نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٧٣٨ - هشام المؤيد بالله (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٧٣٨ - هشام المؤيد بالله (١)
ابن المستنصر صاحب الأندلس، بايعوه صبياً، فقام بتشييد الدولة الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر فكان من رجال الدهر رأياً وحزماً ودهاءً وشجاعةً وإقداماً - أعني الحاجب.
ولم يزل المؤيد بالله هشام غائباً عن الناس لا يظهر ولا ينفذ أمراً. ولما توفي الحاجب ابن أبي عامر، قام في منصبه ابنه الملقب بالمظفر: أبو مروان عبد الملك بن محمد. وجرى على منوال والده، فكان ذا سعد عظيم، وكان فيه حياة مفرط يضرب به المثل، لكنه كان من الشجعان المذكورين، فدامت الأندلس في أيامه في خير وخصب وعز إلى أن مات في صفر، سنة تسع وتسعين وثلاث ومئة.
وقام بتدبير دولة المؤيد بالله الناصر عبد الرحمن أخو المظفر المذكور المعروف بشنشول، فعتا وتمرد، وفسق وتهتك، ولم يزل بالمؤيد بالله حتى خلع نفسه من الخلافة، وفوضها إلى شنشول هذا مكرهاً، في جمادى الآخرة، سنة تسع وتسعين وثلاث مئة.
(١) انظر السير: ١٧ / ١٢٣-١٣٣.
1206
[١] من مفاخر المنصور: أنه قدم من غزوة، فتعرضت له امرأة عند القصر،
فقالت: يا منصور! يفرح الناس وأبكي؟ إن ابني أسير في بلاد الروم. فثنى عنانه
وأمر الناس بغزو الجهة التي فيها ابنها.
[٢] وقد عصاه مرة ولد له، فهرب، ولجأ إلى ملك سمورة، فغزاها المنصور،
وحاصرها، وحلف ألا يرحل إلا بابنه، فسلموه إليه، فأمر بقتله، فقتل بقرب
سمورة.
[٣] ومن رجلة المنصور: أنه أحيط به في مدينة فتنة، فرمى بنفسه من أعلى
جبلها، وصار في عسكره، فبقي مُفْدَع (١) القدمين لا يركب، إنما يصنع له
محمل على بغل يُقاد به في سبع غزوات وهو بضعة لحم، فانظر إلى هذه الهمة
العليّة، والشجاعة الزائدة.
[٤] وكان موته آخر الصلاح وأول الفساد بالأندلس، لأن أفعاله كانت حسنة في
الحال، فاسدة في المال، فكانت قبله القبائل، كل قبيلة في مكان، فإذا كان
غزو، وضعت الخلفاء على كل قبيلة عدداً، فيغزون، فلما استولى المنصور،
أدخل من صنهاجة ونفّزن عشرين ألفاً إلى الأندلس، وشَتَّت العرب عن
مواضعها، وأخملهم، وأبقى على نفسه لكونه ليس من بيوت الملك، ثم قتل
في بني أمية جماعة، واحتاط على المؤيد، ومنعه من الاجتماع بأحد، وربما
أخرجه لهم في يوم العيد للهناء، فلما مات المنصور وابنه المظفر أبو مروان،
انخرم النظام، وشرع الفساد، وهلك الناس، فقام شنشول وطغى وبغى، وفعل
العظائم، والمؤيد بالله تحت الاحتجاز. فجاءه الخبر بأن محمد بن هشام بن
عبدالجبار الأموي ابن عم المؤيد بالله قد توثب بقرطبة، وهدم الزهراء، وأقام معه
القاضي ابن ذكوان.
(١) الفدع محركة: عوج وميل في المفاصل، كان المفاصل قد زالت عن مواضعها، لا يستطيع بسطها معه،
وأكثر ما يكون في الرسغ من اليد والقدم.
1207
وأما محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله عبد الرحمن، فتلقَّب بالمهدي.
[١] وكان شنشول قد استعان بعسكر الفرنج لأن أمه منهم، وقام معه ابن غومش، فجاء إلى قرطبة، فتسحب جنده، فقال له ابن غومش: ارجع بنا قبل أن تؤخذ. فأبى، ومال إلى دير شربش جوعان سهران، فأنزل له راهب دجاجة وخُبزاً، فأكل وشرب وسكر، وجاء لحربه ابن عم المهدي وحاجبه محمد بن المغيرة الأموي، فقبض عليه، فظهر منه الجزع، وقبل قدم ابن المغيرة، وقال: أنا في طاعة المهدي. ثم ضربت عنقه، وطيف برأسه: هذا شنشول المأبون المخذول. فلما استوثق الأمر للمهدي أظهر من الخلاعة والفساد أكثر مما عمله شنشول.
[٢] قال الحميدي: فقام على المهدي ابن عمه هشام بن سليمان بن الناصر لدين الله، في شوال سنة تسع وتسعين، وقام معه البربر، وأسر هشام هذا فقتله المهدي. وتحيز جلهم إلى قلعة رباح، فهرب معهم سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر، وهو ابن أخي هشام المقتول، فبايعوه، وسموه: المستعين بالله، وجمعوا له مالاً، حتى صار له نحو من مئة ألف دينار، فتوجه بالبربر إلى طليطلة، فتملكها، وقتل واليها، فجزع المهدي، واعتد للحصار، وتجرأت عليه العامة، ثم بعث عسكراً، فهزمهم سليمان المستعين ثم سار حتى شارف قرطبة، فبرز لحربه عسكر المهدي، فناجزهم سليمان. ثم خرج أهل قرطبة إلى المستعين، سليمان فأحسن ملقاهم واختفى محمد المهدي واستوثق أمر المستعين ودخل قصر الإمارة، ووارى الناس قتلاهم فكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً، ثم تسحب المهدي إلى طليطلة، فقاموا معه، وكتب إلى الفرنج، ووعدهم بالأموال، فاجتمع إليه خلق عظيم وهو أول مال انتقل من بيت المال
1208
بالأندلس إلى الفرنج، وكانت الثغور كلها باقية على طاعة المهدي، فقصد قرطبة في جحفل عظيم، فالتقى الجمعان على عقبة البقر على بريد من قرطبة، فاقتتلوا أشد قتال فانهزم سليمان المستعين، واستولى المهدي على قرطبة ثانياً، ثم خرج إلى قتال جماهير البربر، فالتقاهم بوادي آره، فهزموه أقبح هزيمة، وقتل من جنده الفرنج ثلاثة آلاف، وغرق خلق، فجاء إلى قرطبة، ثم وثب عليه العبيد، فضربت عنقه، وقطعت أربعته، وكفى الله شره في ثامن ذي الحجة عام أربع مئة، وعاش أربعاً وثلاثين سنة.
[١] وعاشت البربر، وعملت مالا يعمله مسلم، ونازلوا قرطبة سنة اثنتين وأربع مئة، واشتد القحط والبلاء، وفني الناس، ودخل البربر بالسيف في سنة ثلاث، فقتلوا حتى الولدان، وهرب الخلق، وهرب المؤيد بالله إلى المشرق، فحج، ولقد تصرف في الدنيا عزيزاً وذليلاً، والعزة لله جميعاً.
[٢] وبالجملة فالذي جرى على أهل الأندلس من جندها البربر لا يُحَدُّ ولا يُوصَف عملوا ما يصنعه كفار الترك وأبلغ، وحرقوا الزهراء وجامعها وقصورها، وكانت أحسن مدينة في الدنيا وأطراها، قال ابن نبيط:
ثلاثة من طبعها الفساد الفأر والبربر والجراد
1209