نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٧٧٤ - أبو العلاء (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٧٧٤ - أبو العلاء (١)
[١] هو الشيخ العلامة، شيخ الآداب، أبو العلاء، أحمد بن عبدالله بن سليمان، القحطاني، ثم التنوخي المعري الأعمى، اللغوي، الشاعر صاحب التصانيف السائرة، والمتهم في نحلته.
وُلد في سنة ثلاث وستين وثلاث مئة.
وأضر بالجذري وله أربع سنين وشهر، سالت واحدة، وابيضت اليمنى فكان لا يذكر من الألوان إلا الأحمر، لثوب أحمر ألبسوه إياه وقد جذر، وبقي خمساً وأربعين سنة لا يأكل اللحم تزهداً فلسفياً.
وكان قنوعاً متعففاً، له وقف يقوم بأمره، ولا يقبل من أحد شيئاً، ولو تكسب بالمديح، لحصل مالاً ودنيا، فإن نظمه في الذروة يعد مع المتنبي والبُحْثري. وكان يتوقد ذكاء.
ومن أردأ تواليفه «رسالة الغفران» في مجلد قد احتوت على مزدكة وفراغ، و«رسالة الملائكة»، ورسالة «الطير» على ذلك الأنموذج، وديوانه «سقط الزند» مشهور، وله «لزوم ما لا يلزم» من نظمه، وكان إليه المنتهى في حفظ اللغات.
[٢] ارتحل في حدود الأربع مئة إلى طرابلس وبها كتب كثيرة، واجتاز باللاذقية، فنزل ديراً به راهب متفلسف، فدخل كلامه في مسامع أبي العلاء، وحصلت له شكوك لم يكن له نور يدفعها، فحصل له نوع انحلال دل عليه ما ينظمه ويلهج به. ويقال: تاب من ذلك وارعوى.
وقد سارت الفضلاء إلى بابه، وأخذوا عنه.
وكان غذاؤه العدس ونحوه، وحلواه التين، وثيابه القطن.
(١) انظر السير: ١٨ / ٢٣-٣٩.
1256
يقال: كان يحفظ كل ما مر بسمعه، ويلازم بيته، وسمى نفسه رهن المحبسين، للزومه منزله وللعمى، وقال الشعر في حداثته، وكان يُملي تصانيفه على الطلبة من صدره.
خرج صالح بن مرداس ملك حلب فنازل المعرة يحاصرها، ورماها بالمجانيق، فخرج إليه أبو العلاء يتشفع، فأكرمه، وقال: ألك حاجة؟ قال: الأمير - أطال الله بقاءه - كالسيف القاطع، لان مسه وخشن حده، وكالنهار الماتع (١) قاط (٢) وسطه، وطاب أبرداه (٣) ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. (الأعراف: ١٩٩). فقال: قد وهبتك المعرة، فأنشدنا من شعرك، فأنشده على البديهة أبياتاً وترحل صالح.
وكان لأبي العلاء خلوة يدخلها للأكل، ويقول: الأعمى عورة والواجب استتاره، فأكل مرةً دبساً، فنقط على صدره منه، فلما خرج للإفادة قيل له: أكلتم دبساً؟ فأسرع بيده إلى صدره، فمسحه وقال: نعم، لعن الله النهم. فعجبوا من ذكائه، وكان يعتذر إلى من يرحل إليه ويتأوه لعدم صلته.
قال الباخرزي: أبو العلاء ضرير ماله ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألد محجوج، قد طال في ظل الإسلام أناؤه، ورشح بالإلحاد إناؤه، وعندنا خبر بصره، والله العالم ببصيرته والمطلع على سريرته، وإنما تحدثت الألسن بإساءته بكتابه الذي عارض به القرآن، وعنونه بـ (الفصول والغايات في محاذاة السور والآيات). وقال غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسن: له شعر كثير، وأدب غزير،
(١) الماتع: المرتفع، قال في (القاموس): متع النهار: ارتفع قبل الزوال.
(٢) قاط من القيظ، وهو شدة الحر.
(٣) أبرداه: أي طرفاه، وهما الغداة والعشي.
