه، فساد أهل زمانه.
[٢] وارتحل - وهو ابن نيف وعشرين سنة وقد أفتى وتأهل للإمامة - إلى المدينة،
فحمل عن مالك بن أنس «الموطأ» عرضه من حفظه.
[٣] وصنّف الكبار في مناقب هذا الإمام قديماً وحديثاً، ونال بعض الناس منه غضاً،
فما زاده ذلك إلا رفعة وجلالة، ولاح للمُصنّفين أن كلام أقرانه فيه بهوى، وقل من
برز في الإمامة، ورد على من خالفه إلا وعودي، نعوذ بالله من الهوى، وهذه الأوراق
تضيق عن مناقب هذا السيد.
قال المزني: ما رأيت أحسن وجهاً من الشافعي رحمه الله وكان ربما قبض على
لحيته فلا يفضل عن قبضته.
(١) انظر السير: ١٠/٥ - ٩٩
733
[١] قال أبو عبيد: ما رأيتُ أحداً أعقل من الشافعي، وكذا قال يونس بن عبد الأعلى، حتى إنه قال: لو جمعت أمةً لوسعهم عقله.
قلت: هذا على سبيل المبالغة، فإن الكامل العقل لو نقص من عقله نحو الربع، لبان عليه نقص ما، ولبقي له نظراء، فلو ذهب نصف ذلك العقل منه، لظهر عليه النقص، فكيف به لو ذهب ثلثا عقله! فلو أنك أخذت عقول ثلاثة أنفس مثلاً، وصيرتها عقل واحد، لجاء منه كامل العقل وزيادة.
[٢] قال يونس الصدفي: ما رأيتُ أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن تكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة.
قلت: هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون.
[٣] وقال تميم بن عبدالله: سمعت سويد بن سعيد يقول: كنت عند سفيان، فجاء الشافعي فسلم، وجلس، فروى ابن عيينة حديثاً رقيقاً، فغشي على الشافعي، فقيل: يا أبا محمد، مات محمد بن إدريس، فقال ابن عيينة: إن كان مات، فقد مات أفضل أهل زمانه.
[٤] قال الحارث بن سريح: سمعت يحيى القطان يقول: أنا أدعو الله للشافعي، أخصه به.
[٥] المزني: سمعت الشافعي يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نما قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يضمن نفسه، لم ينفعه علمه.
[٦] قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: المراء في الدين يقسي القلب، ويورث الضغائن.
734
[١] الربيع: سمعتُ الشافعي يقول: وددتُ أن الناس تعلموا هذا العلم - يعني كتبه
- على أن لا يُنسب إلي منه شيء.
[٢] أبو يحيى زكريا الساجعي، حدثنا المزني، قال: قلت إن كان أحد يُخرج ما في
ضميري، وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي، فصررت إليه، وهو في
مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه، قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد
فعلمت أن أحداً لا يعلم علمك، فما الذي عندك؟ فغضب، ثم قال: أتدري أين
أنت؟ قلت: نعم، قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون.
أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا، قال: هل تكلم فيه
الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجماً في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب
منها: تعرف جنسه، طلوعه، أقوله، مم خلق؟ قلت: لا، قال: فشيء تراه بعينك
من الخلق لست تعرفه، تتكلم في علم خالقه؟! ثم سألني عن مسألة في الوضوء،
فأخطأت فيها، ففرعها على أربعة أوجه، فلم أصب في شيء منه، فقال: شيء
تحتاج إليه في اليوم خمس مرات، تدع علمه، وتتكلّف علم الخالق، إذا هجس
في ضميرك ذلك، فارجع إلى الله، وإلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُمَّ إِنَّهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ
إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة ١٦٣-
١٦٤]، فاستدل بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلّف علم ما لم يبلغه عقلك، قال:
فثبت.
[٣] الربيع سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
[٤] وسمعته يقول: تجاوز الله عما في القلوب، وكتب على الناس الأفعال
والأقاويل.
[٥] وعن الشافعي قال: ما كابرني أحد على الحق ودافع، إلا سقط من عيني، ولا
قبله إلا هبته، واعتقدت مودته.
735
[١] عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعتُ أبي يقولُ: قال الشافعي: أنتم أعلمُ
بالأخبار الصَّحاحِ منا، فإذا كان خبرٌ صحيحٌ، فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفياً
كان، أو بصرياً أو شامياً.
[٢] قال الشافعي: كل ما قلته فكان من رسول الله ﷺ خلاف قولي مما صح، فهو
أولى، ولا تقلدوني.
[٣] وقال الحميدي: روى الشافعي يوماً حديثاً، فقلت: أتأخذ به. فقال: رأيتني
خرجت من كنيسة، أو علي زنار، حتى إذا سمعت عن رسول الله ﷺ حديثاً لا أقول
به.
