نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٤١٩ الأمين (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٤١٩ الأمين (١)
[٤] الخليفة، أبو عبدالله محمد بن الرشيد هارون، الهاشمي العباسي البغدادي.
عقد له أبوه بالخلافة بعده، وكان مليحاً، بديع الحسن، أبيض وسيماً طويلاً،
ذا قوة وشجاعة وأدب وفصاحة، ولكنه سيء التدبير مفرط التبذير، أرعن لعاباً، مع
صحة إسلام ودين.
قال المسعودي: ماؤلي الخلافة هاشمي ابن هاشمية سوى علي ومحمد
الأمين.
[٥] وفي سنة ١٩٤ أمر الأمين بالدعاء لابنه موسى بولاية العهد بعد ولي العهد
المأمون والقاسم، وأغرى الفضل بن الربيع الأمين بالمأمون وحثه على خلعه
لعداوة بينهما، وحسن له ذلك السندي، وعلي بن عيسى بن ماهان، ثم بعث
الأمين يطلب من المأمون تقديم موسى ولده على المأمون، ولقبه الناطق بالحق،
فأبى ذلك المأمون.
وأما الأمين، فبلغه خلاف المأمون، فأسقطه من الدعاء، وطلب ما كتبه الرشيد
وعلقه بالكعبة من العهد بين الأخوين، فمزقه، فلامه الألباء فلم ينتصح، حتى قال
له خازم بن خزيمة، لن ينصحك من كذبك، ولن يغشك من صدقك، لا تجسر
القواد على الخلع، فيخلعوك، ولا تحملهم على النكث، فالغادر مفلول، والناكث
مخذول، فلم يلتفت، وبايع لموسى بالعهد واستوزر له.
(١) انظر السير: ٩/٣٣٤-٣٣٩.
712
فلما عرف المأمون، خلع أخاه، وتسمّى بأمير المؤمنين، وأما ابن ماهان، فجهّزه الأمين، وخصّه بمئتي ألف دينار، وأعطاه قيداً من فضة ليُقيّد به المأمون بزعمه، وعرض الأمين جيشه بالنهروان، وأقبل طاهر في أربعة آلاف فالتقوا، فقتل ابن ماهان، وتمزّق جيشه، هذا والأمين عاكف على اللهو واللعب، فبعث جيشاً آخر، وندم على خلع المأمون.
وأنفق الأمين بيوت الأموال على الجند ولا ينفعون، وجاءت أمداد المأمون مع هرثمة بن أعين والفضل بن سهل، وضعف أمر الأمين، وجبن جنده من الخراسانيين، وأحاطت المأمونية ببغداد، يحاصرون الأمين واشتد البلاء، وعظم القتال، وقاتلت العامة والرّعاع عن الأمين قتال الموت، واستمرّ الويل والحصار، وجرت أمور لا توصف، وتفاقم الأمر. ونفدت خزائن الأمين، حتى باع الأمتعة، وأنفق في المقاتلة، وما زال أمره في سفال، وذثرت محاسن بغداد، ودام الحصار والوبال خمسة عشر شهراً.
دخل طاهر بغداد عنوة، ونادى: من لزم بيته، فهو آمن، وحاصروا الأمين في قصوره أياماً، ثم رأى أن يخرج على حمية ليلاً، وفعل فظفروا به، وهو في حراقة (1) فشد عليه أصحاب طاهر في الزواريق (2) وتعلقوا بحراقته، فنقبت، وغرقت، فرمى الأمين بنفسه في الماء، فظفر به رجل، وذهب به إلى طاهر، فقتله، وبعث برأسه إلى المأمون، فإن الله، ولم يسر المأمون بمصرع أخيه.
وعاش الأمين سبعاً وعشرين سنة، وقتل في المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة، وخلافته دون الخمس سنين، سامحه الله وغفر له.
(1) ضرب من السفن بالبصرة، فيها مرامي نيران يرمى بها العدو في البحر. (2) هي القوارب الصغار.
713