نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٠٦ - أبو الوليد الباجي (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٠٦ - أبو الوليد الباجي (١)
[١] الإمام العلامة، الحافظ، ذو الفنون، القاضي، أبو الوليد سليمان بن خلف
ابن سعد، التُّجِيبِيُّ، الأندلسيُّ، القُرْطُبِيُّ الباجيُّ الذهبيُّ.
وُلِدَ أبو الوليد في سنة ثلاث وأربع مئة. وارتحل فرجع إلى الأندلس بعد ثلاث
عشرة سنة بعلم غزير، حصله مع الفقر والتقنع باليسير.
وتفقه به أئمة، واشتهر اسمه، وصنف التصانيف النفيسة.
قال القاضي عياض: ولما قدم من الرحلة إلى الأندلس وجد لكلام ابن حزم
طلاوة، إلا أنه كان خارجاً عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه،
فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل
الجهل، وحل بجزيرة ميورقة، فرأس فيها، واتبعه أهلها، فلما قدم أبو الوليد،
كلموه في ذلك، فدخل إلى ابن حزم وناظره، وشهر باطله، وله معه مجالس
[٢] كثيرة. قال: ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في
«صحيح البخاري»، قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ وكفره
بإجازته الكتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي وأنه تكذيب
للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا
عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال: إن رسول الله قد كتب
فصنف القاضي أبو الوليد رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة،
فرجع بها جماعة.
(١) انظر السير: ١٨ / ٥٣٥-٥٤٥.
1316
قلت: يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أن يُكْتَبَ اسمه ليس إلا، ولا يُخْرِجُ بذلك عن كونه أُمِّيًّا، وقد قال عليه السلام: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ». أي لأن أكثرهم كذلك، وقد كان فيهم الكتبة قليلاً. وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ (الجمعة: ٢). فقوله عليه السلام «لَا نَحْسُبُ» حق، ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب وقسم الفيء، وقسمة المواريث بالحساب العربي الفطري لا بحساب القبط ولا الجبر والمقابلة، بأبي هو ونفسي صلى الله عليه وسلم، وقد كان سيد الأذكياء، ويُبعد في العادة أن الذكي يُملي الوحي وكُتِبَ الملوك وغير ذلك على كتابه، ويرى اسمه الشريف في خاتمه، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطول، ولا يخرج بذلك عن أُمِّيَّتِهِ، وبعض العلماء عد ما كتبه يوم الحُدَيْبِيَّة من مُعْجِزَاتِهِ، لكونه لا يعرف الكتابة وكتب.
ومن نَظْمِ أَبِي الْوَلِيدِ:
[١] إِذَا كُنْتُ أَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأَنَّ جَمِيعَ حَيَاتِي كَسَاعِهِ فَلِمَ لَا أَكُونُ ضَنِينًا بِهَا وَأَجْعَلُهَا فِي صَلَاحٍ وَطَاعَةٍ مَاتَ أَبُو الْوَلِيدِ بِالْمَرْيَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعٍ مِائَةٍ، فَعُمْرُهُ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً فَإِنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ مِائَةٍ.
1317