1257
وَيُرْمَى بِالْإِلْحَادِ، وَأَشْعَارُهُ دَالَّةٌ عَلَى مَا يُزَنُّ (١) بِهِ، وَلَمْ يَأْكُلْ لَحْمًا وَلَا بَيْضًا وَلَا لَبَنًا، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى النَّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ إِيلَامَ الْحَيَوَانِ وَيُظْهِرُ الصَّوْمَ دَائِمًا، قَالَ: وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِمَّا رُمِيَ بِهِ فَمِنْهُ:
صَرْفُ الزَّمَانِ مُفَرِّقُ الْإِلْفَيْنِ فَاحْكُمِ إِلَهِي بَيْنَ ذَاكَ وَبَيْنِي أَنْهَيْتَ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ تَعَمُّدًا وَبَعَثْتَ أَنْتَ لِقَبْضِهَا مَلَكَيْنِ وَزَعَمْتَ أَنَّ لَهَا مَعَادًا ثَانِيًا مَا كَانَ أَغْنَاهَا عَنِ الْحَالَيْنِ
وَمِنْهُ:
قُلْتُمْ لَنَا خَالِقٌ قَدِيمٌ صَدَقْتُمْ هَكَذَا نَقُولُ زَعَمْتُمُوهُ بِلَا زَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ أَلَا فَقُولُوا هَكَذَا كَلَامٌ لَهُ خَبِيءٌ مَعْنَاهُ لَيْسَتْ لَكُمْ عُقُولُ
وَمِنْهُ:
دِينٌ وَكَفْرٌ وَأَنْبَاءُ تَقَالُ وَفْرٌ فِي كُلِّ جِيلٍ أَبَاطِيلُ يُدَانُ بِهَا فَإِنْ يُنَصُّ وَتَوَارَةٌ وَإِنْجِيلُ فَهَلْ تَفَرَّدَ يَوْمًا بِالْهُدَى جِيلُ فَاجْتَبَهُ:
نَعَمْ أَبُو الْقَاسِمِ الْهَادِي وَأُمَّتُهُ فَزَادَكَ اللَّهُ ذُلًّا يَا دُجَيْجِيلُ
وَمِنْهُ، لُعِنَ:
فَلَا تَحْسَبْ مَقَالَ الرُّسُلِ حَقًّا وَلَكِنْ قَوْلُ زُورٍ سَطَرُوهُ وَكَانَ النَّاسُ فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ فَجَاؤُوا بِالْمُحَالِ فَكَدَرُوهُ
(١) أي: يُتَّهَمُ.
1258
السَّلَفِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا التِّبْرِيزِيَّ يَقُولُ: لِمَا قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَلَاءِ بِالْمَعَرَّةِ
قَوْلُهُ:
تَنَاقُضُ مَالَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُ وَأَنْ نَعُوذَ بِمَوْلَانَا مِنَ النَّارِ
يَدٌّ بِخَمْسٍ مِمَّنْ (١) مِنْ عَسْجَدٍ وَدِيَتْ مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ؟
سَأَلْتُهُ: فَقَالَ: هَذَا كَقَوْلِ الْفُقَهَاءِ: عِبَادَةٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا.
قَالَ كَاتِبُهُ: لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ، لَقَالَ: تَعَبَّدْ. وَلَمَّا قَالَ: تَنَاقُضْ، وَلَمَّا أَرْدَفَهُ بَيْتٍ
آخَرَ يَعْتَرِضُ عَلَى رَبِّهِ.
وَبِإِسْنَادِي، قَالَ السَّلَفِيُّ: إِنْ كَانَ قَالَهُ مُعْتَقِدًا مَعْنَاهُ، فَالنَّارُ مَأْوَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ
فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ. هَذَا إِلَى مَا يُحْكَى عَنْهُ فِي كِتَابِ «الْفُصُولِ وَالْغَايَاتِ» فَقِيلَ
لَهُ: أَيْنَ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: لَمْ تَصْقُلْهُ الْمَحَارِيبُ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ.
[١] قَالَ السَّلَفِيُّ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ عَقِيدَتِهِ مَا سَمِعْتُ الْخَطِيبَ حَامِدَ بْنَ
بِخْتِيَارٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْمَهْدِيِّ بْنَ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرُّوجِيِّ، سَمِعْتُ أَخِي
أَبَا الْفَتْحِ الْقَاضِي يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْعَلَاءِ التَّنُوخِيِّ بِالْمَعَرَّةِ بَغْتَةً، فَسَمِعْتُهُ
يُنْشِدُ:
كَمْ غُودِرَتْ غَادَةُ كَعَّابٍ وَعُمِّرَتْ أُمُّهَا الْعَجُوزُ
أَحْرَزَهَا الْوَالِدَانِ خَوْفًا وَالْقَبْرُ حِرْزٌ لَهَا حَرِيزٌ
يَجُوزُ أَنْ تُخْطِئَ الْمَنَايَا وَالْخُلْدُ فِي الدَّهْرِ لَا يَجُوزُ
ثُمَّ تَأَوَّهَ مَرَّاتٍ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ
وَسَعِيدٌ﴾ (هود: ١٠٣-١٠٥).