[٤] الربيع بن سليمان، قال: كان الشافعي قد جزأ الليل، فثلثه الأول يكتب،
والثاني يصلي، والثالث ينام.
قلت: أفعاله الثلاثة عبادة بالنية.
[٥] محمد بن إسماعيل، حدثني حسين الكرابيسي: بت مع الشافعي ليلة، فكان
يصلي نحو ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر، فمئة آية، وكان
لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا بآية عذاب إلا تعوذ، وكأنما جمع له الرجاء
والرهبة جميعاً.
[٦] أبو عوانة الإسفراييني: حدثنا الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما شبعت منذ
ست عشرة سنة إلا مرة، فأدخلت يدي فتقياتها.
[٧] رواها ابن أبي حاتم عن الربيع، وزاد: لأن الشبع ينقل البدن، ويقسي القلب
ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف عن العبادة.
[٨] أبو بكر محمد بن القاسم بن مطر، سمعت الربيع: قال لي الشافعي: عليك
بالزهد فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على المرأة الناهد.
[٩] وقال الربيع: كان الشافعي ماراً بالحدثين، فسقط سوطه، فوثب غلام، ومسحه
بكمه، وناوله، فأعطاه سبعة دنانير.
736
[١] أبو ثور، قال: كان الشافعي من أسمح الناس، يشتري الجارية الصّناع التي تطبخ وتعمل الحلواء، ويشترط عليها هو أن لا يقربها، لأنه كان عليلاً لا يمكنه أن يقرب النساء لباسور به إذ ذاك، وكان يقول لنا: اشتهوا ما أردتم.
[٢] عن الشافعي: أصل العلم التثبيت، وثمرته السلامة، وأصل الورع القناعة، وثمرته الراحة، وأصل الصبر الحزم، وثمرته الظفر، وأصل العمل التوفيق، وثمرته النجح، وغاية كل أمر الصدق.
[٣] وعن الشافعي: بشس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. [٤] وعنه: ضياع العالم أن يكون بلا إخوان، وضياع الجاهل، قلة عقله، وأضيع منهما من وحي من لا عقل له.
[٥] آلات الرياسة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتداء النصيحة، وأداء الأمانة.
وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب كتاباً في ثبوت الاحتجاج بالإمام الشافعي. [٦] وما تكلم فيه إلا حاسد أو جاهل بحاله، فكان ذلك الكلام الباطل منهم موجباً لارتفاع شأنه، وعلو قدره، وتلك سنة الله في عباده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب ٦٩-٧٠].
[٧] وعن يونس بن عبد الأعلى، قال: ما كان الشافعي إلا ساحراً ما كنا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله، كان ألفاظه سكر... وكان قد أوتي عذوبة منطق، وحسن بلاغة، وفرط ذكاء، وسيلان ذهن، وكمال فصاحة، وحضور حجة.
[٨] فعن عبد الملك بن هشام اللغوي، قال: طالت مجالستنا للشافعي، فما سمعت منه لحنة قط.
[٩] قلت: أني يكون ذلك، وبمثله في الفصاحة يضرب المثل، كان أفصح قريش في زمانه، وكان مما يؤخذ عنه اللغة.
737
[١] قال الربيع: قال لي الشافعي: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فما لله ولي.
[٢] قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: ما رأيت أحداً أقل صباً للماء في تمام التطهر من الشافعي.
[٣] الأصم: سمعت الربيع يقول: سأل رجل الشافعي عن قاتل الوزغ هل عليه غسل؟ فقال: هذا فتيا العجائز.
[٤] قال صالح بن محمد جزرة: سمعت الربيع، سمعت الشافعي يقول: لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه.
[٥] قال حرملة: كان الشافعي يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب، ويقول ضيعوا ثلث العلم، وكلوه إلى اليهود والنصارى.
[٦] علي بن أحمد بن النضر الأزدي، سمعت أحمد بن حنبل، وسُئل عن الشافعي، فقال: لقد من الله علينا به، لقد كنا تعلمنا كلام القوم، وكتبنا كتبهم، حتى قدم علينا، فلما سمعنا كلامه، علمنا أنه أعلم من غيره، وقد جالسناه الأيام والليالي، فما رأينا منه إلا كل خير، فقيل له: يا أبا عبد الله، كان يحيى وأبو عبيد لا يرضيانه - يشير إلى التشيع وأنهما نسباه إلى ذلك - فقال: أحمد بن حنبل: ما ندري ما يقولان، والله ما رأينا منه إلا خيراً.
[٧] قلت: من زعم أن الشافعي يتشيع فهو مفتر، لا يدري ما يقول. [٨] الربيع بن سليمان قال: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى شره ولا هبط وادياً، إلا وهو يبكي، ويُشَدُّ:
يا راكباً قف بالمُحَصَّب من منى واهتف بقاعد خيفنا والنَّاهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملنطم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
738
[١] قلت: لو كان شيعياً - وحاشاه من ذلك - لما قال: الخلفاء الراشدون خمسة،
بدأ بالصديق، وختم بعمر بن عبد العزيز (١).
[٢] قال الشافعي: المُحْدَثات من الأمور ضربان: ما أحدث يُخَالِف كتاباً أو سُنَّةً أو
أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة ضلالة، وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من
هذا، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر في قيام رمضان: نعمت البدعة هذه،
يعني أنها محدثة لم تكن، وإذ كانت فليس فيها رد لما مضى.
[٣] روى أبو الشيخ الحافظ وغيره من غير وجه: أن الشافعي لما دخل مصر أتاه جلة
أصحاب مالك، وأقبلوا عليه، فلما رأوه يُخَالِف مالكاً، وينقض عليه، جفوه،
وتنكروا له، فأنشأ يقول:
أَنْتُرُ دُرّاً بَيْنَ سَارِحَةِ النِّعَمِ وَأَنْظِمُ مَنْثُوراً لِرَاعِيَةِ الْغَنَمِ
لَعَمْرِي لَئِنْ ضُيِّعْتُ فِي شَرِّ بَلْدَةٍ فَلَسْتُ مُضِيعاً بَيْنَهُمْ غُرَرِ الْحِكَمِ
فَإِنْ فَرَّجَ اللَّهُ اللَّطِيفُ بِلُطْفِهِ وَصَادَفْتُ أَهْلاً لِلْعُلُومِ وَلِلْحِكَمِ
بَثَّتْ مَفِيداً وَاسْتَفَدَّتْ وَدَادَهُمْ وَإِلَّا فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَمٌ
وَمِنْ مَنَحِ الْجُهَّالِ عِلْماً أَضَاعَهُ وَمَنْ مَنَحَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمَ
وَكَاتِمُ عِلْمِ الدِّينِ عَمَّنْ يُرِيدُهُ يَبُوءُ بِإِثْمٍ زَادَ وَأَثْمٍ إِذَا كَتَمَ
[٤] قال أبو عبد الله بن مندة: حدثت عن الربيع قال: رأيت أشهب بن عبد العزيز
ساجداً يقول في سجوده: اللهم أمت الشافعي لا يذهب علم مالك فبلغ الشافعي،
فأنشأ يقول:
تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ
فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلَافَ الَّذِي مَضَى تَهَيَّأَ لِأُخْرَى مِثْلَهَا فَكَانَ قَدْ
(١) وللخبر تتمة في غاية النفاسة عند البيهقي، وهي: ثم قال أحمد لمن حوله: اعلموا رحمكم الله تعالى أن الرجل
من أهل العلم إذا منحه الله شيئاً من العلم، وحُرِّمَهُ قُرَنَاؤُهُ، وأشكاله، حسدوه فرموه بما ليس فيه، وبشست الخصلة في
أهل العلم.
739
وَقَدْ عَلِمُوا لَوْ يَنْفُقُ الْعِلْمُ عِنْدَهُمْ لَئِنْ مِتُّ مَا الدَّاعِي عَلَيَّ بِمُخْلِدِ
[١] قال المبرّد: دخل رجل على الشافعي، فقال: إن أصحاب أبي حنيفة لفصحاء،
فأنشأ يقول:
فَلَوْلَا الشِّعْرُ بِالْعُلَمَاءِ يُزْرِي لَكِنْتُ الْيَوْمَ أَشْعَرَ مِنْ لَبِيدِ
وَأَشْجَعُ فِي الْوَغَى مِنْ كُلِّ لَيْثٍ وَآلِ مُهَلِّبٍ وَأَبِي يَزِيدِ
وَلَوْلَا خَشْيَةُ الرَّحْمَنِ رَبِّي حَسِبْتُ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِبِيدِي
[٢] قال أبو نعيم بن عدي الحافظ: سمعت الربيع مراراً يقول: لو رأيت الشافعي
وحسن بيانه وفصاحته، لعجبت، ولو أنه ألف هذه الكتب على عربيته التي كان
بتكلم بها معنا في المناظرة، لم نقدر على قراءة كتبه لفصاحته، وغرائب ألفاظه،
غير أنه كان في تأليفه يوضح للعوام.