(١) فِي (اللزوم) ١/٥٤٤: بِخَمْسِ مُبِينٍ عَسْجَدٍ، وَمِمَّا بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَهَمْزَةٍ مُنَوَّنَةٍ: مِنْ جَمِيعِ الْمِئَةِ.
1259
ثم صاح وبكى، وطرح وجهه على الأرض زماناً، ثم مسح وجهه، وقال: سُبْحَانَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا فِي الْقَدَمِ! سُبْحَانَ مَنْ هَذَا كَلَامُهُ! فَصَبَرَتْ سَاعَةً ثُمَّ سَلَّمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَرَى فِي وَجْهِكَ أَثَرَ غَيْظٍ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَنْشَدْتُ شَيْئاً مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ، وَتَلَوْتُ شَيْئاً مِنْ كَلَامِ الْخَالِقِ، فَلَحِقَنِي مَا تَرَى. فَتَحَقَّقَتْ صِحَّةَ دِينِهِ.
قَالَ السَّلَفِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا التِّبْرِيزِيَّ يَقُولُ: أَفْضَلُ مِنْ قَرَأْتُ عَلَيْهِ أَبُو الْعَلَاءِ. وَسَمِعْتُ أَبَا الْمَكَارِمِ - وَكَانَ مِنْ أَفْرَادِ الزَّمَانِ - يَقُولُ لِمَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَلَاءِ اجْتَمَعَ عَلَى قَبْرِهِ ثَمَانُونَ شَاعِراً وَخُتِمَ فِي أَسْبُوعٍ وَاحِدٍ مِثْنَا خَتْمَةً. إِلَى أَنْ قَالَ السَّلَفِيُّ: وَفِي الْجُمْلَةِ فَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الْوَافِرِ، وَالْأَدَبِ الْبَاهِرِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالنَّسَبِ وَأَيَّامِ الْعَرَبِ، قَرَأَ الْقُرْآنُ بِرِوَايَاتٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى ثِقَاتٍ، وَلَهُ فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ، وَمَا يُحْضُّ عَلَى الزُّهْدِ وَإِحْيَاءِ طُرُقِ الْفُتُوَّةِ وَالْمُرُوَّةِ شَعْرٌ كَثِيرٌ، وَالْمُشْكِلُ مِنْهُ، فَلَهُ عَلَى زَعْمِهِ تَفْسِيرٌ.
قِيلَ: أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يَكْتُبَ عَلَى قَبْرِهِ:
هَذَا جَنَاهُ أَبِي عَلِيٍّ وَمَا جَنَيْتُ عَلَى أَحَدٍ
قُلْتُ: الْفَلَاسِفَةُ يَعُدُّونَ اتِّخَاذَ الْوَلَدِ وَإِخْرَاجَهُ إِلَى الدُّنْيَا جَنَابَةً عَلَيْهِ، وَيَظْهَرُ لِي مِنْ حَالِ هَذَا الْمَخْذُولِ أَنَّهُ مُتَحَيِّرٌ لَمْ يَجْزَمْ بِنَحْلَةٍ. اللَّهُمَّ فَاحْفَظْ عَلَيْنَا إِيمَانَنَا.
قُلْتُ: قَبْرُهُ دَاخِلَ الْمَعْرَّةِ فِي مَكَانٍ دَائِرٍ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي الصَّقْرِ الْأَنْبَارِيُّ، وَطَائِفَةٌ، وَقَدْ طَالَ الْمَقَالُ، وَمَا عَلَى الرَّجُلِ أُنْسٌ زُهَّادُ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا خُتِمَ لَهُ. وَمِنْ خَبِيثِ قَوْلِهِ:
أَتَى عِيسَى فَبَطَّلَ شَرْعَ مُوسَى وَجَاءَ مُحَمَّدٌ بِصَلَاةِ خَمْسٍ وَقَالُوا: لَا نَبِيَّ بَعْدَ هَذَا فَضَلَّ الْقَوْمُ بَيْنَ غَدٍ وَأَمْسِ
1260
مهمة عشت دنياك هذي فما تخليك من قمر وشمس إذا قلت المحال رفعت صوتي وإن قلت الصحيح أطلت همسي وكانت علته ثلاثة أيام، ومات سنة تسع وأربع مئة وعاش ستاً وثمانين سنة.
1261