[٣] ابن خزيمة وغيره، حدثنا المزني قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي
مات فيه، فقلت: يا أبا عبد الله، كيف أصبحت؟ فرفع رأسه، وقال: أصبحت من
الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، وعلى الله وارداً، ما أدري
روحي تصير إلى جنة فأهنيها أو إلى نار فأعزيها، ثم بكى، وأنشأ يقول:
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي جعلت رجائي دون عفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منه وتكرما
ولولاك لم يغوي بابليس عابد فكيف وقد أغوى صفيك آدما
وإني لآتي الذنب أعرف قدره وأعلم أن الله يعفو ترحما
[٤] وعن الربيع للشافعي:
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر ومن دونها أرض المهامة والقفر
فوالله ما أدري اللمال والغنى أساق إليها أم أساق إلى قبري
740
[١] قال ابن ماجة القزويني: جاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل، فبينما هو عنده، إذ مر الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يسلم عليه، وتبعه، فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء، قال يحيى: يا أبا عبد الله، كم هذا؟ فقال: دع عنك هذا؟ إن أردت الفقه، فالزم ذنب البغلة.
[٢] الربيع: سمعت الشافعي يقول: لم أر أحداً أشهد بالزور من الرافضة. [٣] وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: يا يونس: الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم محبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط.
[٤] وقال لي: رضى الناس غاية لا تدرك، وليس إلى السلامة منهم سبيل، فعليك بما ينفعك فالزمه.
[٥] وعن الشافعي: العلم ما نفع، ليس العلم ما حفظ.
[٦] وعنه: اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل.
[٧] وعنه: لو أعلم أن الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته.
[٨] عن الشافعي: ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن، قيل: ولم؟ قال: لأن العاقل لا يعدو من إحدى خلتين، إما يغتم لآخرته أو لدنياه، والشحم مع الغم لا ينعقد.
[٩] قلت: كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى، كما تقرر الكف عن الكثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وأحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة
741
للعالم المُنصِف العَرِيّ من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر ١٠].
[١] فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع منهم وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد، وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا ﷺ، وأهل بدر مع كونهم على مراتب، ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي، وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم بنص آية سورة الفتح [١٨]، ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبدالله بن عمرو، وهذه الحلية، ثم سائر من صحب رسول الله ﷺ وجاهد معه، أو حج معه، أو سمع منه، رضي الله عنهم أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله ﷺ المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هاني الهاشمية وسائر الصحابيات.
[٢] فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك، فلا نعرج عليه، ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب الروافض رواية الأباطيل، أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ومتى إفاقة من به سكران؟!
[٣] ثم قد تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض، وتحاربوا، وجرت أمور لا يمكن شرحها، فلا فائدة في بثها ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة وما نقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه، أو نقص حفظه، فليس من هذا النمط، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن، والحسن من الضعيف.
742
[١] وإمامنا، فبحمد الله ثبت في الحديث، حافظ لما وعى، عديم الغلط، موصوف بالإتقان، متين الديانة، فمن نال منه بجهل وهوى ممن علم أنه منافس له، فقد ظلم نفسه، ومقته العلماء، ولاح لكل حافظ تحامله، وجر الناس برجله، ومن أثنى عليه، واعترف بإمامته وإتقانه، وهم أهل العقد والحل قديماً وحديثاً، فقد أصابوا، وأجملوا، وهدوا، ووفقوا.
[٢] وأما أئمتنا اليوم وحكامنا، فإذا أعدموا ما وجد من قدح بهوى، فقد يقال: أحسنوا ووفقوا وطاعتهم في ذلك مفترضة لما قد رأوه من حسم مادة الباطل والشر. وبكل حال فالجهال والضلال قد تكلموا في خيار الصحابة، وفي الحديث الثابت «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم ليدعون له ولداً، وإنه ليرزقهم ويعافيهم».
[٣] وقد كنت وقفت على بعض كلام المغاربة في الإمام رحمه الله، فكانت فائدتي من ذلك تضعيف حال من تعرض إلى الإمام، والله الحمد.
ولا ريب أن الإمام لما سكن مصر، وخالف أقرانه من المالكية، ووهى بعض فروعهم بدلائل السنة وخالف شيخه في مسائل، تألموا منه، ونالوا منه، وجرت بينهم وحشة، غفر الله للكل، وقد اعترف الإمام سحنون، وقال: لم يكن في الشافعي بدعة، فصدق والله، فرحم الله الشافعي، وأين مثل الشافعي والله! في صدقه، وشرفه، ونبله، وسعة علمه، وفرط ذكائه، ونصره للحق، وكثرة مناقبه، رحمه الله تعالى.
[٤] وعنه قال: التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام، والتواضع يورث المحبة، والقناعة تورث الراحة، وقال: أرفع الناس قدراً من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلاً من لا يرى فضله.
لا نلام والله على حب هذا الإمام، لأنه من رجال الكمال في زمانه رحمه الله، وإن كنا نحب غيره أكثر.
743